ريجيس دوبريه، فيلسوف وكاتب وروائي وكاتب مسرحي وثوري سابق من أصدقاء ارنستو تشي غيفارا وفيدل كاسترو ومستشار سابق للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران لشؤون أميركا اللاتينية.
له العديد من الكتب في شتى ميادين اهتماماته من بينها كتاب: «الثورة في الثورة»، الذي نال شهرة عالمية، و«الدولة الجذابة، الثورات الإعلامية للسلطة» و«حول الفن» و«على جسر أفينيون»، إلخ.
عنوان هذا الكتاب يوحي ببعض الخلط. فالمقصود ليس القول أبدا ان الديمقراطية «فاجرة» وإنما بالأحرى أن الممارسات في ظل «الجمهورية» بفرنسا اليوم هي التي تبتعد عن المنهج الديمقراطي الحقيقي، ذلك أن السياسة قد أصبحت اليوم محكومة بكل ما هو انفعالي.
المشكلة، كما يراها ريجيس دوبريه، لا تتعلق بالسياسة وإنما بالأحرى بالحضارة. والحضارة الغربية اليوم «قررت أن تعيش على إيقاع الزمن الحاضر». وقد أصبح الناس يعيشون اليوم في نوع من «مجتمع الاستعراض» الذي كان قد وصفه «غي ديبور» في كتابه الذي يحمل نفس هذا العنوان، والصادر عام 1967.
ويشير المؤلف إلى أن «مجتمع الاستعراض» قد انتهى إلى القول ان «ديمقراطية جديدة قد وصلت»، وهي ديمقراطية تعيش أيضا على إيقاع الزمن الحاضر، ديمقراطية منفتحة «معروضة» باستمرار على شاشات التلفزة ومتواجدة على أرصفة الشوارع. ولا يتردد «ممثلوها» من رجال السياسة في ظهور أنهم قريبون إلى الناس عبر طريقتهم في اللباس.
باختصار إنها «ديمقراطية ذات مصداقية كون أنها أصيلة من حيث مطابقتها للواقع». وهي ديمقراطية «بلا نفاق»، وما يعني في حالة الترجمة من اللغة اللاتينية، حسب المرجعية التي يعتمدها المؤلف، نوعا من «الفجور».
إذ أن هذا الاستعراض لكل شيء باسم «المصداقية» و«الأصالة» يصل إلى حد «عرض ما كان ينبغي أن يظل مخبوءا أو يتم تجنب إظهاره». بهذا المعنى يتم تعريف مجتمع ما بأنه «فاجر» عندما يخلط بين الـ «نحن» والـ «أنا»، بين «الطموح الجماعي» و«الطموح الفردي». إنه حسب تعريف دوبريه، المجتمع الذي «يعطي الأفضلية لشخصية الكاتب على ما يكتبه ولرجل الفعل قبل الفعل ذاته وللموسيقي قبل الموسيقى التي يقدّمها».
إن التعبير الأفضل الذي يجده المؤلف لتوصيف المجتمع الذي يقصده هو ذلك المجتمع الذي يعطي الأفضلية لبرامج تلفزيونية من أمثال «دولاب الحظ»، ما يعادل «من سيربح المليون» أو «ستار أكاديمي» أو «لوفت ستوري». وفي مثل هذا العالم يتم الانتقال من عالم المرجعيات الحميمة التي تربط الإنسان في ماضي وتاريخ وحاضر ومستقبل إلى عالم لا شيء له قيمة فيه سوى اللحظة الراهنة، أو «قارّة التلفزيون»، حسب تعبير المؤلف.
ويرى ريجيس دوبريه في هذا السياق أن شعار «الحرية، المساواة، الإخاء» الذي يشكل العنوان الذي ترفعه الجمهورية الفرنسية للتدليل على مسارها ومضمونها، وكركائز للنهج الذي تعتبره دليلها، لم يعد له في حقيقة الواقع، ترجمة فعلية. أو على الأقل فقد هذا الشعار الكثير من مصداقيته.
ونقرأ في توصيف المؤلف لفرنسا في هذا المضمار على أنها «فرنسا مصابة في الوقت نفسه بقصر النظر وتعاني أيضا من النرجسية. إنها لم تعد ترى تقريبا أي شيء خارج حدودها وفي الوقت نفسه لم تعد ترى نفسها كما هي لأنها تخلّت عن الابتعاد لرؤية ما هي عليه، أي لم تعد تأخذ مسافة المشاهد عن العرض المسرحي». تجدر الإشارة إلى أن المؤلف يستخدم كثيرا في هذا الكتاب القاموس المسرحي للتعبير عن الأفكار التي يريد عرضها.
هناك أيضا نوع من «الفجور الديمقراطي» في الانتقال الكبير مما هو عام وشامل إلى ما هو فردي. أي إلى التركيز على شخصية الفرد. هكذا مثلا يشير المؤلف أنه كان يقال قبلا في فترة حكم الجنرال ديغول في فرنسا والمستشار اديناور في ألمانيا، عن «لقاء فرنسا وألمانيا»، ثم «انزلق» التعبير إلى «لقاء الرئيس ميتيران والمستشار كول» ثم إلى «جاك شيراك والسيدة ميركل». وسوف نصل غدا، كما يقول المؤلف إلى الحديث عن لقاء «نيكولا وانجيلا».
في مثل هذا السياق من مجتمع الاستعراض غدا امتلاك «خلفيات ثقافية» نوعا من تعرّض الإنسان للشبهة، هذا في الوقت أن «انعدام وجود مثل هذه الخلفيات الثقافية هو المؤشر الأكثر دلالة وثباتا على الحماقة». ويردد المؤلف هنا المقولة الشائعة، كحكمة قالتها الشعوب، ومفادها ان من «يخبئ حديقته الداخلية قد يفوز بالسعادة». ومن المعروف أن الاستراتيجيين الكبار كانوا يحرصون دائما على «تخبئة لعبتهم».
ويشير المؤلف هنا إلى الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتيران الذي خبأ لسنوات طويلة على مواطنيه الفرنسيين حقيقة أنه كان مصابا بمرض السرطان. الخطأ الذي ارتكبه كان عدم وضوح «النشرة الطبية» التي يتطلبها الدستور الفرنسي من رئيس الجمهورية. لقد فعل مثل أي قائد حربي يقوم بإخفاء خططه.
من جهة أخرى يرى المؤلف أن الحرص على عيش اللحظة واستعراض وعرض كل شيء، بما فيه ما هو ليس للعرض، له وجهه الآخر المتمثل في «التقليل» من شأن الكبار وأحيانا من عظماء الأمة.
هكذا لم يتردد عدد من «الباحثين» الفرنسيين عن محاولة «محاكمة» بعض رموز بلادهم مثل جان مولان، زعيم المقاومة الفرنسية أثناء الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، والزوجين اوبراك والزعماء الشيوعيين في فترة المقاومة. هؤلاء جميعهم تعرّضوا للتشكيك لهم إلى درجة إثارة بعض «الشبهات» حولهم. لا يزال الجنرال شارل ديغول هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها. هناك نقاط ضعف لدى جميع البشر وحتى كبارهم، يشير المؤلف.
ويشرح المؤلف أن العديد من الأنظمة الدكتاتورية مجّدت حتى فترة قريبة ثقافة السر، مثلما كان في الاتحاد السوفييتي في ظل المنظومة الشيوعية وغيره من بلدان أوروبا الشرقية والوسطى التي كانت تدور في فلكه.
كان العدو الأول في مثل ذلك النمط من الأنظمة هو الصحافي والقاضي. هذان النموذجان تحديدا يحتلان الآن مقدمة المسرح في الحياة العامة بالبلدان المعنية. لكن ليس هناك أي ضمان في أن لا يمارسوا هم أنفسهم نفس ما كان يُمارس عليهم سابقا. و«من كان ضحية التجسس في الأنظمة الشمولية التوتاليتارية قد يصبح جاسوس الأنظمة الديمقراطية».
ويؤكد المؤلف في شروحاته على أن المنظومات الأخلاقية لا تستطيع أن تتماسك فعليا إلا بواسطة المعتقدات. المثال الذي يؤكد عليه هو الولايات المتحدة الأميركية حيث أن يشكّل الإيمان الديني الأساس لـ «جعل المنظومة السياسية قابلة للحياة»، كما يقول المؤلف ثم يضيف في موقع آخر أن «مارلين ـ مونرو ـ والمافيوزي سيناترا ـ فرانك ـ يستطيعان الحضور إلى البيت الأبيض مساءً ذلك أن القس بيلي غراهام كان قد أمّن الجانب الروحي في الصباح».
ويصف المؤلف الولايات المتحدة على أنها «منذ ولادتها ثيوقراطية (لاهوتية) ـ ديمقراطية». ففي أميركا «الإيمان الديني هو الذي يشكل اللحمة التي تربط بين جميع الولايات وجميع المصالح وجميع الأعراق وجميع الطوائف».
إن الوضع السائد اليوم في المجتمعات الغربية يلخصه المؤلف بالجملة التالية المختصرة المفيدة «إفقار ما هو رمزي وبؤس السياسة». هذا ما يتفق عليه اليمين واليسار في الوقت نفسه. أما الديمقراطية فإنها قد غيّرت من طبيعتها ولم تعد «جوهرا ملائكيا» وإنما واقعا يتماشى مع كل سياق تاريخي تواجدت فيه.
ولذلك يقول المؤلف انه ليست هناك ديمقراطية أميركية وديمقراطية برازيلية وديمقراطية لبنانية وإنما هناك أميركا والبرازيل ولبنان. ثم إن «الروّاد الإسرائيليين» لم يذهبوا إلى الشرق الأوسط من أجل أن يسود «الاقتراع العام» وإنما من أجل بناء «الدولة العبرية» التي أخذت، في سياق حركة قيامها، شكلا برلمانيا. ثم «إن فرنسا وُجدت قبل ظهور الغرف المعزولة لممارسة الاقتراع وقبل الأحزاب السياسية وسوف تتواجد أيضا بعدها».
الرسالة التي يؤكد عليها المؤلف هي أن للكلمة أهميتها، فالبشر هم وحدهم الناطقون، ولا يمكن لهم أن يكونوا بمنجاة من البربرية إذا «أصرّوا على الهزء من كل القواعد». «الكلمة ضد البربرية»، كما يستعير المؤلف عنوان كتاب للباحث آلان بنتوليلا.
*الكتاب:الفجور الديمقراطي
*الناشر:فلاماريون ـ باريس 2007
*الصفحات: 89 صفحة من القطع الصغير
L'obscénité démocratique
Régis Debray
Flammarion - Paris 2007
P.89
