اندريه كاسبي، أستاذ في جامعة السوربون، ومؤلف العديد من الكتب حول الولايات المتحدة الأميركية من بينها عمل ضخم من مجلّدين تحت عنوان: «الأميركيون: ولادة وازدهار الولايات المتحدة». ومن كتبه أيضا: «حرب الانفصال: الولايات غير المتحدة» و«تحرير فرنسا 1944-1946» و«اليهود في ظل الاحتلال» النازي.
الولايات المتحدة تجذب، تثير الإعجاب، تثير الحذر والشجب، قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية تخيف. هكذا يصف مؤلف «الولايات المتحدة اليوم، محاولة فهم» قبل أن يتساءل: مع ذلك، ما الذي نفهمه حقيقة من هذه الديمقراطية؟ هذا الكتاب هو بالتحديد محاولة «اكتشاف» أو «إعادة اكتشاف» بلاد «غير معروفة وغير مفهومة وغير محبوبة»، كما يتم وصفها.يتألف الكتاب من ستة فصول وخاتمة. يبدأ المؤلف، وهو مؤرخ أصلا، بثلاثة فصول عن تاريخ الولايات المتحدة «الأرض الموعودة الجديدة» ومكوّناتها الاجتماعية، بهنودها ومهاجريها وأغنيائها وفقرائها. ثم يكرّس فصلا مما يسميه «الديمقراطية على الطريقة الأميركية»، ليؤكد في فصل لاحق أن «القوة العظمى ليست القوة القادرة» ويتحدث المؤلف هنا عن «طموحات جورج دبليو بوش» بشكل خاص. الفصل السادس في هذا الكتاب يحمل عنوان «ثقافة يقلّدها الآخرون ويشجبونها في الوقت نفسه».
ما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن أميركا «تتغيّر غالبا» و«سريعا»، أما مجتمعها فهو «في حركة مستمرة». الدليل الواضح الذي يقدمه يتمثل في القول إن المواضيع الأساسية التي قامت حولها الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2004 ليست هي المواضيع التي ترتسم حولها الحملة الرئاسية الأميركية الراهنة في أفق انتخابات نهاية عام 2008.
تجدر الإشارة الى أن هذا العمل كان بدأ بنسخته الأولى عام 2004، أي عند نهاية الفترة الرئاسية الأولى لجورج دبليو بوش، وتتم العودة اليوم إلى المتغيرات.
يبدأ المؤلف تحليلاته بالحديث عن الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الولايات المتحدة الأميركية في صيف عام 2007، أي بعد فترة وجيزة من انتخابه رئيسا. الفرنسيون تساءلوا آنذاك، عن الدلالة التي ينبغي إعطاؤها لتلك الزيارة؟ وهل كانت تعني انحيازا للسياسة الخارجية لجورج دبليو بوش؟
أم كان الأمر يتعلق بمجرّد إعجاب شديد يكنّه نيكولا ساركوزي للولايات المتحدة؟ البعض قرعوا نواقيس الخطر ففرنسا هي بصدد أن تفقد «استقلاليتها». المؤلف يشير إلى أن حوالي مليون فرنسي، من أصل 11 مليون يقضون سنويا إجازاتهم الصيفية خارج البلاد، يقصدون الولايات المتحدة، تجذبهم نيويورك وواشنطن ولوس انجلوس والحدائق.
ثم يبدو من الواضح أن وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة في فرنسا وأوروبا، بل وفي العالم، تولي الكثير من اهتمامها ل«الحياة على الطريقة الأميركية». بل والحديث لا يتوقف أبدا عن «أمركة» العالم كله، ومما يأخذ أحيانا مفهوم (الغزو الثقافي ).
السمة الأولى التي يؤكد عليها المؤلف في المجتمع الأميركي هو أنه قبل أي شيء «مجتمع مهاجرين». ويشير هنا إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق الراحل جون كندي كان قد جمع ذات مرة عددا من خطاباته ونشرها في كتاب تحت عنوان: «أمة من المهاجرين».
وقد كان على صواب في ذلك ف«جميع الأميركيين هم من المهاجرين أو من سليلي الهجرة. وليس هناك أميركيون تعود جذورهم الأولى إلى البلاد»، كما يشير المؤلف قبل أن يفتح قوسين للحديث عن «الهنود الحمر».
هؤلاء أيضا «قدموا من قارة أخرى»، رغم أن اللغة الرسمية تدل عليهم بتعبير «مواليد أميركا» كان هؤلاء الهنود متواجدين في البلاد عندما قدم الأوروبيون، ولم تكن «فارغة» . فقط يؤكد المؤلف أنه «من الصعب تحديد عددهم بدقة»، ويقدّم رقم «15 مليون» كحد أعلى، أي أنهم لم يكونوا يكوّنون (أمة).
كذلك يتم التأكيد في هذا السياق على أن الهنود الأميركيين كانوا يعيشون «في قبائل» تفصل بينها الثقافة واللغة ونمط العيش. بل يتم التأكيد على أنهم كانوا يعيشون في حالة «اقتتال مستمر» أو على الأقل «كانوا يتجاهلون بعضهم بعضا» على خلفية انتماءاتهم القبلية إلى «الآباتشي» أو النافاجو أو «الميكماك» أو «الهوبي»، الخ.
ولا يتم استبعاد أن يكونوا قد انطلقوا من شرق آسيا واجتازوا مضيق «بيرينغ» نحو القارة الأميركية منذ ما بين عشرين إلى ثلاثين ألف سنة. واستوطنت الدفعات الأولى منهم في أميركا الجنوبية ثم التالية في أميركا الوسطى بينما استقرت الدفعات الأخيرة في أميركا الشمالية، الولايات المتحدة الأميركية لاحقا.
بكل الحالات كانت العلاقات «معقّدة» بين هؤلاء «الهنود» وبين الأوروبيين الذين قصدوا «العالم الجديد» على خطى «كريستوف كولومبس» الذي وصل مع بحارته إلى «الهند»، كما كان يعتقد، عام 1492. وقد ساعد هؤلاء «الهنود» الأوروبيين «في البداية» على اكتشاف البلاد التي وصلوا إليها لكنهم رفضوا منذ البداية أيضا «العمل لحساب البيض»، بتعبير آخر رفضوا أن يكونوا «عبيدا».
وقد بدأت منذئذ مسيرة «انقراضهم» في نوع من «صدام الحضارات». هذا وكانت سنوات الستينات من القرن الماضي (العشرين) قد شهدت نوعا من «محاولة إحياء» التراث «الهندي». بكل الحالات يخلص المؤلف إلى القول إن (اندماج الهنود في المجتمع الأميركي أثبت باستمرار فشلا كبيرا).
كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن الأميركيين يعيشون باستمرار «أزمة هوية». نقرأ: «إن الأميركيين لا يتوقفون عن التساؤل، منذ قيام الولايات المتحدة، عن هويتهم الوطنية».
وتتم في هذا السياق الإشارة إلى كتاب نشره أميركي من أصل فرنسي اسمه «ميشيل دوكريفكور» عام 1782 تحت عنوان: «رسائل مزارع أميركي» وطرح فيه السؤال التالي: «ماذا يعني أن يكون المرء أميركيا»؟ ثم لم يتردد في الإجابة: (إنه مزيج من الانجليز والاسكوتلنديين والألمان والإيرلنديين والفرنسيين والهولنديين والسويديين).
لم تمر عملية «أمركة» خليط المهاجرين دون العديد من الصعوبات، مع مختلف أشكال التمييز فالأجيال التالية التي وُلدت فوق الأرض الأميركية لم تنس أصولها وانتماءاتها السابقة مما كان له أثره في علاقاتها المتبادلة، وصولا إلى أن لافتات مثل «ممنوع دخول اليهود» في القرن التاسع عشر بعد اتهامهم بعمليات التهريب والتجارة الممنوعة أثناء الحرب الأهلية، لم تكن قليلة العدد في أميركا، ثم تلتها لافتات من نوع (ممنوع دخول السود).
بكل الحالات «تثار منذ قرنين من الزمن نقاشات حامية حول المجتمع الأميركي الذي كان باستمرار موضوع آراء متناقضة، ومبالغ فيها غالبا، وكأنه كان «من المستحيل امتلاك نظرة دقيقة وموضوعية وخالية من التهويمات والأوهام»، كما يقول المؤلف.
ويؤكد أن هذا الواقع لا يبدو كثيرا على السطح بفعل حالة «الازدهار» السائدة في هذه البلاد-القارة التي تبلغ مساحتها حوالي 9 ملايين كيلو متر مربع، أي ما يزيد على مساحة فرنسا ب18 ضعفا. هذا ويوجد في المجتمع الأميركي أغنياء وفقراء، وطبقة وسطى كثيرة العدد ومكوّنة من عدة شرائح.
تجدر الإشارة هنا إلى أن «عتبة الفقر» في تصنيفات السلطات العامة الأميركية هي «9645» دولارا للفرد في السنة و«12334» دولارا لأسرة مكوّنة من شخصين. ما يتم تأكيده هو أن ثلثي «الفقراء» في الولايات المتحدة هم من (البيض).
أما «الديمقراطية الأميركية» فهي أحد أشهر النماذج في العالم. وهناك حزبان يتناوبان تاريخيا على السلطة هما الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. والدستور الأميركي يتم وصفه أنه «بسيط ومعقّد» في الوقت نفسه. ومصدر تعقيده الأساسي يكمن خاصة في ميدان الانتخابات على مختلف مستوياتها الرئاسية وانتخابات مجلس النواب والشيوخ.
ومصدر آخر للصعوبة يتمثل في آليات الترشيح. لكن المؤلف يؤكد في المحصلة أنه «ليس هناك أية ديمقراطية تطلب من مواطنيها القدر نفسه من المساهمة» في الحياة العامة، وليس هناك « القدر نفسه من الاحتياطات» للمحافظة على الديمقراطية في أي نظام ديمقراطي آخر.
لكن الديمقراطية الأميركية لها «نقاط هشاشتها»، كما يشير المؤلف، فالدور الذي تلعبه وسائل الإعلام من جهة، والكلفة الباهظة للحملات الانتخابية «تجعل دور المال كبيرا في النقاشات السياسية»، هذا إلى درجة أن من يستطيع الإنفاق أكثر يصبح حظّه في الفوز بالانتخابات أكبر. ذلك أنه (يمكن للمال أن يجرف في طريقه نقاش الأفكار والقناعات الشخصية وطموح خدمة البلاد).
خاتمة الكتاب تحمل عنوان «لكل أميركي أميركا التي يريدها»، هذا إلى جانب التأكيد على أن ما هو صالح بالنسبة لعام 2008 لم يكن كذلك خلال سنوات الثمانينات المنصرمة ولن يكون صالحا بعد عامين.
وينتهي المؤلف في تحليلاته إلى القول: «إن معرفة أفضل من قبل الفرنسيين للأميركيين ومن قبل الأميركيين للفرنسيين» قد تؤدي إلى إزالة الكثير من أشكال سوء الفهم التي تشكل جزءا من تاريخ العلاقات بين جانبي الأطلسي.
*الكتاب:محاولة فهم
الولايات المتحدة الأميركية اليوم
*الناشر:بيران ـ باريس 2008
*الصفحات: 309 صفحات من القطع الصغير
Comprendre les Etats-Unis d'aujourd'hui
André Kaspi
Perrin - Paris 2008
P.309

