ميرا كامدار، من أب هندي وأم دانماركية، عملت في إطار معهد السياسة الدولية ودراسة المجتمع الآسيوي بنيويورك. تقدّم باستمرار تعليقات وتشارك في الندوات على قناتي سي.ان.ان وبي.بي.سي كما تساهم بالكتابة في العديد من الصحف مثل الواشنطن بوست ويال غلوبال والتايمز الهندية وورلد بوليسي جورنال.

الهند هي إحدى البلدان الآسيوية الصاعدة، ولا يتردد بعض المحللين في القول ان المستقبل لها وليس وللصين. «مؤسساتها السينمائية» تنتج العديد من أفلام الرسوم المتحركة والتأثيرات الخاصة لحساب هوليوود والبرامج التي تنتجها شركاتها للصناعة المعلوماتية موجودة في الكثير من البنوك والمستشفيات ومراكز البريد في البلدان الغربية. والهند هي بلاد ديمقراطية دينامية تتمتع بواقع أنها أكثر البلدان شبابا في العالم. ثم إنها بلد التجديد التكنولوجي بامتياز. وقد كانت حتى فترة غير بعيدة تمثل إحدى المرجعيات الأساسية للفقر في العالم، لكنها الآن بصدد أن تصبح أحد أهم القوى الاقتصادية فيه.

ولا يتردد العديد من المراقبين في أن يروا بها إحدى القوى العظمى في العالم بأفق عام 2020 وربما أنه لا حاجة للقول في هذا السياق ان الهند هي محط أنظار الكثير من الشركات العالمية متعددة الجنسية.

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب ترى في الهند «كوكبا قائما بذاته» فذلك يعود إلى أنها تواجه بعدد سكانها الكبير الذي تجاوز عتبة المليار نسمة بحوالي مئتي مليون وبنموّها الاقتصادي المتسارع تجد نفسها «بمواجهة» جميع المشاكل التي تثير قلق الغرب والعالم اليوم مثل زيادة سخونة الأرض والأزمات المتعلقة بمصادر الطاقة وأيضاً واقع الشروخ الاجتماعية المهددة.

باختصار إن الهند بمواجهة جميع التحديات وعليها أن تجد حلا لها كلها. ومن هنا تستحق تسمية «الكوكب». هذا الكتاب عن الهند «تبنيه» مؤلفته على أساس محورين أساسيين. إنها تتحدث بالأحرى عن «هندين» وليس «هندا» واحدة.

الهند الأولى هي التي يجسدها العملاق الاقتصادي والقوة العالمية الصاعدة التي يتحدث الجميع عنها. والهند الثانية، هي تلك التي لم يعد يتحدث عنها الكثيرون وهي هند الفقراء والمضطهدين، وباختصار الهند التي تسميها المؤلفة بهند «ضحايا العولمة».

وتتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي تؤكد عليها المؤلفة في القول ان الهند لم تنجح في رهان التغيير فحسب، واستطاعت أن تحرر عشرات الملايين من الهنود من قبضة الفقر، ولكنها استطاعت أيضاً أن تبني ديمقراطية حقيقية في إطار يتميز بتعدد الاثنيات وتعدد الأديان واخترعت إجابات مستدامة للمشاغل التي يواجهها عصرنا.

اختارت المؤلفة لتصدير كتابها جملتين إحداهما لشاعر الهند الكبير رابندرانات طاغور جاء فيها: «بإيجادنا الحل لمشكلتنا، سنساهم في الوقت نفسه بحل مشكلة العالم . وإذا استطاعت الهند تقديم حلّها للعالم. فإنها ستكون مساهمة للبشرية جمعاء».

تتوزع مواد هذا الكتاب بين سبعة فصول تحمل العناوين التالية: «الهنود والأميركيون» و«الهند تتصوّر مستقبلها» و«الثورة التجارية في الهند» و«000 600 قرية» و«المدن» و«الهند الأخرى» وأخيرا «قوة الهند».

تعرّف المؤلفة الهند على أنها «حضارة آسيوية قديمة، وأمة حديثة قائمة على أساس قيم التربية والمؤسسات الديمقراطية وقوة صاعدة في القرن الحادي والعشرين». والهند هي من حيث عدد السكان أكبر ديمقراطية في العالم، وهي تمثل أيضاً مجتمعا مفتوحا.

وتصف المؤلفة القرن الحادي والعشرين على أنه «قرن آسيا». وتنقل عن رئيس وزراء الهند قوله في عام 2005 لرئيس وزراء الصين عندما قام بزيارة إلى دلهي ما يلي: «الهند والصين، تستطيعان معا إعادة صياغة النظام العالمي».

إنهما تعدّان معا 4. 2 مليار نسمة، أي ثلث سكان العالم. والاقتصاد الهندي يأتي في المصاف الثاني بعد الاقتصاد الصيني في الترتيب العالمي من حيث معدّل النمو الاقتصادي الذي وصل بالنسبة للهند عام 2006 إلى نسبة 8 بالمئة.

أما ميزة الهند الكبرى فتجدها المؤلفة في «شبابها» وهناك نسبة 50 بالمئة من الهنود تقل أعمارهم عن ال25 سنة. وفي عام 2015 سيكون في الهند 550 مليون نسمة من المراهقين.

ثم إن الهند ستكون بلدا شابا وتمتلك قوى العمل وجماهير المستهلكين وصناعات تكنولوجيات المعلوماتية، والقدرة على تقديم الخدمات للعالم كله. هذا في الوقت الذي ستكون فيه الولايات المتحدة، والصين أيضا، قد عرفتا «شيخوخة» سكانهما.

وتعرف الهند ما تسميه المؤلفة ب«الثورة الصناعية الثالثة». وما يتمثّل بالنسبة لهذه البلاد أنها أصبحت مصدرا كبيرا لليد العاملة عالية التأهيل من الناطقين باللغة الانجليزية وقادرين على المنافسة في ميادين التكنولوجيات والعلوم وبأجور لا تعادل سوى جزء بسيط مما يتقاضاه الذين يشغلون في الأعمال نفسها في الولايات المتحدة الأميركية أو أوروبا.

أما مظاهر النهضة الهندية الجديدة فتحددها المؤلفة خاصة في تعاظم السكان النشيطين اقتصاديا بالإضافة إلى عدة عشرات من الملايين من الشتات ممن «أدركوا قوتهم الثقافية والاقتصادية». وليس فقط على الصعيد التكنولوجي والعلمي، وإنما أيضاً في الميادين الثقافية من «الموضة» إلى «الموسيقى» ومرورا بالمطبخ والعديد من النشاطات الأخرى.

الشعار الذي ترفعه الهند هو «التجديد من أجل البقاء»، وترى المؤلفة في هذا الشعار أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها النهضة الهندية الراهنة. إحدى سمات التجديد تتبدّى في واقع أن الهند هي البلد الوحيد في العالم الذي توجد فيه «وزارة لمصادر الطاقة غير التقليدية».

ويتبدّى أحد مصادر التجديد أيضاً في استخدام التكنولوجيات الرقمية في توفير الخدمات الصحية والتعليمية للسكان الفقراء في المناطق النائية. وتستعيد المؤلفة في هذا السياق ما كان قد قاله جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء للهند، عبر الإذاعة في منتصف ليلة 15 أغسطس 1947، لحظة الإعلان عن الاستقلال: «إن مستقبلا واعدا ينتظرنا.

وبماذا سنستعين في مسيرتنا؟ إننا سوف نجلب الحريّة وسنؤمن الفرص لكل رجال ونساء البلاد، للفلاحين والعمال، والنضال من أجل التخلص من الفقر والجهل والمرض، وإشادة أمة مزدهرة وديمقراطية وملتزمة في طريق التقدم». هذا المستقبل «أصبحت الهند اليوم فيه»، كما تقول المؤلفة.

وحول العلاقات الهندية ـ الأميركية تركّز المؤلفة على القول أنها كانت حتى القرن الحالي محصورة تقريبا بروابط شخصية. أما مسائل الأعمال والعلاقات السياسية فقد كانت مهملة، خاصة بسبب الخلط بفترة طويلة بين الحكومة الهندية والحكومة البريطانية.

وكان الهنود قد شبّهوا أنفسهم، عندما كانوا تحت ظل السلطة البريطانية بالولايات المتحدة التي كانت، مثل الهند، مستعمرة إنجليزية. وكان إعجاب الهنود كبيرا بالأميركيين عندما حصلوا على ما كانوا هم أنفسهم يرغبون به، أي الحرية والاستقلال.

ويشكّل الهنود الأميركيون إحدى أكثر المجموعات المهاجرة ازدهارا وتعليما في الولايات المتحدة حيث ان نسبة 64 بالمئة من الأميركيين ذوي الأصول الهندية حاصلون على شهادة جامعية بينما أن هذه النسبة ليست سوى 27 بالمئة بالنسبة لمجموع الأميركيين.

ومن بين الهنود في أميركا مديروالعديد من الشركات الكبرى من بينها شركة «بيبسي كولا» الشهيرة. وعبر الوزن الاقتصادي المتعاظم وتزايد أعدادهم أدرك الهنود في الولايات المتحدة أنهم يستطيعون أن يكونوا قوة سياسية لها شأنها.

وحاكم لويزيانا منهم ومن بينهم العديد من الذين في الانتخابات على مختلف المستويات. بالتوازي مع هذا ازدهرت المبادلات التجارية بين الهند والولايات المتحدة وبنسبة 400 بالمئة ما بين عام 1990 وعام 2006، وزادت في هذا العام (2006) وحده بنسبة 21 بالمئة.

من جهة أخرى إذا كان من الصعب جدا رؤية أي دور للأميركيين من أصل هندي على شاشة إحدى القنوات التلفزيونية الأميركية أو رسم صورته بطريقة موضوعية حتى عدة سنوات خلت فهناك الآن ثلاث قنوات مكرّسة للأميركيين ذوي الأصول الآسيوية من بينها قناة «ام. تي. في العالمية» التي يتولى نصرت دورّاني إدارتها.

في الصفحات الأخيرة من الكتاب التي تحمل عنوان: «مثلما يكون حال الهند، يكون أيضاً حال العالم» تكرر المؤلفة على خطا المهاتما غاندي ان «قوة المجتمع الهندي تكمن في أفراده الأكثر تواضعا.

وترى أنه من المدهش كون أنه في اللحظة التي تنطلق فيها الهند نحو مجتمع الاستهلاك تأخذ أفكار غاندي فيما يخص تعميق الديمقراطية من أجل مشاركة الفقراء في الحياة السياسية طريقها إلى التحقق أكثر فأكثر ولا تتقهقر مثلما كان يعتقد الكثيرون. هكذا لا يزال الهنود حتى الآن يكرّمونه كرمز لنضال بلادهم من أجل الاستقلال.

وتقول المؤلفة في الجملة الأخيرة من هذا الكتاب: «إذا كان من حسن حظنا أن نشهد نهضة هندية حقيقية، فإن إعادة اختراع الهند ستكون مثالا من أجل إعادة اختراع العالم».

*الكتاب:الكوكب الهندي

الصعود السريع لأكبر ديمقراطية في العالم

*الناشر:سيمون وشوستر - نيويورك 2007

*الصفحات:352 صفحة من القطع المتوسط

Planet India. the turbulent rise of the world's largest democracy

Simon and Schuster -N.Y 2007

P.352