يعمل جان روبير رافيو، مؤلف هذا الكتاب، أستاذا في جامعة نانتير، وأيضا في كلية العلوم السياسية بباريس. له العديد من الدراسات وهذا هو كتابه الأول.وهذا الكتاب هو واحد من بين سلسلة طويلة من الكتب عن روسيا التي تصدر في الغرب مع اقتراب نهاية رئاسة فلاديمير بوتين الذي أصبح معروفا أنه سيتنحّى عن الرئاسة ولكن جميع المؤشرات تدل على أنه سوف يبقى المحرّك الرئيسي للمرحلة القادمة من موقع رئيس الحكومة.

ولكن «من يقود روسيا»؟ هذا السؤال الذي يشكل عنوان الكتاب هو أحد الأسئلة الكبرى التي يطرحها الغربيون في بداية هذا العام 2008، إلى جانب عدة أسئلة أخرى من نوع «إلى أين تمضي روسيا»؟ و«هل ستتابع النهج الذي بدأه فلاديمير بوتين»؟ وماذا ستكون طبيعة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي؟

تتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب بالقول أن الروس يؤيدون بأغلبية كبيرة الخط الذي انتهجه فلاديمير بوتين، لاسيما فيما يتعلق بميدان الأمن الذي يعطونه الأولوية على باقي الاهتمامات، بما في ذلك المسائل المعاشية أو الحريات الديمقراطية وما ينضوي بالخط العريض تحت عنوان حقوق الإنسان.

والنتيجة المباشرة التي تترتب على تركيز الروس على الأمن والاستقرار تتمثل في ابتعادهم الكبير عن المشاركة في الحياة العامة التي غدت مقصورة عمليا، كما يتم التأكيد، على مجموعات من النخب المنضوية في أغلب الأحيان ضمن إطار منظمات ما تتم دعوته عامة بالمجتمع المدني.

وهناك فكرة مركزية أخرى يتم التأكيد عليها وهي أن الدولة في روسيا لا تزال تتمتع بقدر كبير من المركزية في ظل ما تتم دعوته بـ «الديمقراطية السيادية»، أي بمعنى التأكيد على الاستقلالية الروسية على صعيد السياسة الخارجية والعلاقات على المسرح الدولي ومع القوى الأخرى، هكذا يغدو مطلب «الدولة القوية» مطلبا يحظى بدعم أغلبية الروس.

وما يتفق حوله الجميع فيما يخص روسيا هو أن البلاد تعرف منذ سنوات عديدة حالة من الازدهار الاقتصادي كنتيجة مباشرة للارتفاع الكبير في أسعار مواد الطاقة وعلى رأسها البترول والغاز. وحيث أن روسيا هي المنتج الأول لهذه المادة في العالم. لقد حقق الاقتصاد الروسي نموا سنويا وصل منذ عدة سنوات إلى 7 بالمئة، وذلك بالتحديد منذ عام 2000.

وبعد أن يتم تقديم صورة «بانورامية» للأوضاع القائمة في روسيا يتم طرح سؤال «من يقود روسيا»؟ إن مؤلف الكتاب يقوم بعملية تشريح دقيقة للأصول والمصادر السياسية والإيديولوجية، وخاصة الأمنية، التي أتت منها النخب الروسية الحاكمة في ظل الفترتين الرئاسيتين لفلاديمير بوتين.

إن روسيا، كما يتم تقديمها، لا تزال تحتفظ بالكثير من معالم المجتمع الشيوعي، بل ومن سمات المجتمع القيصري رغم مرور فترة زمنية طويلة على نهايته. وهي، على عكس المجتمعات الغربية الديمقراطية، لم تعرف تقاليد عريقة، في تأسيس مبادئ الاختيار في آليات عمل الدولة، وإنما بالأحرى عن طريق الانخراط في البني التقليدية ذات النموذج «الإقطاعي»، إلى هذه الدرجة أو تلك، أو في البني الحزبية الحاكمة.

ويرى المؤلف في هذا السياق وجود تشابه كبير في الواقع بين بنية الحزب الشيوعي السوفييتي في ظل العقود الطويلة التي عاشتها الشيوعية وبين بنية حزب «روسيا الموحّدة» أي حزب بوتين. وفي الحالتين جمع الحزبان أعدادا كبيرة من المنتسبين وسيطرا على الحياة السياسية للبلاد.

ويتم التأكيد هنا على أن الوصول إلى المراكز العليا في الدولة بمختلف إداراتها، ولكن أيضا على صعيد القطاع الخاص، لاسيما لدى المجموعات الاقتصادية والمالية الكبرى ذات السلطة الكبيرة في الدولة، إنما لا يتم عمليا على أساس الكفاءات المهنية، وإنما بالأحرى على صعيد العلاقات والقرابات والروابط العائلية.

وعبر مثل هذا التداخل يؤكد المؤلف على وجود واقع سيادة مجموعة من «الشبكات» التي تتبادل التأثير فيما بينها وتحدد، إلى قدر كبير، المسار المهني للأفراد. هكذا يتم الحديث عن شبكة «الإدارة الرئاسية» التي تسيطر فيها نخبة تعود أصولها إلى مدينة سان بطرسبورغ، أي مدينة فلاديمير بوتين، وشبكة «قدماء الكي.جي.بي».

أي جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق الشهير الذي كان فلاديمير بوتين نفسه هو أحد أعضائه، وشبكة «الحزب الحاكم»، أي «روسيا الموحّدة» الذي حقق منذ تأسيسه انتصارات كبيرة في مختلف العمليات الانتخابية. كذلك يتم الحديث عن شبكة «الأثرياء الجدد»، الذين تنطلق عليهم تسمية «الاوليغارشية».

وكان هؤلاء في أغلب الأحيان من قدامى الحزبيين أو العاملين في إدارات الدولة والأجهزة السرية. ولكنهم عرفوا كيف يوظفون مواقعهم للسيطرة على العدد من المؤسسات والشركات الاقتصادية ويجمعون بذلك ثروات طائلة في فترة قصيرة من الزمن.

هذه الشبكات كلها، حسب التوصيفات التي يقدمها المؤلف، تتوزع فيما بينها الوظائف الكبرى في الدولة، بل وتدخل أحيانا في منافسات على قاعدة المصالح الخاصة. ولكن دون تجاوز بعض الخطوط الحمراء التي يمكن أن تشكل تهديدا لها بمجموعها في قيادة المجتمع والدولة.

إن مؤلف هذا الكتاب يقدّم العديد من الإحصائيات والوقائع المأخوذة من تقارير رسمية روسية في أغلب الأحيان، أو من المنظمات الدولية المختصة، ليؤكد واقع استمرار العديد من الأشكال التي كانت سائدة سابقا في ظل الاتحاد السوفييتي.

هكذا نرى مثلا أن بعض المسؤولين الكبار في جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق ـ كي.جي.بي ـ قد لعبوا دورا كبيرا في إرساء أسس رأسمالية الدولة التي سادت في روسيا بعد نهاية النظام الشيوعي وتحلل الاتحاد السوفييتي عام 1991، وتدل الأرقام على أن قدامى الكي.

جي.بي قد أسسوا ما يزيد عن مائة بنك وستمائة مؤسسة خاصة في مرحلة ما بعد الشيوعية. وكانت هذه المؤسسات قد لعبت الدور المركزي في تسيير القطاع المصرفي وقطاع التمويلات في الحقبة ما بعد السوفييتية.

ويتمثل الخط الناظم للتحليلات التي قدمها المؤلف في هذا الكتاب، بالتأكيد على أن النظام الروسي القائم حاليا هو «نتاج مباشر» إلى حد كبير للنظام الشيوعي السابق. هذا ما يتبدّى بوجود «اتحاد سوفييتي» إنما ناجح اقتصاديا هذه المرة. ويتم في هذا السياق التأكيد على الغياب شبه الكامل للديمقراطية في روسيا بوتين.

بكل الحالات يركز المؤلف على القول أن روسيا التي هي اليوم بحالة نهوض اقتصادي وإستراتيجي تثير في الوقت نفسه إعجاب الغربيين وقلقهم. مصدر القلق، كما يرى المؤلف، يعود بالدرجة الأولى إلى «المساومات» فيما يخص مسألة الطاقة، لاسيما وأن أوروبا تعتمد كثيرا في تزويدها بمصادر الطاقة على روسيا، هذا بالإضافة إلى «الحضور الكبير» للمافيات، مع الإشارة إلى ما يسميه المؤلف بـ «الاغتيالات السياسية».

هذه الصفات كلها يراها المؤلف في روسيا الحالية عبر توزيع كتابه إلى ثلاثة أقسام يتحدث في الأول منها عن «تمركز السلطات في يد الكرملين» مما يشبه كثيرا عملية تحوّل نحو النظام الرئاسي، أو «الزعامة ذات الطبيعة الاستبدادية»، حسب التعبير المستخدم.

ويحمل القسم الثاني عنوان: «نخبة السلطة»، والمقصود بذلك نخبة ما بعد الحقبة السوفييتية حيث لا يزال رجال السياسة «موظفين سياسيين» في إطار «الرأسمالية» التي تمثلها الدولة البيرقراطية.

أما القسم الثالث والأخير فعنوانه هو «وجه السلطة»، وهذا الوجه هو نفسه الذي حمل ملامح الحقبة السوفييتية ثم فترة سنوات بوريس يلتسين ومنظومة «العائلة». ويضيف المؤلف في هذا القسم صفة «الجديد» على كل الأشكال القديمة التي كانت سائدة سابقا.

وكل ما ينطبق على السياسة يجده المؤلف قابلا للتطبيق على الاقتصاد أيضا، ذلك أن النجاح هنا أيضا لا يقوم على المؤهلات وإنما جرى جمع الثروات غالبا بطريقة «شبه سرية» وبالاعتماد على «الثغرات» في النظام وليس عبر التجديد والنشاط الاقتصادي المنتج.

وإذا كان هؤلاء الأثرياء الجدد قد تمتّعوا بقوة كبيرة أثناء سنوات حكم بوريس يلتسين فإنهم تعرّضوا للقمع في عهد بوتين أو جرى «دمجهم» في آلية النظام. إن مؤلف هذا الكتاب ينهي تحليلاته بالقول إن فلاديمير بوتين الذي بدأ فترته الرئاسية الأولى قبل حوالي ثماني سنوات .. الخ على أن «الكفاءة المهنية» ستكون إحدى أسس فترات حكمه.

ولكن لم يتحقق ذلك، وإنما تشكّلت «بورجوازية عليا» جديدة منقطعة عمليا عن بقية المجتمع. في المحصلة النهائية، يخلص المؤلف إلى القول أن السمة الأساسية في روسيا اليوم هي الخلط بين الأعمال ذات الفائدة الخاصة وبين السلطة، وذلك على صعيدي السياسة والاقتصاد. إنها وجهة نظر غربية شائعة ولكن المؤلف يقدّمها ويفصّلها عبر تشريح أصول ودور النخب الحاكمة التي سوف تصنع روسيا الغد.

*الكتاب:من يقود روسيا؟

*الناشر:لين دو روبير - باريس 2007

*الصفحات:155 صفحة من القطع المتوسط

Qui dirige la Russie?

Lignes de Repères - Paris 2007

p.155