وفي هذا الكتاب الجديد يتبع المؤلف مسارا مبتكرا للتحدث عن تاريخ الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. فهو يحاول أن يدرس صيرورة المجتمع الأميركي بكل تعدديته وتناقضاته بدءا من النخب العالية وحتى الفقراء المهمشين والصعاليك.
ولا يهمل بالطبع التحدث عن المهاجرين الأوروبيين إلى بلاد العم سام، وكذلك عن المهاجرين الآسيويين والأفارقة السود، الخ. ويركز المؤلف على العلاقة الكائنة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية للولايات المتحدة الأميركية.
هذا وقد قسم المؤلف كتابه إلى أحد عشر فصلا لكي يحيط علما بكل جوانب المجتمع الأميركي. وبالطبع هناك مقدمة وخاتمة وملاحق لأن الكتاب أكاديمي وموجه بالدرجة الأولى إلى طلبة الجامعات والدراسات العليا.
الفصل الأول من الكتاب يحمل العنوان التالي: من الحرب الأهلية إلى العصر الذهبي. وفيه يتحدث المؤلف عن تلك الحرب التي جرت بين الولايات المتحدة الجنوبية والولايات الشمالية بشأن الرق والعبودية ومسائل أخرى والتي اتخذت اسم: حرب الانفصال، وهي الحرب التي انتهت بانتصار الشمال على الجنوب ولكن بعد أن خرج الجميع مثقلين بالجراح. وقد وقع ضحيتها القائد والرئيس ابراهام لنكولن حيث اغتاله المتعصبون الجنوبيون في نهايتها عندما كان يحضر فيلما سينمائيا. فقد أتوه من الخلف وأطلقوا عليه النار.
أما الفصل الثاني من الكتاب فيكرسه المؤلف للتحدث عن التوسع الأميركي باتجاه الغرب وفتح مناطق جديدة واسعة وضمها إلى أميركا. ثم يتحدث عن تشكيل المناطق أو الولايات الرئيسية للاتحاد الأميركي. وهي المرحلة الممتدة من عام 1860 إلى عام 1945. بالطبع فإن هذه المرحلة شهدت أسوأ فصل في تاريخ أميركا لأنه تم فيها استئصال الهنود الحمر واحتلال مناطقهم.
وأما الفصل الثالث من الكتاب فمكرس لدراسة المجتمع الأميركي بصفته مجتمعا من المهاجرين الوافدين من شتى أصقاع الأرض. وقد كانت الهجرات أوروبية في معظمها في البداية ثم أصبحت عالمية من شتى الأصول والبلدان. والواقع أن العرب أصبحوا يتوافدون على أميركا بدءا من نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين. وكان ذلك إبان السيطرة العثمانية الاستبدادية حيث هربوا من الفقر والمجاعات التي يقال بأنها حصدت نصف أو ثلث سكان سوريا الكبرى آنذاك.
وبالتالي فالعرب جزء لا يتجزأ من المجتمع الأميركي تماما كالآسيويين وسواهم. ومن أشهر المهاجرين الأديب اللبناني والعالمي الكبير: جبران خليل جبران.
أما في الفصل الرابع من الكتاب فيتحدث المؤلف عن كيفية تحول المجتمع الأميركي من مجتمع ريفي زراعي إلى مجتمع صناعي تكنولوجي. وقد حصل ذلك بدءا من منتصف القرن التاسع عشر وحتى عام 1930.
وعندئذ ابتدأت سكك الحديد والقطارات تشكل وسيلة النقل الأساسية بين مختلف الولايات التي قد تبعد عن بعضها البعض آلاف الكيلومترات، وذلك لأن أميركا بلاد شاسعة واسعة. إنها قارة بأسرها.
ثم ينتقل المؤلف في الفصل السادس من كتابه إلى التحدث عن المرحلة الفاصلة بين العصر الذهبي وبين الميثاق الجديد الذي تشكل في عهد الرئيس روزفيلت في العشرينات من القرن الماضي. وفي هذه الفترة شهد المجتمع الأميركي انتفاضة ضد النظام البورجوازي والرأسمالي القائم. وظهرت عندئذ حركات شعبية واشتراكية عديدة تطالب بحصتها في الحياة وبالعدالة الاجتماعية.
وأما في الفصل السادس من الكتاب فيتحدث المؤلف عن الموضوع التالي: الولايات المتحدة بين الحرب والسلام (1865 ـ 1937). وهنا يركز المؤلف تحليله على كيفية تأسيس الجيش الأميركي وتطويره لكي يصبح جيشا عملاقا قادرا على التدخل الخارجي.
كما ويتحدث عن تدخل أميركا لأول مرة خارج حدودها عندما أرسلت جيشها إلى أوروبا لإنقاذ فرنسا وانجلترا من ألمانيا. وكان ذلك إبان الحرب العالمية الأولى.
أما الفصل السابع فيتركز على المسألة التالية: ديمقراطية الولايات المتحدة في مواجهة مسؤولياتها العالمية (1937 ـ 1963). وهنا يتحدث المؤلف عن الدور الكبير الذي لعبته أميركا أثناء الحرب العالمية الثانية وفيما بعدها. فلولاها لما استطاع الحلفاء دحر ألمانيا النازية وإلحاق الهزيمة بهتلر.
والواقع أن أميركا ترددت كثيرا قبل الدخول في الحرب. فقد كان يتصارع فيها تياران أساسيان: الأول انعزالي يقول ما لنا للتدخل في شؤون الآخرين. لنهتم بشؤوننا الداخلية ولنترك الآخرين يتحملون مسؤوليتهم. والثاني امبريالي توسعي يقول: ينبغي علينا أن نتدخل في الشؤون العالمية إذا ما أردنا أن نصبح قوة عظمى على المستوى الدولي. وأحيانا كان ينتصر الاتجاه الأول وأحيانا كان ينتصر الثاني.
ثم يضيف المؤلف قائلا:ويمكن القول إنه لولا هجمة الطيران الياباني على الأسطول الأميركي بغتة في ميناء بيرل هاربر لما حسمت أميركا قرارها ودخلت الحرب. فبعد تلك الضربة الأليمة لم يعد أمامها من مجال إلا الدفاع عن شرفها وكرامتها الجريحة. وهي تشبه ضربة 11 سبتمبر التي حصلت فيما بعد من حيث الضخامة والمباغتة.
وهكذا أقسم روزفيلت يمينا بالله أنه سينتقم من اليابانيين وحلفائهم الألمان النازيين. وألقى عندئذ بكل ثقله في المعركة إلى جانب تشرشل وديغول واستطاع أن يحسم الأمور لصالح الحلفاء ضد ألمانيا مرة أخرى. بل وبالغ الأميركان في الانتقام عندما ألقوا القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي في اليابان. وهكذا ركّعوا اليابانيين وأجبروهم على تقبيل أقدامهم والخضوع لهم.
ولكن استخدام القنبلة الذرية كان يمثل جريمة كبرى وسابقة لا مثيل لها في تاريخ البشرية. والبعض يبررها قائلا بأنها كانت السبيل الوحيد للقضاء على الفاشية اليابانية. والبعض الآخر يقول بأنه لا لزوم لها لأن اليابان كانت على أهبة الاستسلام، والله أعلم.
ثم يواصل المؤلف حديثه في الفصل الثامن عن تاريخ أميركا الممتد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1968 تاريخ اندلاع الثورات الطلابية والحركات النسائية في شتى أنحاء الغرب.
وأما الفصل التاسع من الكتاب فمكرس لدراسة حرب فيتنام التي شغلت أميركا طيلة سنوات عديدة واستنفدت طاقاتها وشوهت سمعتها في كل أنحاء العالم. والبعض يعتقد أنها كانت بمثابة فخ نصبه لها الاتحاد السوفييتي ووقعت فيه مثلما أن حرب أفغانستان كانت فخا نصبه الأميركان للاتحاد السوفييتي لاحقا ووقع فيه وأدى إلى إضعافه وسقوطه في نهاية المطاف.
وأما الفصل العاشر للكتاب فيتحدث عن المتغيرات الاجتماعية التي حصلت في أميركا بدءا من عام 1950 وحتى يومنا هذا.
فالعائلة التقليدية انتهت بعد تحرر المرأة والثورة الجنسية التي شهدها المجتمع الأميركي في الستينات من القرن الماضي. وقد أدى ذلك إلى رد فعل عنيف في المرحلة اللاحقة التي أرادت العودة إلى الماضي ووضع حد للتحرر الجنسي بل والشذوذ الجنسي.
وأما الفصل الحادي عشر والأخير فمكرس للثورة التي أحدثها رونالد ريغان في المجتمع الأميركي. وهي ثورة محافظة تريد العودة إلى الوراء كما ذكرنا، أي إلى القيم التقليدية للعائلة الأميركية. فريغان هو الذي أعطى أميركا ثقة بنفسها بعد مرحلة كارتر التي تميزت بالضعف إلى حد ما وبالأخص تجاه إيران واحتجاز الدبلوماسيين الأميركان في سفارتهم بطهران لمدة بضعة أشهر.
ريغان هو الذي أعاد أميركا إلى قيمها التقليدية بل وحتى الدينية وهو الذي طرح شعار إمبراطورية الشر للدلالة على الاتحاد السوفييتي، وهو الذي أطاح به في نهاية المطاف عندما أجبره على الدخول في سباق تسلح غير قادر عليه من الناحية الاقتصادية والتكنولوجية. وكان ذلك عندما طرح مشروعه الشهير: حرب النجوم.
ثم يتحدث المؤلف في الفصول الأخيرة من كتابه عن أميركا في عهد بوش الأب ثم في عهد كلينتون وبعدئذ في عهد بوش الابن الذي يتشبه بريغان.
ويقول بما معناه: أميركا تقف الآن على مفترق طرق في نهاية عهد بوش الابن. فإما أن تستمر على خطه في التصلب والتطرف والهجمة الإمبريالية على العالم الإسلامي، وإما أن تفترق عنه وتمشي في خط المفاوضات والاعتدال والسلام. والواقع أن جون ماكين مرشح الجمهوريين يمثل الخط الأول بل ويبدو أكثر جبروتا من بوش، هذا في حين أن باراك أوباما وهيلاري كلينتون يمشيان في خط الاعتدال ويمثلان الوجه الآخر لأميركا.
*الكتاب: تاريخ الولايات المتحدة من عام 1860 إلى يومنا هذا
*الناشر: أرمان كولان ـ باريس 2007
*الصفحات: 329 صفحة من القطع الكبير
Histoire des Etats - Unis de 1860 à nos jours
Nicolas Bourguinat
Armand Colin - Paris 2007
P.329
