يبدأ د.جابر عصفور كتابه (نحو ثقافة مغايرة) الصادر عن الدار المصرية اللبنانية مؤخراً أننا عشنا طويلا تحت وهم أن الاقتصاد أساس التنمية والصناعة أساس التنمية والعلم أساس التقدم في كل شيء ومن ثم أساس التنمية، لكن التجارب أثبتت أن كل هذه الأقوال لا محل لها من الإعراب لأنها لم تؤد إلى التقدم المنشود في كل مرة اعتمدت عليها الدول النامية أو المتخلفة بلا فارق كبير، فقد أثبتت تجارب هذه الأمم ولا تزال أنه لا تنمية صناعية أو اقتصادية ما لم تسندها ثقافة تدعمها وتدفع بها للأمام.
وانطلاقا من هذه الرؤية يحاول د.جابر عصفور الكشف عن المقومات الرئيسية نحو تحقيق ثقافة عربية مغايرة، وذلك من خلال رصده للقضايا الجوهرية التي تعاني منها الثقافة العربية في المجتمع مثل حق الاختلاف.حيث يرى أن غياب ممارسة حق الاختلاف في كل مجالاته على امتداد المدارات المغلقة المنتشرة من المحيط إلى الخليج هو الوجه الآخر من غياب الديمقراطية السياسية وتقلص ألوان الحوار المجتمعي في أغلب الأقطار العربية فكانت النتيجة غلبة المولونوجية على الحوارية في الثقافة العربية المعاصرة وانتشار ثقافة الصوت الواحد التي لا تقبل الاختلاف وتلقي بالمغاير في حظيرة الاتهام أو العداء، هكذا غابت الحوارات الخلاقة حول القضايا الكبيرة في الثقافة بوجه عام وفي قضايا الآداب والفنون بوجه خاص.ولم نعد نعرف حوارات فكرية كتلك التي دارت في الثلاثينات بين طه حسين والعقاد في المفاضلة بين ثقافة اللاتين وثقافة السكسون، بل المعارك النقدية التي شهدتها الخمسينات ومطلع الستينات حول قضايا الشعر الحر أو الأدب الواقعي أو الالتزام وغير ذلك من القضايا التي أثارت من الحوارات والمناظرات والمعارك ما أثرى الثقافة العربية الحديثة في عواصمها العديدة.
ود.جابر عصفور يعد واحدا من أبرز النقاد العرب قدم للمكتبة العربية عددا مهما من الكتب والدراسات والترجمات منه : (الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي)، (مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي، (أنوار العقل )، (زمن الرواية )، (قراءة النقد الأدبي)، (أوراق ثقافية) .
ومن ترجماته :(عصر البنيوية)، (الماركسية والنقد الأدبي)، (اتجاهات النقد المعاصر) وله العديد من البحوث المؤلفة والمترجمة ومنها: الصورة الشعرية، مجلة المجلة، القاهرة، عام 1968. ونظرية الفن عند الفارابي، الكاتب، القاهرة، عام 1975، وقراءة أولية في أدونيس، الكلمة، اليمن، عام 1977، ونقاد نجيب محفوظ، فصول، القاهرة، عام 1981، والنظريات الأدبية المعاصرة، جامعة الكويت، مارس عام 1987، جاك دريدا، البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية، فصول، عام 1993.
ويؤكد د.عصفور أن الوعي السائد في الفكر العربي هو الوعي الإذعاني الذي لا يرى من التغيير سوى البدع المفضية إلى الضلالة بالمعنى الديني أو المعنى المدني ولا يعي التغيير الجذري إلا كالجائحة التي تبدو مجهولة الأسباب.
فهو وعي لا يستشرف التغيير الجذري أو يتوقعه وإنما يستجيب إليه بآليات دفاعية لا تخلو من العقلنة والتبرير بمعناهما الفرويدي الذي يقترن بالكيفية التي تحمي بها الذات المهزومة نفسها بتبرير انطوائها السلحفائي، أي أنها آليات لا تهدف إلا إلى حماية هذا الوعي من الانهيار في مواجهة المتغيرات الصادمة، ودفعه إلى نوع من التأويل التخيلي الذي يحافظ عليه بقاؤه بذرائع يتصورها أدوات للمقاومة بينما هي أدوات للرفض العاجز.
ويقول د. جابر عصفور : أنظمتنا ترضعنا العداء للكتاب منذ الصغر، وتعلمنا أن هذا الكتاب الذي وصفه الجاحظ بأنه ( وعاء مليء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدا) إنما هو نافلة من النوافل العابرة التي لا يليق الحفاظ عليها أو حتى التهادي بها، وبالقدر الذي تسقط به هذه الأنظمة أهمية الكتاب العلمي من حياتنا، في سياق عدائها اللافت للفكر العلمي، فإنها تسقط أهمية الكتاب الفني بوجه عام في سياق عدائها اللافت للفنون.
أيضا يناقش د.عصفور انحدار استخدام اللغة العربية في السياق الثقافي العام وتدني طرائق الأداء اللغوي حتى في المستويات والجماعات التي ينبغي أن تتميز بسلامة أدائها اللغوي وتبرأ من العجمة والمعاظلة والركاكة ويقول : فقر الأداء اللغوي عند بعض شباب المبدعين الذين لم يقوموا بواجبهم في إتقان أدواتهم اللغوية ومعرفة أسرارها التي تعينهم على التميز في الأداء، وبدل معالجة هذا الفقر.
ومحاولة تحسين المعرفة باللغة التي هي الشرط الأول للإبداع، يلجأ بعض هؤلاء الشباب على سبيل الآلية الدفاعية إلى التعلل بأهمية التمرد الإبداعي وتكرار شعارات كسر رقبة البلاغة ومن ثم تبرير الأخطاء المعيبة بأنها تجليات الفعل التدميري للذات التي تنقض كل قاعدة، وقد يصل الحال ببعض هؤلاء إلى السخرية من حرص غيرهم على سلامة الأداء اللغوي.
ويضيف : أتصور أن خلل الأداء اللغوي الشائع بين الكتاب الشبان بل بين بعض الكبار للأسف، إنما هو نتيجة مباشرة من نتائج خلل العملية التعليمية وعجزها عن تطوير نفسها بما يرتفع إلى مستوى المشكلة العامة لضعف الأداء اللغوي في المجتمع، فأنظمتنا التعليمية لا تزال على ما كانت عليه من تقاليد بالية في مجالات كثيرة.
ويتوقف د.عصفور عند مشاريع الإصلاح والدولة المدنية عند : رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمن الكواكبي، محمد عبده، علي عبد الرازق، وأيضا من القضايا أيضا المحورية التي يتطرق إليها في الكتاب (نحو رؤية عربية للحداثة) و(متغيرات الثقافة القومية ) و(الإسلام والدولة المدنية ) و(المجلات الثقافية) و(الرقابة)، وبشأن هذه القضية الأخيرة (الرقابة) يقول : المشكلة التي يواجهها الكاتب العربي ليست في الرقابة الرسمية الخارجية التي تفرضها وزارة الداخلية أو الإعلام أو الثقافة بعد إنجاز فعل الكتابة.
وإنما الرقابة الداخلية الذاتية التي تتشكل أو تنطلق من قرار اللاوعي الثقافي في أثناء فعل الكتابة، نتيجة عوامل عديدة وأوضاع معينة، فتقسم الأنا المبدعة إلى نصفين وتجعل منها ذاتا تبدع وأخرى تراقب، نصفا يحلم بالممكن والمغاير والبعيد ونصفا يستبدل بالممكن الواقع، وبالمغاير المألوف وبالبعيد القريب.
والرقيب الداخلي أخطر من الرقيب الخارجي، لأن الأول يتولد عن الثاني وينوب عنه ويظل يقوم بمهمته حتى في غيبة ما تولد عنه، ولا يقبل الخداع أو تجوز عليه المراوغة ويبقى يقظا كالديدبان، فيأسر الإبداع في الشواطئ الآمنة، وينأى بالفكرة عن لذة الإبحار بعيدا عن الشواطئ المأهولة المطروقة، وهو المسؤول عن الحدود التي لم تجاوزها كتابتنا العربية بالقياس إلى تراثها أو بالقياس إلى ألوان الكتابة في العالم من حولها.
*الكتاب: نحو ثقافة مغايرة
*الناشر: الدار المصرية اللبنانية
القاهرة 2008
*الصفحات: 446 صفحة من القطع المتوسط ئ؟
محمد الحمامصي

