تعمل كارولين مانجيز، منذ عام 1996، صحافية تحقيقات في مجلة «باري ماتش» الفرنسية الشهيرة. غطّت العديد من النزاعات الداخلية في إفريقيا والعالم العربي.هكذا كتبت عن رواندة، وكوسوفو، وأفغانستان، ودارفور، والعراق حيث أقامت لفترة أشهر مرتين. المرّة الأولى عام 1992 عندما كانت هذه البلاد تعيش تحت وقع الحظر الدولي. ثم في عام 2003 أثناء الغزو الأميركي وبعده.
ثم أقامت كارولين مانجيز، منذ عام 2004، وبصورة شبه مستمرّة في قطاع غزة حيث قدّمت سلسلة من التحقيقات عمّا يعيشه أهل القطاع وعن أهم الأحداث التي شهدها منذ الانسحاب الإسرائيلي، ولكن مع استمرار الحصار عمليا وواقعيا. هذه السلسلة من التحقيقات تعرف طريقها للنشر اليوم من جديد في هذا الكتاب. هذا كتاب عن «مأساة معلنة»، كما يتم وصفه. وتقدم المؤلفة أولا بعض المعلومات المفيدة خاصة للقارئ الأجنبي مثل التعريف أن عدد سكان القطاع هو حوالي 000 300 1 نسمة وأن ثلثي هؤلاء يعيشون في مستوى أدنى من عتبة الفقر. ويعيش أبناء القطاع على مساحة 363 كيلومترا مربعا، واقع حصار يضربه الجيش الإسرائيلي، ويتحكّم «بالبوّابات»، حسب إرادته.
ومن بين الأرقام ذات الدلالة التي تقدمها المؤلفة قولها أن نسبة العاطلين عن العمل بين أبناء القطاع القادرين على العمل كانت 40 بالمائة في عام 2004 ووصلت إلى 70 بالمائة في عام 2006 ثم إلى 80 بالمائة في مطلع عام 2008.
كان يوجد في قطاع غزة والضفة الغربية خلال مطلع عام 2004، كما تقول المؤلفة، 142 مستعمرة إسرائيلية، هذا بالإضافة إلى حوالي مائة مستعمرة «عشوائية». كانت خطة شارون قد ارتقبت الجلاء عن 17 مستعمرة من أصل ال21 الموجودة آنذاك في غزة.
بعض هؤلاء المستوطنين الإسرائيليين قد انخرطوا في «الحرب الديموغرافية، مع الفلسطينيين حيث زاد عدد أطفال بعض أسرهم عن العشرة أطفال. لكن لفظة «الفلسطيني» لم تكن أبدا متداولة بين هؤلاء المستوطنين، كانت «ممنوعة» تماما ويقال «هم»، أو يقال «العدو» أو ربما «العرب الذين يعيشون في إسرائيل».
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أن «الجميع - المستوطنين الإسرائيليين ـ، لا يقبلون بأية مرجعية غير التوراة مع الازدراء الكامل للمؤسسات الدولية ولقواميس الأطلس المعاصرة، ويعتبرون هذا الشعب ـ الفلسطيني ـ اختراع يعود إلى القرن التاسع عشر من أجل منع عودة اليهود إلى الأرض الموعودة». هكذا لم يكونوا بالطبع يقبلون قيام أية دولة فلسطينية ويصفون «جيرانهم» أنهم «كلهم لصوص».
وتنقل المؤلفة في هذا السياق عن الطبيب النفساني الفلسطيني اياد السرّاج تساؤله: «أين هي الطفولة في الأراضي الفلسطينية عندما يخيّم الخوف كل يوم من الدخول إلى المدرسة وعدم لقاء الأب أو الأم عند العودة إلى المنزل الذي ربما أنه قد أصبح مجرّد خرائب؟ وكيف يمكن للطفل أن يكون طفلا حقيقة في محيط مثل الذي تعرفه غزّة»؟
ويضيف: «إن أطفالنا يعانون كل يوم من كل أشكال العنف الإسرائيلي. إن أهاليهم ينقلون لهم ما يعانون منه من خوف منذ سنوات طفولتهم الأولى. وغالبا ما كانوا قد رأوا أهلهم وهم يعانون الإذلال على حاجز، أو وهم يتعرضون للضرب والاعتقال من قبل الجنود الإسرائيليين. الأطفال قلقون ويعانون من الكوابيس والخوف من الممارسات العنيفة. إن 36 بالمائة منهم يفقدون القدرة على التركيز في المدرسة».
وبعد أن تشير المؤلفة إلى أن «فلسطين، أو ما بقي منها، ليست سيراليون. ولا يصادف في زوايا الشوارع أطفال ـ جنود»، تؤكد أن العديد من المراهقين يندفعون في مثل هذا الوضع برغبة «التوغل» إلى المستعمرات اليهودية. وفي مثل هذا الوضع يصبح «المقاتل» هو الذي يتقمّص شخصية البطل.
وتتحدث مؤلفة هذا الكتاب طويلا عن اغتيال الإسرائيليين للشيخ أحمد ياسين، وبعده مباشرة اغتيال عبد العزيز الرنتيسي عندما خرج من منزله حيث أمضى حوالي أربع ساعات مع ابنته أسماء وزوجته في المنزل. كان ذلك يوم 17 أبريل 2004.
وكان يردد دائما أنه مستعد للاستشهاد، وكان يقول لمن حوله، كما تنقل المؤلفة عنه، أنه «من الأفضل أن يصاب المرء بصاروخ على الموت على فراشه» أو «الاغتيال أفضل من الموت بسكتة قلبية».
كما تنقل المؤلفة عن أخيه صلاح الرنتيسي قوله: «كانت هناك بين الشيخ ياسين وبين أخي علاقة أب بابنه منذ أن تقاسما لمدة عدة أشهر نفس الزنزانة في أحد السجون الإسرائيلية عام 1990.
كان الشيخ ياسين معاقا جسديا، وكان أخي هو الذي يقوم بالعناية به وبنظافته. وعندما جاءت لحظة من يحل محله ـ بعد اغتياله ـ لم يكن أخي يستطيع رفض ذلك. كان يعرف أنه يضحي بحياته ب«المعنى الحقيقي والمعنى المجازي للكلمة».
وتعيد المؤلفة إلى الذاكرة تلك المفاوضات التي جرت بعد 12 سنة من اتفاقيات اوسلو، بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس إثر انتخابه ورئيس وزراء الدولة العبرية السابق ارييل شارون. وتؤكد في هذا الإطار قولها: «كان الفلسطينيون قد تعبوا من الخوف ومن الفقر ويريدون مستقبلا آخر لأطفالهم».
وتعيد التذكير أيضاً أن البنك الدولي نفسه يحدد القول إن نصف الفلسطينيين في قطاع غزة يعيشون في مستوى أدنى من عتبة الفقر. ثم تعلق على هذا بالقول: «البؤس وانعدام الأمن يشكلان الواقع الذي يتقاسمه الفلسطينيون أكثر من أي شيء آخر».
وبتاريخ 17 أغسطس 2005، بدأ الإسرائيليون الانسحاب من قطاع غزة بعد 38 سنة من الاحتلال، كان ذلك بعد يومين من الموعد الذي كان شارون قد حققه مسبقا. استمرت العملية ثلاثة أسابيع. «وعندما انسحب آخر جندي إسرائيلي من قطاع غزّة، لم تكن هناك أية حدود يمكنها أن تقف بوجه رغبة الحرية لدى فلسطينيي قطاع غزة.
وخلال أسبوع واحد تحوّل الجدار الذي كان يبلغ علوّه سبعة أمتار والذي كان يفصل هذا القطاع الرملي المكتظ بالسكان عن مصر إلى غربال من الممرات»، حسب تعبير المؤلفة. وبالتالي لم يستطع أحد على الجانبين أن يوقف المد البشري المتدفق من وإلى مصر انطلاقا من القطاع. «وكان الإسرائيليون قد تركوا غزّة التي كانوا يحتلونها منذ عام 1967 مجرد حقول من الخراب»، كي لا يتركوا أي شيء يمكن للفلسطينيين الاستفادة منه.
وتكرس المؤلفة أحد فصول الكتاب للانتصار الذي حققته حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بتاريخ 25 يناير 2006 حيث حصلت على 74 مقعدا من أصل ال132 مقعدا. أثار ذلك قلق المجموعة الدولية، كما تقول المؤلفة، رغم أنها هي التي كانت قد دعت لتنظيم تلك الانتخابات وموّلتها وسهرت على حسن سيرها. ومن هنا لم يكن بمقدور أحد أن يشكك بشرعيتها. وفي الوقت نفسه بدا تبدّل في الأدوار بين حماس وفتح.
في مثل ذلك السياق خاض حزب «كاديما»، الذي شكّله ارييل شارون، قبل أن يدخل في حالة غيبوبة كاملة منذ 4 يناير 2006 إثر نزيف دماغي، الانتخابات الإسرائيلية في شهر مارس من تلك السنة ووصل إلى الحكم برئاسة ايهود اولمرت وبتاريخ 25 يونيو من 2006 أيضاً قام مقاتلون فلسطينيون بأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت وطالبوا مقابل إطلاق سراحه خروج ألف من السجناء الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية.
لقد قام الإسرائيليون بعملية عسكرية كبيرة من أجل استرداد الجندي الإسرائيلي لكنهم فشلوا في ذلك. وقد استخدم الإسرائيليون في ذلك الهجوم طائرات بدون طيار للتجسس أو للقصف بالصواريخ. وفي الوقت الذي بدأت فيه الأمم المتحدة تتحدث عن كارثة إنسانية، كان الخوف يخيّم على قطاع غزّة.
ولكن الاهتمام الدولي تحوّل عن غزة عندما بدأت إسرائيل بحربها في جنوب لبنان، مما بدا كاستمرار لما كانت قد بدأته في قطاع غزّة. وتتحدث المؤلفة في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب عن «الحياة اليومية لرئيس وزراء تحت رقابة مشددة»، وتقصد إسماعيل هنية، وعن «غزّة في شهر يونيو 2007» في ظل سيطرة حركة حماس.
بقي القول أن هذا الكتاب يتميز بدرجة ما من الموضوعية، بمعنى ابتعاده عن التحيّز «الفاضح» لإسرائيل، كما تفعله العديد من الكتب في الغرب. وبالطبع دون أي «تعاطف» مع الفلسطينيين. ولكن جانبه الصحافي وعدم الاكتفاء بعرض وجهة نظر واحدة يجعله مهما في السياق الراهن.
*الكتاب:وقائع غزّة: تحت القنابل، هناك الحياة
*الناشر:سكالي ـ باريس 2008
*الصفحات :289 صفحة من القطع المتوسط
Chroniques de Gaza : sous les bombes, la vie
Scali - Paris 2008
P.289

