يقدم هذا الكتاب لمؤلفه الدكتور كمال عبد العزيز ناجي دراسة متكاملة عن دور المنظمات الدولية في قرارات التحكيم الدولي. وحسبما يشير المؤلف في دراسته التي تمثل أطروحة دكتوراه قدمت إلى الجامعة اللبنانية فإن التحكيم يتميز بأنه من أقدم الوسائل السلمية التي لجأ إليها البشر لحل خلافاتهم سواء أكانت هذه الخلافات على مستوى الأفراد أم على مستوى الجماعات.
ويشير المؤلف إلى أن ديمومة هذه الوسيلة وتطورها وما تشهده في وقتنا الراهن من انتشار واسع واستخدامها في تسوية النزاعات في الكثير من مجالات الحياة على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأشخاص المعنويين كالشركات والمؤسسات وعلى مستوى الدول والمنظمات الدولية يدل على أن التحكيم يشكل حاجة ملازمة لعلاقات البشر على كل المستويات لما تنطوي عليه هذه العلاقات من تباينات وتعارضات بين رغبات البشر ومصالحهم وما ينتج عن ذلك من منازعات تقتضي حكم البحث عن وسيلة للفصل فيها عن طريق طرف ثالثا عندما يعجز المتنازعون عن التفاهم المباشر ومن هنا كان التحكيم حاجة قديمة قدم التجمع البشري.
وعلى ذلك يتناول المؤلف من خلال الكتاب مختلف القضايا المرتبطة بقضية التحكيم الدولي فيعرض من خلال فصل تمهيدي تطور التحكيم الدولي وعلاقته بفكرة التنظيم الدولي متطرقا إلى أصول التحكيم سواء التاريخية أو الفلسفية في العصور الوسطى منتقلا إلى تطوره منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى أواخر القرن التاسع عشر، منتهيا إلى علاقة التحكيم بالتنظيم الدولي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
ثم يقدم المؤلف قسما عن دور الأمم المتحدة في تنفيذ قرارات التحكيم الدولي وفي ذلك الخصوص يستعرض خصائص قرارات التحكيم ومبادئ تنفيذها وتكييف عدم تنفيذ قرارات التحكيم الدولي كعمل غير مشروع.
كما يتطرق في هذا الإطار إلى دور مجلس الأمن في تنفيذ قرارات التحكيم الدولي مستعرضا أحكام التنفيذ في عهد عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة وكذا التنفيذ بواسطة مجلس الأمن استنادا للفصلين السادس والسابع من الميثاق مع استعراض الدور العملي لمجلس الأمن في تنفيذ قرارات التحكيم الدولي.
ومن مجلس الأمن ينتقل المؤلف إلى استعراض دور الأجهزة الأخرى في الأمم المتحدة في تنفيذ قرارات التحكيم الدولي ومنها الجمعية العامة للأمم المتحدة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي في التنفيذ وتقدير دور الأمم المتحدة في التنفيذ ووسائل تفعيله.
ثم يتنقل بنا المؤلف إلى استعراض دور الوكالات الدولية المتخصصة في تنفيذ قرارات التحكيم الدولي ومنها منظمة التجارة العالمية ومجموعة البنك الدولي ومنظمة الطيران الدولي. كما يتناول دور المنظمات الإقليمية في هذا المجال ومنها دور الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة الدول الأمريكية.
ومما يخلص إليه المؤلف من خلال الدراسة التأكيد على قصور وسائل التنفيذ لدى المنظمات الدولية، فيوضح أنه على رغم أن المنظمة الدولية كائن قانوني مستقل عن الدول الأعضاء بإرادتها الذاتية وشخصيتها القانونية وقدرتها على إصدار أعمال قانونية في علاقاتها مع الكائنات القانونية الأخرى فإن هذا الاستقلال نسبي لأن المنظمة تتميز بخاصية أخرى هي الخضوع فهي تخضع لإرادة أعضائها الذين يساهمون بطريقة أو بأخرى في تشكيل إرادتها وهى لا تملك «اختصاص الاختصاص» أو «الاختصاص في تحديد اختصاصها» ذلك أن من الثابت أن أعضاء المنظمة هم الذين يملكون سلطة توسيع أو تضييق اختصاصها بل تقرير حلها وتصفيتها أيضا.
ومن النظرية إلى التطبيق يشير المؤلف إلى أنه بالنسبة للأمم المتحدة فإن الواقع يكشف عن أن الممارسة العملية لمجلس الأمن مثلا جاءت مخيبة لأمال الشعوب الطامحة إلى العدل لأسباب منها عدم وضوح دور المجلس في التنفيذ من حيث مداه أو نطاقه وهو غموض مقصود لا يقتصر على صياغة نصوص الميثاق وإنما يتعداها إلى التطبيق.
فعلى صعيد النصوص قصرت المادة 94 من الميثاق دور المجلس في التنفيذ على أحكام محكمة العدل الدولية وقد بينت وثائق مؤتمر سان فرانسيسكو، حسبما يشير المؤلف ، انصراف نية معدي الميثاق إلى استثناء قرارات التحكيم الدولي من التنفيذ بموجب المادة 94 أما بقية الأحكام في الفصلين السادس والسابع التي تشكل أساس الالتزام العام للمجلس فإنها تعطي الأولوية للمحافظة على السلم والأمن الدوليين ويعني ذلك الخضوع للاعتبارات السياسية التي قد تؤدي إلى إلغاء مضمون الحكم وأساس القانوني وما يمكن أن يترتب على ذلك من استخدام حق النقض إذا كانت إرادة الأعضاء في المجلس تتجه إلى اتخاذ قرار بتنفيذ الحكم يتعارض مع مصلحة دولة أو أكثر من الدول دائمة العضوية في المجلس.
فضلا عما سبق يشير المؤلف إلى عدم وضوح آلية التنفيذ التي يترتب على مجلس الأمن اللجوء إليها لتنفيذ قرارات المحاكم الدولية، كما أن المجلس لا يقوم بدوره في التنفيذ كوكيل عن المصالح الدولية، إلى جانب أنه لا توجد آلية تنفيذ إلزامية لأعضاء الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والوكالات الدولية المتخصصة حتى في حال صدور قرار بالتنفيذ عن مجلس الأمن وهو ما يشكل تناقضا في أحكام الميثاق. كما لم يتضمن الميثاق أي نص يلزم مجلس الأمن باتخاذ إجراءات عقابية بحق الطرف الذي يمتنع عن التنفيذ لإرغامه على الامتثال.
وفي إطار إشارته إلى الجانب المتعلق بالقصور يذكر المؤلف ان ذلك ينسحب كذلك على الوكالات الدولية المتخصصة والمنظمات الإقليمية، فيوضح أنه على الرغم من أن هذه المنظمات تملك وسائل متعددة تمكنها من فرض تنفيذ الأحكام الدولية سواء قامت بذلك بناء على طلب من مجلس الأمن أو بناء على طلب الدولة التي صدر الحكم لصالحها أو من تلقائها وفقا لأحكام مواثيقها المنشئة أو لوائحها الداخلية.
ويشير المؤلف إلى أن أدوار الوكالات الدولية شابها القصور لعدد من الأسباب منها تجنبها المساهمة في التدابير السياسية أو الاقتصادية التي تتخذ لإرغام الدولة الممتنعة عن التنفيذ على الامتثال للحكم الدولي وذلك خشية أن تؤثر هذه التدابير على مصالح أعضائها، الأمر الذي قد يؤدي إلى انسحابهم منها فتنأى هذه الوكالات بنشاطها عن الإجراءات التي قد تؤدي إلى مثل هذه النتائج.
إلى جانب أن قيام الوكالات المتخصصة بأي دور في تنفيذ الإحكام هو رهن إرادة أعضائها، فضلا عن أن المنظمات الإقليمية لا تهتم عادة إلا بالموضوعات التي تدخل ضمن اهتمامات أعضائها في نطاق ممارسة صلاحياتها وغالبا ما يكون هدف هذه المنظمات محصورا في المسائل السياسية ولذلك فربما لا تعبأ بالمساهمة في تنفيذ الأحكام الدولية.
ومن بين أسباب القصور التي يشير إليها المؤلف ضعف سلطة الجزاء لدى المنظمات الدولية، حيث جاء دورها مخيبا للآمال نتيجة عدم الفاعلية التي اتسمت بها ممارسة المنظمات الدولية تجاه الدول التي انتهكت سيادة القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة أو انتهكت التزاماتها التعاهدية بحكم عضويتها في المنظمات الدولية ومن ضمنها التزاماتها المتوجبة عليها بحكم قرارات تحكيمية صدرت بحقها.
ويخلص المؤلف من ذلك إلى أن الدول لا تزال تفضل عدم الخضوع لسلطة أعلى منها وهو ما ينعكس حكما على دور المنظمات الدولية في فرض تنفيذ قرارات التحكيم الدولي.
وعلى ذلك وأمام هذه الاستخلاصات التي تثير التساؤل حول واقعية الطروحات التي تتحدث عن وجود نظام تنفيذ دولي لقرارات المحاكم الدولية يميل المؤلف إلى الإشارة إلى اعتقاده بعدم وجود مثل هذا النظام ويؤكد أننا أمام آليات متناثرة غير مترابطة للتنفيذ في المنظمات الدولية يعتريها الضعف وعدم الفاعلية مع استثناءات قليلة جدا.
وبعد ان خلص إلى عدم وجود نظام تنفيذ دولي متكامل لتنفيذ أحكام وقرارات المحاكم الدولية يرى المؤلف أن نظام التنفيذ الدولي الذي يتسم بالفعالية يجب أن يقوم على عدة أسس منها وجوب قيام نظام التنفيذ على أساس التزام جماعي يشمل الدول والمنظمات الدولية بوصفها الأطراف المخاطبين بأحكام هذا النظام والملزمين بتطبيقها وجوبا.
وأن يكون نظام التنفيذ جزءا من ميثاق الأمم المتحدة مع ما يقتضيه ذلك من إدخال التعديلات اللازمة على الميثاق الأمر الذي يضمن له السمو على أي معاهدة دولية أخرى أو أي ميثاق لمنظمة دولية أخرى أو أي تشريع لأية دولة من الدول الأعضاء استنادا إلى مبدأ تدرج القواعد القانونية واستنادا إلى أحكام المادة 103 من الميثاق.
ويؤكد المؤلف أنه قد يكون من المفيد أن تمنح محكمة العدل الدولية صفة محكمة استئناف عليا للأحكام الدولية التي تصدر عن محاكم العدل الدولية بينما تمنح المحكمة الدائمة للتحكيم الدولي صفة محكمة استئناف عليا لقرارات التحكيم الدولي التي تصدر عن محاكم التحكيم الدولية ومراكز التحكيم الدولية المتخصصة في حال عدم تمكن الأطراف من استئناف هذه القرارات أمام محاكم التحكيم الأصلية التي أصدرتها.
ويختتم المؤلف بالتأكيد على أن من أخطر مظاهر التنظيم الدولي المعاصر أنه يسمح بعدالة انتقائية تطبق غالبا على المهزومين الذين حاربتهم الولايات المتحدة وحلفاؤها فتشكل لهم المحاكم الدولية لمحاسبتهم كمجرمي حرب بينما تستنكف هذه العدالة عن محاكمة من هم أعتى وأكثر إجراما كرئيس وزراء إسرائيل مجرم الحرب شارون وهو ما يقود إلى الآفة الثانية التي تصيب التنظيم الدولي ألا وهي ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات الدولية والقضايا العالمية المهمة.
ففي حين تجرد الحملات العسكرية العاتية ضد دول باسم الدفاع عن حقوق الإنسان وتحت راية الأمم المتحدة وبالاستناد إلى قواعد القانون الدولي فإننا نرى حقوق الإنسان والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة تداس من قبل دول أخرى كإسرائيل من دون أن يتمكن المجتمع الدولي من مجرد إدانتها، وهو ما يقود إلى ثالثة الأثافي ألا وهى انقسام المجتمع الدولي إلى أكثرية يطبق عليها القانون الدولي وأقلية فوق القانون كالولايات المتحدة وإسرائيل ولا يملك المجتمع الدولي أي قدرة على معالجة هذا الخلل الخطير في الظروف الراهنة.
ومن هنا يؤكد المؤلف أن الأمم المتحدة يجب أن تكون في المستقبل القريب نواة سلطة دولية فوق الدول تمثل السيادة الدولية التي تعلو على أي سيادة وطنية لدولة من الدول مهما بلغت قوتها وتطبق القانون الدولي وتحمي الشرعية الدولية وفي هذا الإطار يجب على الدول المحبة للسلام أن تتكتل في سعي حثيث لتزويد الأمم المتحدة بكل وسائل القوة التي تحتاج إليها،.
مؤكدا أن تزويد القانون الدولي بالمخالب القوية هو أنفع للبشرية من تزويد الطائرات والدبابات بالقذائف والصواريخ لأن الدبابات والطائرات تدمر في ساعات ما بناه الإنسان في عقود بينما مخالب القانون يمكن أن تحمي ما بناه الإنسان.
*الكتاب:دور المنظمات الدولية في تنفيذ قرارات التحكيم الدولي
*الناشر:مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 2007
*الصفحات: 480 صفحة من القطع الكبير .
مصطفى عبدالرازق
