قدّم الفيلسوف جورج ستينر أكثر من خمسين كتابا. اشتهر كفيلسوف وكناقد أدبي وكعالم في اللسانيات. من مواليد مدينة باريس عام 1929، لكنه هاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1940.
بدأ بنشر أول دراساته عام 1956 وأسس عام 1961 معهد تشرشل الشهير في كامبريدج التي عمل أستاذاً فيها لسنوات طويلة. من أشهر كتب جورج ستينر عملان نشرهما في سنوات السبعينات المنصرمة وهما «الثقافة ضد الإنسان» الصادر عام 1971 و«ما بعد بابل» الصادر عام 1975. ومن بين كتبه «صمت الكتب» و«قواعد الإبداع». «الكتب التي لم أكتبها» هو الكتاب الذي صدر للمؤلف قبل فترة وجيزة عن مشاريع الكتب التي كان قد أراد كتابتها ولم ينفّذ ذلك. وها هو اليوم يعود إلى استكمالها في موجزات، إذا صحّ التعبير، كي يلقي بعض الضوء على العديد من القضايا التي اهتم بها البشر خلال الحقبة الماضية والتي لا تزال تنال الكثير من الاهتمام اليوم. مواضيع في الفن والأدب والسياسة والتاريخ والعلم والبيئة، باختصار مواضيع متباينة الاهتمام مثل شخصية المؤلف نفسه. إن جورج ستينر، من موقع الأستاذ، يحاول أن يقدّم لقارئه الكثير من المعلومات عبر الانتقال من أصغر الأشياء للحديث عن أكثرها إشكالية وتعقيدا. هكذا نراه مثلا ينتقل من إشارة إلى «كلبه» للحديث عن موقع الإنسان في الكون الذي نعيش فيه.
وفي معرض حديث المؤلف عن الانترنت وثورة المعلوماتية التي يعيشها العالم اليوم يعود جورج ستينر إلى الاستشهاد بالفيلسوف الكبير هيغل وينقل عنه جملة تقول: «كل تكنولوجية هي بحث في الماورائيات». هذا القول يعتبره ستينر بمثابة إشارة شبه صريحة إلى حضارة الإلكترونيك والمعلوماتية.
وهو يرى في هذه الحضارة «الافتراضية» عالما لا يمكن حساب نتائجه ولا السبيل الذي يقود البشر فيها. ذلك أنه قد يؤدي، عبر الثورة المتمثلة في ولادة مجتمع المعرفة والاتصالات، إلى «زوال جميع الضمانات التي تؤمنها الوثائق المكتوبة». ولن يكون بمقدور البشر أن يضبطوا باستمرار الواقع القائم في مجال الانتشار الكوني للمعلومات، ولما يُسمّى ب«الذكاء الاصطناعي» الذي، ورغم أنه وليد الذكاء الإنساني، قد يتفوّق عليه ويفلت من رقابته.
إن أحد مظاهر الخطر الكبرى المترتبة على ثورة «الانترنت» يحددها المؤلف في أن «سيادة ما هو عابر» فيا يتعلق بالبنى التي تقوم عليها الأحاسيس قد يؤدي إلى «زوال السلطات القديمة للمعارف» هنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى كلمة قالها الشاعر بول ايلوار عن«الرغبة القاسية في الاستمرار».
هذه الرغبة التي طالما عذّبت المؤلف جورج ستينر، كما يقول، ويضيف أنها كانت المفتاح الحقيقي لحياته كلّها، وربما كانت أحد الدوافع وراء أفعال الكثير من البشر.
وهناك خطر آخر يترتب على ثورة المعلوماتية والاتصالات يجده المؤلف في واقع «موت الأنا» الفردية التي استلهم منها المبدعون في الأدب والفن وكل المشارب الأخرى وقامت على أساس ذلك شخصيتهم المعترف بها. هذا كلّه مآله إلى الزوال في ظل «انتصار ما هو مُغفل»، أي على طريقة الشركات «المغفلة» المعروفة.
وحسب النسق نفسه من التحليل يرى المؤلف أن القيم التي سادت في المجتمعات الأوروبية ثم الغربية وإلى حد كبير في العديد من مجتمعات العالم، منذ عهد اليونان القديمة سوف تنطفئ هي الأخرى شيئا فشيئا. وإذا لم يحدث ذلك فإنها سوف «تنعكس».
لكن بعد أن يؤكد ستينر على وجود مثل هذه المخاطر التي ترتسم في الأفق القريب أو البعيد، إلى هذه الدرجة أو تلك، يطرح السؤال التالي: «هل هذا خطير جدا؟»، ويجيب على الفور: «لم يعدنا أحد بوجود عقد لا انفصام منه مع أبدية الحقبة الكلاسيكية».
والفنّ، ما هو مآله؟ هل هو الموت أيضا؟. إن المؤلف يجد مرجعيته مرّة أخرى لدى مبدع فرنسي كبير هو بول فاليري الذي ينقل عنه قوله منذ عام 1919 أن «أوروبا وثقافتها تسيران في طريق الانحطاط». ولا يتردد ستينر في القول اننا اليوم بالفعل في نهاية تلك الحقبة «المتسامية»، بمعنى التحليق في الآفاق التي سمحت ل«الثقافة العليا» أن تتفتح وتزدهر.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن العمالقة الكبار الذين ملأت شهرتهم العالم كله في القرن الماضي (العشرين) كانوا قد قاموا بما يشبه «نوعا من تلخيص الماضي».
هكذا قام «جويس» في كتاباته ب«توظيف» هوميروس؛ وغرف الرسّام الشهير، وربما الأكثر شهرة في العالم، من تاريخ الفن الذي سبقه منذ الحقب القديمة وصولا إلى كلود مونيه، كي يقدّم أعماله. ويتساءل المؤلف مرّة أخرى: «هل نحن في الخاتمة؟ وهل نحن بصدد تحضير «الكاتالوك» الأخير للمتحف أم نحن بصدد الإعلان عن عملية تجديد له؟».
ومن الفن إلى السياسة. وهنا يؤكد المؤلف على أن الولايات المتحدة الأميركية تتقدّم، ويصفها على أنها مثل «بساط متحرّك» تتقدّم ولا تنظر سوى إلى الأمام.
ويرى أن هذه الأمة هي أمّة فتية وهذا ما يميّزها عن أوروبا القارّة القديمة التي «لها في كل زاوية شارع قصة من تاريخها»؛ ولهذا تعاني من أزمة هوية حقيقية تجعلها في حالة ارتباك حقيقي. وهنا يؤكّد المؤلف أن الحل بالنسبة لها لن يكون أبدا في «انحلالها في نوع من النزوع إلى التشبّه بالمسار الأميركي». ذلك أن المسارين والسياقين التاريخيين مختلفان بين الحالتين.
ويركّز المؤلف في هذا الإطار على القول بأن أوروبا لا تزال تعيش بقوة حتى اليوم تحت ضغط سنوات الحرب العالمية الأولى ما بين 1914 و1918. ولا يتردد في أن يطلق على تلك الحرب تسمية الحرب الأهلية الأوروبية.
ويرى أن الأوروبيين لم يتخلّصوا حتى اليوم من ذلك الماضي المرعب الذي يبدو حاضرا أكثر من أي وقت مضى إذ ان «الذكريات» تعود مع مسيرة إعادة لحم ما كان قد تشظّى سابقا. الدليل الذي يقدمه المؤلف هو العدد الكبير من الكتب حول تلك الفترة خلال السنوات الماضية والتي لاقت نجاحا كبيرا.هنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير أنه «ربما للمرّة الأولى في تاريخها تحاول أوروبا أن تعيش بصدق مع أشباحها».
ويتساءل المؤلف أيضاً عمّا إذا كانت الصين بصدد «الأمركة»؟. إن المؤشر الكبير الذي يسوقه للتدليل على أن الأمر قد يكون كذلك يتمثّل في القول ان «الكونفوشيوسية» التي تشكل التراث التاريخي والثقافي الذي أمن حتى اليوم تلاحم الحضارة الصينية هي الآن بصدد «التلاشي» قليلا وفقدان الكثير من مواقعها.
وهناك عامل آخر يتم التأكيد عليه ويتمثّل في حالة «الخوف التاريخي» الذي يعيشه الصينيون على صعيد حياتهم الخاصّة. يضاف إلى هذا في الحالة الراهنة من التطور الاقتصادي الصيني الهائل، واقع التأرجح الذي تشهده البلاد بين الزراعة والصناعة وبين الليبرالية الاقتصادية وحكم الحزب العقائدي الواحد.
لكن المؤلف لا يتردد في القول ان المستقبل برأيه هو للهند وليس للصين. إنه يؤكد أن «للهند مشاكلها. لكنها سوف تفاجئنا. والطلبة الأكثر قدرة على الإبداع الذين أقابلهم في جامعة كامبريدج هم في أغلب الأحيان من الهند. كذلك يشير المؤلف في هذا السياق إلى المكسيك «التي تهبّ عليها رياح الأمل».
إن الشباب في هاتين الحالتين، أي الهند والمكسيك، الذين يندفعون بحماس في السبل التي تضعها الحياة أمامهم، لا يجدون برأي المؤلف من يوازيهم في القارة الأوروبية. هذا ويشير المؤلف إلى استثناءين في أوروبا يخصّان ايرلندا والبرتغال.
ويتعرّض المؤلف في الكتاب أيضاً إلى إحدى المشاكل التي يواجهها عالم اليوم وهي تتعلق بقضية البيئة وما يتهددها من أخطار بسبب الصناعات الحديثة. وهو يشير بداية إلى أن الإنسان قد شرع منذ انطلاق الثورة الصناعية بعمليات تخريب واسعة للطبيعة. ثمّ حلّ ما يسميه ب«طغيان مال الرأسمالية الكبرى» و«شيوعية الدولة» كي تزداد ظاهرة التخريب على مدى القرن العشرين كلّه.
ويتساءل: هل نسينا أننا ضيوف على هذه الأرض؟. وهل سيبقى هناك أي موقع لن يفضّ الإنسان عذريته؟ وهل سوف يعيش البشر في إطار معسكرات كبيرة شاسعة؟. إنه لا يجد إجابات عن هذه الأسئلة، لكن هذا لا يمنعه من الإشارة إلى بارقات أمل صغيرة من خلال ما يبديه البعض من حرص على الحيوانات والتأكيد على حقوق الأطفال، أي ما يمثّل بعض المكتسبات الصغيرة للحداثة.
*الكتاب:الكتب التي لم أكتبها
*الناشر:نيو دايريكشن بوبليشينغ كوربوريشن ـ نيويورك 2008
*الصفحات :192 صفحة من القطع المتوسط
Unwritten Books
George steiner
New Directions Publishing Corporation-N.Y2008
P. 192

