مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الأميركية ريبيكا ر. مور الأستاذة في إحدى جامعات ولاية مينيسوتا حيث تدرس العلوم السياسية. وهي مختصة أساسا في السياسية الخارجية للولايات المتحدة، وحلف الأطلسي، والغرب عموما. كما أنها تلقي محاضرات في الشؤون الدولية على طلبة الدراسات العليا.
وكانت قد نشرت سابقا عدة أبحاث عن حلف الأطلسي، وسياسة حقوق الإنسان، وتشجيع المجتمع المدني في الصين. وفي هذا الكتاب الجديد تتحدث المؤلفة مطولا عن حلف الأطلسي وتقول بما معناه: طيلة نصف قرن من الحرب الباردة.
كان هدف الحلف الدفاع عن العالم الحر ومواجهة التوسع المخيف للشيوعية والمعسكر السوفييتي. وقد لعب الحلف الأطلسي دورا بارزا في كل المعارك الباردة التي جرت مع الشيوعية سواء في برلين، أم في كوريا أم في كوبا، أم في مناطق أخرى من العالم. وربما لم يكن تماسك الحلف وقوته العسكرية الضاربة بغريبين عن سقوط الاتحاد السوفييتي أخيرا. وكان ذلك بمثابة أكبر انتصار لحلف الأطلسي والمعسكر الغربي بمجمله. فقد برهن أنه قادر على كل شيء إذا ما اتحد وكان متراص الصفوف في وجه أعدائه.
ثم تردف المؤلفة قائلة:
والآن، وبعد سقوط الشيوعية والاتحاد السوفييتي، لم يعد أمامنا من عدو مشترك إلاّ الأصولية الراديكالية. وعلى الرغم من أنها لا تشكل خطرا عسكريا موازيا للخطر السوفييتي إلا أنها تسبب لنا القلاقل والمتاعب وتهددنا بالتفجيرات العمياء المرعبة كتلك التي حصلت في 11 سبتمبر أو 11 مدريد أو لندن أو سواها.
وبالتالي فنحن في مواجهة حرب جديدة وإن من نوع آخر. إنها حرب متعددة الجبهات بل وتشمل العالم كله تقريبا. ولذا فإن حلف الأطلسي مدعو لأن يلعب الدور نفسه ضد الأصولية المتطرفة كما لعبه ضد الشيوعية المتطرفة. ولكن هل ستستغرق منه هذه الحرب مدة نصف قرن كالحرب الباردة؟ لا نعتقد ذلك وإن كانت سوف تشغلنا وقتا طويلا ولن تنتهي بين عشية وضحاها.
ثم تتحدث المؤلفة عن تركيبة الحلف وتقول بأنه توسع الآن أكثر بكثير مما كان عليه ابان الحرب الباردة، وبالتالي أصبحت مقدراته العسكرية أكبر من السابق بفضل انضمام دول جديدة ومهمة إليه. ففي الماضي كانت الدول المؤسسة هي التالية: بلجيكا، كندا، الدانمارك، الولايات المتحدة، فرنسا، ايسلندا، إيطاليا، لوكسمبورغ، النرويج، هولندا، البرتغال، بريطانيا.
ثم انضافت إليه بعد الخمسينات الدول التالية: اليونان (1952)، تركيا (1952)، ألمانيا الغربية (1955)، اسبانيا (1982).وبعد انهيار الشيوعية انضمت إلى الحلف العديد من دول أوروبا الشرقية والوسطى التي كانت سابقا أعضاء في حلف وارسو المعادي له. نذكر من بينها: الجمهورية التشيكية (1999)، بولونيا (1999)، هنغاريا (1999)، بلغاريا (2004)، ايستوانيا (2004)، ليتوانيا (2004)، لاتفيا (2004)، رومانيا (2004)، سلوفاكيا (2004)، سلوفينيا (2004).
ثم وقع الحلف معاهدات شراكة من أجل السلام مع الدول الأوروبية الأخرى التي لم تنضم إليه وكذلك مع بعض دول العالم الأخرى، نذكر من بينها معاهدة الشراكة مع ألبانيا، والبوسنة، وكرواتيا، وفنلندا، وايرلندا، وصربيا، والسويد، وسويسرا، والنمسا، وبيلوروسيا، وارمينيا، واذربيجان، وكازاخستان، واوكرانيا، ومعظم دول آسيا التي كانت سابقا تابعة للاتحاد السوفييتي.
لكن على الرغم من أن القيادة جماعية في الحلف إلا أن الكلمة الأخيرة تبقى لواشنطن. فهي قائدة حلف الأطلسي الفعلية وإن يكن سفراء فرنسا وانكلترا وألمانيا وسواهم لهم كلمتهم أيضا وربما لهذا السبب فإن الجنرال ديغول غضب في الستينات من القرن الماضي وانسحب من بعض هيئات الحلف. وكان ذلك بمثابة احتجاج على الدور المهيمن لواشنطن. كما وأراد القائد الفرنسي الكبير أن يعبر آنذاك عن رغبته في الحياد والاستقلالية تجاه الصراع الدائر بين القوتين الأعظم. ولكن فرنسا عادت مؤخرا إلى صفوف الحلف بالكامل.
ويهدف الحلف كما تقول المؤلف إلى تحقيق الاستقرار في العالم بعد نهاية الحرب الباردة. ومعلوم أن هذا الاستقرار مهدد ليس فقط من قبل الحركات الأصولية المتطرفة وإنما أيضاً من قبل النزاعات الثنائية بين دول كبرى مهمة، نذكر من بينها الصراع الدائر منذ عقود بين الهند وباكستان.
ومعلوم أن الحرب اندلعت بينهما أكثر من مرة ولولا تدخل القوى العظمى وبخاصة الولايات المتحدة لكانت النتيجة كارثية. نقول ذلك وبخاصة أن كلا البلدين يمتلك القنبلة الذرية، وبالتالي فلو استخدماها لدمرت المنطقة بأسرها. ويبدو أن الرئيس بيل كلنتون صرح لبعض مستشاريه عندما كان لا يزال في البيت الأبيض قائلا: هذا الصراع يخيفني أكثر من أي شيء آخر في العالم. إنه أخطر بكثير من الصراع العربي الإسرائيلي.
ثم تضيف المؤلفة قائلة: والآن الشيء الذي يخيفنا أكثر هو وقوع القنبلة الذرية الباكستانية في أيدي المتطرفين الأصوليين. فلو حصل ذلك لوقع الغرب في مواجهة مرعبة لا يعرف أحد نتائجها. ولهذا السبب فإن حلف الأطلسي وعلى رأسه واشنطن طلبت من القيادة الباكستانية وضع القنبلة في مكان أمين ثم حذرتها قائلة: إذا ما تحركت القنبلة من مكانها قيد أنملة فسوف نتحرك لضربها وتفجيرها فورا! !
ومعلوم أن الحلف يمتلك أحدث أنواع الأسلحة والصواريخ والطيران وكل ما يلزم للتدخل السريع في أي مكان من العالم. فالتكنولوجيا العسكرية المتطورة التي يستخدمها لا مثيل لها عند أي دولة أخرى سواء أكانت الصين أم حتى روسيا.
نقول ذلك على الرغم من أن روسيا تمتلك أقوى قوة عسكرية ضاربة بعد أميركا، ولكن من يستطيع أن يواجه حلفا عسكريا ضخما يضم أقوى وأغنى دول العالم: كالولايات المتحدة، وفرنسا، وانكلترا، وإيطاليا، وألمانيا، واسبانيا؟
وأما عن فلسفة الحلف المعلنة فتقول المؤلفة ما معناه: زعم الحلف عند تأسيسه في واشنطن عام 1949، أي بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، إنه حلف دفاعي لا هجومي.
فهدفه يكمن في الدفاع عن قيم الحضارة الغربية الحديثة المتمثلة: بالحرية الفردية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، ودولة الحق والقانون. هذا ما قاله الحلف في ميثاقه التأسيسي. ولكنه في الواقع كان يهدف إلى استيعاب المدّ الشيوعي الزاحف آنذاك.
ونلاحظ غياب مفهوم العدالة الاجتماعية من فلسفة هذا الحلف الغربي المتغطرس كما يفهمه خصومه. فهي ليست مذكورة في ديباجة الحلف. ولذلك فإن أعداءه حاربوه واتهموه بأنه يدافع فقط عن مصالح العالم الرأسمالي الذي يستغل بقية الشعوب. وعلى هذا النحو دارت المعارك الإيديولوجية بينه وبين المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي.
مهما يكن من أمر فإن حلف الأطلسي شعر بالقوة والنجاح والعظمة لأن الاتحاد السوفييتي هو الذي سقط وليس أميركا أو العالم الرأسمالي. وهذا ما أعطاه ثقة بنفسه ودفع بالآخرين إلى الانضمام إليه لأن الناس دائما مع القوي كما يقول المثل.
ينبغي العلم بأن القيادة العسكرية للحلف يسيطر عليها الأميركان حتى وإن كانوا يضعون على رأسها أحيانا هذا الجنرال الفرنسي أو ذاك، أو هذا الجنرال الألماني، أو الانكليزي، الخ. ولكن تبقى الكلمة الأخيرة للقادة العسكريين لواشنطن. فلا يمكن للحلف أن يتخذ أي قرار هام إلا بعد موافقتهم. ولهذا السبب تحصل الآن بعض المشاكل في أفغانستان وتتهم واشنطن حلفاءها بالتقاعس عن المساهمة الفعالة في الحرب الدائرة هناك ضد الطالبان.
والواقع أن أميركا بعد 11 سبتمبر وضعت الخطط العسكرية للمواجهة وما على الآخرين إلا تنفيذها. وهذا ما يزعج الفرنسيين من وقت لآخر فيغضبون ويتمردون ولكنهم يعودون إلى بيت الطاعة من جديد.
فلا أحد يستطيع أن يواجه واشنطن بعد أن انتصرت في الحرب الباردة وأصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم. لا أحد إلا الصين، ولكن الصين لم تأذن ساعتها بعد.
*الكتاب:المهمة الجديدة لحلف الأطلسي
تحقيق الاستقرار العالمي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
*الناشر: معهد بريجير للأمن الدولي
نيويورك 2007
*الصفحات : 224 صفحة من القطع الكبير
Nato's new mission: projecting stability in a post - cold war world
Rebecca R. Moore
Praeger Security International N.Y. 2007
Prae
