هذا كتاب جماعي بإشراف ميشيل كورنمان، مدير مجلة للدراسات الجيوسياسية، له العديد من المساهمات والدراسات في الدوريات العالمية المختصة. يحاول المساهمون في هذا العمل إلقاء بعض الضوء على روسيا في عهد فلاديمير بوتين عبر الإجابة عن السؤال التالي: هل دخلت روسيا حربا باردة جديدة؟
وتتم معالجة الموضوع خاصة من زاوية علاقة روسيا مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. والملاحظة الأولى التي يتم التأكيد عليها هي أن الأميركيين والروس يقومون فوق الأرض الأوروبية خاصة بنوع من «استعراض القوة» التي كان مشروع الدرع الصاروخي الأميركي هو أحد تبدياتها الرئيسية. في الوقت نفسه قامت روسيا بمناورات عسكرية كبيرة، لاسيما على صعيد سلاحها الجوي عندما أعادت تنشيط قاذفاتها الاستراتيجية التي عادت للأجواء بعد أن كانت قد بقيت لسنوات طويلة «دون حراك» في قواعدها الأرضية، وبتحديد أكثر منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
علامات بروز الحرب الباردة الجديدة ـ انها جديدة بالقياس إلى الحرب الباردة «القديمة» التي كانت قد سادت في العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار جدار برلين في شهر نوفمبر من عام 1989 ـ تبدّت أولا إذن في نشر القوات والأسلحة، وفي عملية «التقدّم» التي قام بها الحلف الأطلسي باتجاه روسيا وصولا إلى منطقة البلطيق.
وتتمثل إحدى ساحات المواجهة في «الحرب الباردة» الجديدة بمنطقة آسيا الوسطى حيث تدور «لعبة كبرى» جديدة أيضا. الولايات المتحدة الأميركية تحاول تثبيت مواقعها في هذه المنطقة، لكنها فقدت في الواقع، كما يتم التأكيد، الكثير من هذه المواقع لصالح روسيا والصين.
هاتان الدولتان تقومان، على أساس خطط استراتيجية طويلة الأمد، بالظهور على المسرح الدولي كقوى في مواجهة القوة الأميركية العظمى الوحيدة في عالم اليوم. ومثل هذا الصعود يشجّع أجواء قيام حرب باردة جديدة.
ويسير في الاتجاه نفسه واقع أن الصين قد غدت إحدى القوى الصاعدة الأكثر بروزا على الصعيد الاقتصادي. ولكن روسيا أيضاً قد عرفت، هي الأخرى، ازدهارا اقتصاديا خلال السنوات الأخيرة مع الارتفاع الكبير في أسعار البترول والغاز.
ومن المعروف أن روسيا هي من أغنى بلدان العالم بهاتين المادتين الاستراتيجيتين. إن أغلبية مساهمات هذا الكتاب تؤكد على أهمية العامل الاقتصادي في إعادة روسيا كأحد اللاعبين الأساسيين على المسرح الدولي، لتبدو أنها «وريث شرعي» للاتحاد السوفييتي السابق.
ويتمثل أحد الأسباب التي يتم التركيز عليها في التدليل على إمكانية قيام حرب باردة جديدة في القول ان روسيا لم تتطور، بعد سقوط المنظومة الشيوعية، نحو نظام ديمقراطي قابل للاندماج في إطار العالم الديمقراطي «الحر».
وإنما انتحت بالأحرى صوب قيام نظام يعتمد على مبدأ وجود سلطة مركزية قوية قادرة على ممارسة السيطرة المحكمة على المواطنين، أي بتعبير آخر نظام على الشاكلة «الشيوعية»، وهذا يعني آليا، العودة إلى أجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة في ظل الاتحاد السوفييتي السابق.
ويتم في هذا السياق وصف سنوات حكم بوريس يلتسين التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي على أنها لم تكن تعبيرا عن «نظام ديمقراطي حقيقي» وإنما كانت بالأحرى حالة من «الفوضى»، مع ما رافق ذلك من الإحساس بعدم الاستقرار.
لكن اعتبارا من عام 1998، أي مع فلاديمير بوتين، بدأت «مرحلة انتقالية» تهدف بشكل رئيسي إلى ذلك «الاستقرار» المنشود ضمن «الحدود الوطنية»، إلى جانب نوع من «الحنين» للحقبة الشيوعية رغم القمع الذي ساد فيها.
إن اللوحة التي يتم تقديمها لروسيا اليوم تشير إلى العديد من النقاط الإيجابية والتي ليس أقلها واقع أن البلاد تعرف منذ عدة سنوات نموا اقتصاديا سنويا بمعدل 6,6 بالمئة في الوقت نفسه الذي تتقدّم فيه الاستثمارات بنسبة 20 بالمئة في السنة مع ازدياد الرواتب الفعلية بنسبة 15 بالمئة.
هذا كله أدى إلى بروز طبقة وسطى يقارب عددها المئة مليون من الروس اليوم.مع ذلك تبقى نقطة الضعف الكبرى هي في واقع الشيخوخة التي يعاني منها السكان، بل في التقهقر الذي تشهده روسيا على الصعيد الديموغرافي حيث تناقص عدد سكانها من 149 مليون نسمة عام 1992 إلى 141 مليون نسمة في عام 2007.
وتشير العديد من التوقعات إلى أن هذا العدد قد يقترب من المئة مليون نسمة في أفق عام 2050. كل هذه الأمور قد تدفع روسيا إلى الانكفاء على الذات مع لعب دور القوة الكبرى للمحافظة على موقعها على الساحة الدولية، وأن تكون لها كلمتها في قضايا العالم المصيرية، لاسيما في المناطق التي تعتبرها ذات علاقة مباشرة بالأمن الاستراتيجي الروسي.
ضمن مثل هذه الظروف تزداد حدة التوترات بين «الغرب والشرق»، حسب هذا التعبير الذي يستخدمه عدد من المساهمين في هذا الكتاب، والذي ينتمي إلى القاموس السياسي للحرب الباردة «القديمة». وكذلك يتردد، في إطار القاموس نفسه، الحديث عن حقوق الإنسان والأقليّات والمزايدة على صعيد ميدان الطاقة الذي تعاني فيه بلدان أوروبا تبعية كبيرة حيال روسيا.
باختصار يتردد قاموس الحرب الباردة نفسه.ويتم التأكيد في هذا السياق أن «جدارا جديدا» يتم بناؤه في القارة الأوروبية القديمة بدلا من «الستار الحديدي» الذي كان قائما أثناء الانقسام الدولي الثنائي السابق بين معسكرين، رأسمالي واشتراكي. لكن «الجدار» الجديد موجود في موقع أقرب إلى روسيا، ومما يمكن أن يزيد من إحساسها ب«الحصار».
لكن بمقدار ما يزداد هذا الإحساس ب«التهديد» يغدو الخطاب الروسي «قويا ومهددا» هو الآخر ولكن ليس «الخطاب» فقط وإنما أيضاً تصبح روسيا نفسها في الواقع «قوية ومهددة». هذا ما يتم وصفه بالقول ان روسيا قد بنت جيوستراتيجيتها على الخوف من الحصار.
إن روسيا كانت طيلة تاريخها تعيش مع شعور «الاطمئنان» حيال حدودها الشرقية الثابتة والتي لا تواجه أي تهديد. ولذلك كان مصدر خوفها «التاريخي» أيضا، وفي شتى الحقب والأنظمة التي تعاقبت على الحكم فيها، هو من ناحية الغرب، أي من الجانب الأوروبي.
وإذا كانت أوروبا قد «غضّت النظر» في سياق ما بعد الشيوعية عن حركة «التوسع» التي قام بها الحلف الأطلسي باتجاه حدودها، وكذلك لم تثر أية مشكلة حيال قيام الاتحاد الأوروبي، الذي مدّ هو الآخر حدوده كي يشمل العديد من البلدان التي كانت حتى الأمس القريب تدور في فلك الاتحاد السوفييتي.
وضمن السياق نفسه كانت روسيا تعاني من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة في الفترة الانتقالية خلال السنوات الأولى من عقد التسعينات الماضي. لكن ذلك السياق كله تبدّل، ولا تتردد روسيا بالتالي عن أن تقول «كفى» للغرب.
صحيح أن «إمبراطوريتها» قد تفككت لكنها «لا تزال قوية وموجودة»، هذه هي الرسالة التي تريد روسيا اليوم أن توجهها حيال من قد يفكرون بحصارها. قوية وموجودة وقادرة على المواجهة «الباردة» من جديد.
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن روسيا هي بلاد ذات تقاليد عسكرية عريقة. ولا تزال تمتلك جيشا قويا لم يلق السلاح أبدا. ربما أنه يفتقر كثيرا إلى الحداثة، كما يتم وصفه، ولكنه جيد التدريب. لكن تتم الإشارة هنا إلى أن روسيا قد عقدت في الفترة الأخيرة العديد من العقود العسكرية مع الصين مما يعني بوضوح أنها تريد تحديث قواتها المسلحة.
وتتم الإشارة هنا أيضاً إلى أن ذلك التنافس التاريخي «الايديولوجي» الذي ساد في ظل النظام الشيوعي السوفييتي السابق، قد أخلى المكان لتقارب حقيقي بين روسيا والصين، والتعاون على صعيدي التكنولوجيات والطاقة، وليس بعيدا عن هذا المنظور القول ان تقاربهما يرمي إلى تشكيل ثقل حقيقي أمام رغبة الهيمنة الأميركية.
وهذا يشكل بحد ذاته عامل توتر بين «الشرق والغرب».وهناك عامل يتم التأكيد عليه بأشكال مختلفة في هذا الكتاب وهو أن الروس لا يزالون يحملون بعض مشاعر «العداء» حيال الولايات المتحدة الأميركية التي تشكل مصدر تهديد ما.
وهذا يبدو من خلال محاولات الدعم التي تقدمها حيال «الحلفاء» بل «الإخوة الصغار» لروسيا، من أجل إبعادهم عنها. واوكرانيا مثال على ذلك. بهذا المعنى لا تزال النزعة القومية الروسية قائمة وفاعلة، خاصة ضد أي «اعتداء» خارجي.
في المحصلة يتم القول ان استمرار مثل هذه التوترات المذكورة يمكن أن يؤدي إلى انقسام جديد في العالم، قد يعيد إلى الأذهان فترة الحرب الباردة التي سادت في العلاقات الدولية خلال القسم الأكبر من النصف الثاني للقرن الماضي. فهل تحن على أبواب حرب باردة جديدة؟
*الكتاب:روسيا، حرب باردة جديدة؟
*الناشر: فالانتين ميتشيل - لندن 2007
*الصفحات: 396 صفحة من القطع المتوسط
Russia, a new cold war ?
Vallentine Mitchell - London 2007
P. 396

