كتاب «صعود النازية»، هو باكورة أعمال الباحثة المصرية نيرمين سعد الدين إبراهيم، والحائزة على درجة الماجستير في التاريخ الأوروبي الحديث، والتي تقدم فيه قراءة عربية لتاريخ ألمانيا بين الحربين.

وتبحث المؤلفة في مقدمات نشوء النازية، والتي تعود إلى المرحلة التي تلت نهاية الحرب العالمية الأولى مباشرة، وهزيمة ألمانيا. حيث عمت الفوضى، واحتدم الصراع الداخلي، وخاصة بين أنصار عودة الملكية، والاشتراكيين اليساريين. فتم إعلان (جمهورية فايمار) في نوفمبر 1918/.وأُجبرت على توقيع معاهدة فرساي في /يونيو1919/، التي اعتبرت ألمانيا المسؤولة عن قيام الحرب، ومُنعت من التسلح، وأُعطي لفرنسا الحق في استغلال فحم السار لمدة /15/ عاما، وفرض عليها تقديم غرامات وتعويضات كبيرة لدول الحلفاء. وسُلخت أجزاء كبيرة من أراضيها، وخسرت مستعمراتها في الشرق.وتم الإعلان عن دستور الجمهورية في /يوليو1919/، والذي كان ديمقراطيا ليبراليا نموذجيا. فأعطى السيادة للشعب، وتم تعميم حق الانتخاب لجميع الرجال والنساء، والحريات الشخصية والسياسية. إلا أن هذه الجمهورية الحديثة العهد، كانت مهددة منذ نشأتها، من قبل اليسار المتطرف واليمين المتطرف.

حيث واجهت الجمهورية الناشئة تحديات كبيرة. تمثلت بالانقلابات العسكرية من جهة، (انقلاب الملكيين /1920/، وانقلاب هتلر /1924/). والأزمات الاقتصادية من جهة أخرى، بدءا من محاصرة الحلفاء لألمانيا لدفع استحقاقاتها وفق معاهدة فرساي، ثم الأزمة الاقتصادية الأولى /1923/، حيث انهار المارك الذي كان يساوي ربع دولار، فأصبح الدولار بمئات الملايين، ثم لم يعد للمارك أية قيمة إطلاقا. ثم أزمة /1929/فازدادت البطالة والجوع. وكذلك ظهرت الحركات الانفصالية، والأحزاب المناهضة للحكومة.

وفي مايو/1930/ انهار اكبر مصارف ألمانيا، مما دفع بالحكومة إلى إغلاق المصارف كلها. ووجدت الحكومة الحل في إعادة بناء البرلمان ومؤسسات النظام الديمقراطي ليكون أكثر فاعلية. وانتهت انتخابات /1930/ بفوز الجمهورية الديمقراطية ورفض الشعب للمتطرفين من اليمين واليسار. وقد حصل هتلر على /18%/ من الأصوات مقابل /41%/ للشيوعيين. إلا أن هذه الجمهورية كانت هشة. إذ سرعان ما تم حل البرلمان (الرايخستاغ)، اثر اندلاع الحرب الأهلية، وإعلان الأحكام العرفية.

وبعد سلسلة من التآمرات والعنف وسيطرة القوات الخاصة التابعة لهتلر على الشارع، استطاع هتلر بعد انتخابات /1932/، الوصول إلى المستشارية بطريقة شرعية في /ك2-1933/. في الوقت الذي كان فيه أعداء هتلر من مختلف الاتجاهات متفرقين ومتصارعين.

وتم تأسيس النازية «حزب العمال الألماني» على يد «انتون دري كسر» ومعه ستة أشخاص. وانضم إليهم هتلر عام/1920/، وبدّل اسم الحزب إلى «حزب العمال الألماني الاشتراكي القومي» عندما أصبح عدده ألفين شخص. ويعتبر «جوتفريد فيدر» مؤسس النظرية النازية، الذي نادى بقومية قوية لها عقيدة ذات طابع اشتراكي، تدعو إلى ملكية الدولة للأراضي وتأميم البنوك.

واهم المبادئ العامة للنظرية النازية هي: إعادة تكوين الشعب الألماني على أساس قومي، والحفاظ على صفاء العرق، والتأكيد على أن الحركة ضد النظام البرلماني كليا. وقامت دعايتهم على الوقوف ضد السامية، والشيوعية، وجمهورية فايمار، ومعاهدة فرساي.

واستعار هتلر من التنظيمات الشيوعية، فكرة الخلية والتنظيم الهرمي والانضباط الداخلي. ومن الفاشية الايطالية فكرة ميليشيات الحزب ذات الزي الموحد. فأسس فرق العاصفة، ثم فرق الحرس الخاص، أو قوات النخبة. وكذلك منظمات للقطاعات الاجتماعية كافة: الشبيبة، والنساء، والأطباء والمحامين والموظفين والمثقفين والفنانين.

وتستند النظرية النازية إلى التفوق العنصري للشعب الألماني الذي حافظ على سلالته الآرية. ولذلك فله الحق في التمجيد والمكانة العالية بين الشعوب. والآري كلمة مستمدة من اللغة السنسكريتية، ومعناها السيد. واُستخدم هذا المصطلح للتعبير عن الشعوب الهند أوروبية التي انتشرت في جنوب آسيا وشمال الهند في العصور القديمة.

وقام المفكرون الغربيون العرقيون بتطوير هذا المفهوم، فذهبوا إلى أن هذا الجنس يتسم بالجمال والذكاء والشجاعة وعمق التفكير والمقدرة على التنظيم السياسي وتفوقه على الأجناس الأخرى. وتعيد النازية كل المحن التي نكبت ألمانيا إلى تسلل العناصر السامية إليها واندماجها بالآريين.

وتمتد الفكرة العنصرية للجنس الآري بجذورها إلى بعض فلاسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر مثل فريدريك ليست، ونيتشه وغيرهم، الذي تأثر بهم هتلر وتبنى وجهات نظرهم، كما أورده في كتابه حياتي. ويعتمد النظام النازي على وجود فئة مختارة للحكم تمثل همزة الوصل بين الشعب والزعيم. والزعيم )ئصبزز( هو الذي يعبر بكل تصرفاته عن رغبات الشعب وآماله. وهو الذي يتولى قيادة الشعب، ويكيف الشعب وفق إرادته، ويضع الخطط العامة. وهو الزعيم الأعلى للحزب، والجيش والعمال والفلاحين، ورئيس السلطة التشريعية والتنفيذية وله حق نقض القرارات القضائية.

وتبحث المؤلفة بالتفصيل تاريخ ألمانيا منذ تولي هتلر السلطة /1933/، وحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية /1939/ على المستويات كافة: السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية والاجتماعية، والعلاقة مع الأقليات.

حيث بدأ هتلر حكمه بالتخلص من خصومه، سواء بحظر الاجتماعات. أو القمع والاغتيال. وتم حل البرلمان، وأوقف العمل بالدستور. وتم إعادة الانتخابات في /مارس1933/ تحت سيطرة القوات الخاصة، وحصل النازيون على الأغلبية فأصبح هتلر الحاكم المطلق، بعد أن ضم إليه صلاحيات الرئيس.

وقام بتصفية الأحزاب السياسية كلها، وأصبح الحزب النازي هو الحزب الوحيد في ألمانيا. ومنع تشكل أي حزب جديد، وجرى التخلص من النقابات الحرة، وصودرت أموالها، وأصبح الرمز النازي العلم الرسمي للدولة.

وكانت كل المؤسسات التي يدير بواسطتها الحكم تحت إشرافه مباشرة. مثل هيئة مستشارية الرايخ، ومهمتها إمداد الزعيم بكل المعلومات اللازمة لإصدار القوانين. وهيئة مستشارية الرئاسة للبروتوكولات والاحتفالات، وهيئة مستشارية الحزب لإبداء الرأي في تعيين كبار رجال الحكومة في الداخل والخارج.

وانتفت الحاجة إلى اجتماعات مجلس الوزراء، وأصبح البرلمان يجتمع فقط للموافقة على قرارات الزعيم، وخاصة بعد أن حصلت قائمة مرشحي السلطة على /8,99%/ في انتخابات /1936/. وأصبحت محكمة الشعب تثير الفزع في جميع أنحاء البلاد.

بالإضافة إلى التنظيمات العسكرية وخاصة قوات العاصفة والجستابو(قوات الأمن السرية) التي أخذت على عاتقها مهمة مراقبة الشعب كله بما فيه أعضاء الحزب والجيش وانتشرت معسكرات الاعتقال والتصفية الجسدية. وأصبح ولاء الجيش له شخصيا بعد عملية التطهير الكبرى /1936/، حيث جرى إعدام /150/ من قادة الجيش. وبذلك منع وجود حتى القادة الصغار في الجيش تحسبا لإمكانية أن يشكلوا أية معارضة في المستقبل.

وتم تسخير الفن والثقافة للسياسة النازية وتبريرها. وكانت وزارة الدعاية تشرف على السينما والإذاعة والصحافة والأدب والفن والمسرح. وأُحرقت كتب المؤلفين الذين لم يتوافقوا مع النازية. وكانت منظمات الشبيبة تشرف على تنشئة الجيل الجديد منذ أن يبلغ من العمر الرابعة عشرة. وتم صبغ التربية والتعليم بصبغة نازية أشبه بالحكم العسكري المباشر. بالإضافة إلى خضوع الزواج وتربية الأطفال لقوانين صارمة.

واستطاع هتلر خلال فترة قصيرة أن يجعل من ألمانيا اكبر دولة صناعية في أوروبا. وذلك باهتمامه بالزراعة والصناعة، وتطوير العلوم، وسعيه للاكتفاء الذاتي، حتى يمكن الصمود أيام الحرب. إلا أن هتلر لم يأخذ بالمبادئ الاشتراكية، إنما اعتمد على كبار الصناعيين ومالكي الأراضي.

وكان الهدف الأساسي الوصول باقتصاديات البلاد إلى المستوى الضروري لتسليح الجيش والاستعداد للحرب للرد على الهزيمة في الحرب الأولى، وإخضاع الشعوب الأخرى، والتي هي بنظر النازية شعوب من الدرجة الثانية.

وتكشف المؤلفة بالوثائق عن العلاقة الوثيقة بين النازية والحركة الصهيونية، ودورهما في ترحيل اليهود الألمان إلى فلسطين، بعيدا عن التاريخ المكتوب الذي سطره الحلفاء المنتصرون، والذين يبرزون اليهود كضحية للنازية فقط، ويبررون للكيان الصهيوني ابتزازه للغرب كله، في مسألة «الهولوكست» كما يحصل الآن، وتقمع كل مؤرخ يقول عكس ذلك.

فالنازية لا تختلف عن الصهيونية من حيث الجوهر. والتشابه بينهما يتلخص باعتمادهما على نقاء الدم أو العرق، والتفرد القومي الذي يقوم عند الصهاينة بالتفرد الديني.

ولم تمارس النازية الاضطهاد ضد اليهود، إنما مارست الصهيونية والنازية معا الاضطهاد ضد اليهود أتباع العقيدة الموسوية، الذين كانوا يطالبون بمنح اليهود حقوقهم كمواطنين ألمان، بقصد اندماجهم بالمجتمع الألماني. فكانت السياسة النازية متوافقة مع السياسة الصهيونية التي كانت تسعى لتهجير اليهود إلى فلسطين. واشتركوا في ملاحقة وقتل كل يهودي يرفض الهجرة.

*الكتاب:صعود النازية

*الناشر:دار صفحات

القاهرة 2008

*الصفحات:263 صفحة من القطع الكبير

مروان عبد الرزاق