ما يقدمه لنا غريشام على صفحات هذه الرواية هو في جوهره حكاية دعوى ترفع على شركة مواد كيماوية من منظور كل من يعنيهم الأمر، ابتداءً من الأرملة التي قضى زوجها نحبه بالسرطان وصولاً إلى الملياردير الرئيس التنفيذي للشركة الذي يحاول بضراوة إبقاء شركته في السوق.
والرواية تنتمي بوضوح إلى نوعية أعمال الإثارة القضائية، ولكن سقف طموحها يتسم بارتفاعه الهائل ورؤيتها أخلاقية في جوهرها، وهما أمران يمكنان هذه الرواية من تجاوز آفاق النوعية التي تنتمي إليها.
المسرح الذي تدور عليه وقائع الرواية هو بلدة باومور بولاية مسيسبي، حيث مضت شركة كرين للكيماويات تلقي على امتداد سنوات وبشكل غير مشروع نفاياتها في النظام البيئي للبلدة، بحيث أصاب التلوث مياه الشرب فيها، وبلغت الإصابة بالسرطان خمسة عشر ضعف نظيرتها على المستوى القومي.
تعيد أصداء الحبكة التي أحكم غريشام نسجها هنا تذكيرنا بنظيرتها في رواية «دعوى مدنية» لجوناثان هار، فنجد أرملة ترفع دعوى على شركة كرين، وبمساعدة من محامين هما زوج وزوجة تحصل على حكم بالتعويض يقضي بأن تدفع لها الشركة 41 مليون دولار. غير أن كارل ترودو الرئيس التنفيذي للشركة يظل على تحديه ويقسم بأن الأرملة لن تحصل على دولار واحد من هذا المبلغ.
تستأنف شركة كرين الحكم، ويخلص ترودو إلى ضرورة استثمار ملايين عدة من الدولارات في إجراءات تضمن له أنه لن يخسر الاستئناف أبداً. وهكذا فإنه يستعين باستشاري يدعى باري راينهارت والذي يبلغه بأن محكمة ميسوري العليا منقسمة بعمق في ما يتعلق بهذه القضية.
وأن قاضياً واحداً مؤيداً لموقف شركة كرين سيحدث فارقاً كبيراً في النتيجة النهائية، وهكذا فلابد من إخراج أحد القضاة الذين لا يؤيدون موقف الشركة من تشكيلة القضاة، على أن يتم انتخاب بديل له يمكن إقناعه بالوقوف إلى جانبها. ولا حاجة إلى القول إن حملة رون فيسك للحلول محل شيلا مكارثي، كانت جيدة التمويل وحافلة بالحيل القذرة.
من الواضح أن غريشام ضاق ذرعاً بميل الأموال الطائلة إلى السيطرة على السباقات السياسية، وهكذا فإن الحملة الانتخابية التي يصفها على نحو مشوق هي خليط من اغتيال الشخصية والنفاق المذهل والإعلانات التي تمثل إلقاء للوحل في وجه الخصوم، فضلاً عن عمليات التلاعب. وبتعبير آخر فإن غريشام يقدم للقارئ صورة مألوفة على نحو محزن للمشهد السياسي الأميركي الراهن.
يفوز رون فيسك بمقعد في محكمة ميسوري العليا، وسرعان ما يحتفل ترودو بهذا الفوز بشراء يخت هائل يطلق عليه اسم زوجته، لكن رسالة غريشام ليس قوامها أن المال ينتصر دائماً على العدالة، وأن الشركات الكبرى ستسحق حتماً وباستمرار الرجل الصغير بكل الوسائل غير الأخلاقية الضرورية، فهناك شيء يبعث على الشعور بالصدمة يحدث للقاضي الجديد في نهاية الرواية، بحيث تتوالى الأحداث لتتيح المجال للتفاؤل كي يطل في الأفق.
وبينما لا شك في أن غريشام يمقت الفساد المنطلق بلا هوادة وحكم المال اللذين يصفهما في روايته، إلا أن ما يقدمه لنا حافل بإمكانية الصمود والإبقاء على نظافة اليد والضمير، فهناك ضوء يتألق في نهاية النفق، وهناك وعد محدود بالتغيير يقوم على أساس الاشمئزاز المتعاظم من الأمر الواقع.
بهذا المعنى فإن «الاستئناف» هي رواية على قدر كبير من الجاذبية والتشويق، تعلن من خلال إطلاع القارئ على ما يسود النظام من انحراف مدى عمق التوق إلى العدالة.
وقد كان من الطبيعي أن تثير رواية غريشام هذه التي طال انتظارها حماس من تصدوا لها بالعرض والنقاش والتحليل.
ها هو تشك ليدى في صحيفة «بوسطن غلوب» يبادر إلى القول إن غريشام في هذه الرواية يبدو مناظراً لعمالقة العهدد القديم الذين يرفعون الصوت عالياً بالتحذير من الخطايا، لكنه يقوم بذلك على نحو روائي بديع الصياغة.
وبدورها تقول جانيت ماسلين في مقال مطول لها في صحيفة «نيويورك تايمز» إن غريشام يقدم في هذه الرواية أجمل عمل أطل به على القراء منذ سنوات طويلة، حيث أن ابتعاده الذي طال عن عالم القص يصل إلي نهايته هنا، وأياً كان شغفه بتقديم الأعمال غير المنتمية إلى عالم القص مثل كتابه «البريء» فإنه في روايته الجديدة يعود ليقدم لنا سرداً بديعاً يجمع بين القوة والقدرة على التشويق، فتطل مهارته في أقصى قمم اكتمالها.
غير أن هذا المديح الذي قد يبدو لبعض القراء مبالغاً فيه لا يمضي من دون لمسة انتقاد فجانيت ماسلين لا تبدو شديدة الحماس لرسم الشخصيات عند غريشام في روايته الجديدة، بل أنها تذهب إلى القول إن الشخوص تبدو ملصقة لصقاً على صفحات الرواية.
لكن موقع بارنز أند نوبل المتخصص يبدي حماساً خالصاً بلا لمحة انتقاد واحدة لرواية غريشام الجديدة، فيذهب إلى القول إنها قادرة على استقطاب الاهتمام تماماً كما لو كانت هجوماً تشنه سمكة قرش.
ويلفت الموقع نظر القراء إلى أن مسرح الأحداث في هذه الرواية يبدو مألوفاً إلى حد كبير، فالحكم الابتدائي لا يقابل إلا بالرفض التام من جانب رئيس شركة كرين الذي يرفض دفع التعويض المستحق، ويصر على استئناف الحكم أمام محكمة الولاية العليا، ويقوم بكل ما من شأنه أن يضمن له الخروج من المحكمة منتصراً حتى لو اقتضى ذلك اللجوء إلى كل الأساليب الخارجة على القانون التي يمكن تصورها، بما في ذلك التلاعب بمبدأ «رجل واحد، صوت واحد».
ويقول بيثان باتريك في مقال بصحيفة «واشنطن بوست». إن غريشام يصل بعمله الجديد إلى الذروة في توسيع آفاق عالمه الروائي، حيث يركز علي ملامح الواقع، كما نلمسه في ساحات المحاكم، حيث تحتل رسالته صدارة الساحة، وتفرض على كل منا أن يفسرها بطريقته الخاصة.
وتظل هذه الرواية لغريشام عملاً آسراً حقاً يستمد قوته من قدرته على دفعنا إلى التأمل في وقائع عالمنا وأحداثه والنتائج النهائية التي يندفع نحوها بصورة حتمية، تماماً كاندفاع مياه الشلال الهادرة.
*الكتاب: الاستئناف
*الناشر:دوبلداي ـ نيويورك 2008
*الصفحات:368 صفحة من القطع المتوسط
The Appeal
John Grisham
Doubleday- N.Y.2008
Doubled
