عندما تُسيطر بعض الحكومات على الإعلام المرئي تُصبح سياسة تلك الدول هي وجهة النظر الصحيحة، لأنها الوحيدة في المشهد أمام الناس ولأن الناس لا يعرفون سواها، فتنتشر وتعم حتى يعتقد عدد كبير من البريطانيين أن الفلسطينيين هم الذين يحتلون أرض إسرائيل .

ولكن الحقائق الغائبة في بريطانيا يجب ألا تكون غائبة عن العرب، حيث تقتصر معلومات أجيال جديدة عن الصراع العربي الفلسطيني على جانب السنوات الأخيرة من هذا الصراع، وذلك بسبب الإعلام العربي الذي يُقدّم الشأن الفلسطيني بطريقة خالية من المعلومات الأساسية.

فقد كانت التقارير الإخبارية الصادرة من القدس تُشير إلى وضع المدينة تاريخياً وأنها احتلت بالكامل عام 1967 من قبل إسرائيل، ولكنها اليوم تذكر إخبارياً دون الإشارة لوضعها التاريخي، وهو ما ينطبق على الصراع الداخلي في لبنان أو كابول، حيث التقارير الإخبارية القصيرة و السريعة لا تعطي الوقت والمساحة لتبيان الحقائق التاريخية لمكان الحدث.

وهو ما دفع البروفسور«كريغ فيلو» رئيس وحدة الإعلام في جامعة «غلاسكو» باسكتلندا إلى القول: إنّ التغطية التلفزيونية البريطانية للأحداث في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل مليئة بالفجوات، حتى أنّ بعض جمهورها يظن أن الفلسطينيين هم من (يحتل أرضاً إسرائيلية)، أو أنهم (لاجئون قدموا من أفغانستان)!

وأوضح ( والكلام دوماً لكريغ ) أنّ الأعمال العسكرية الإسرائيلية تُوصف دائماً كأنّها الرد على العنف الفلسطيني، حيث إن اللغة التي تُستعمل في الإعلام البريطاني المرئي لوصف أعمال العنف الفلسطيني تُوصف على أنها (جريمة وحشية).

أو (جريمة جماعية) إلخ، من عبارات في منتهى القسوة لا تستعمل أيّة منها لدى الحديث عن العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. وأنّ كلمة (إرهابيين) هي لدى التلفزيونات البريطانية حكر على الفلسطينيين، بينما يوصف الإسرائيليون الذين يقومون بأعمال مماثلة بـ (المتطرّفين).

إن التقارير الصحافية التي تغفل الحقائق أكثر قسوة على الحقيقة من جرائم إسرائيل وان الصحافيين الذين يتجاهلون الحقائق يفعلون ذلك لأنّهم يسعون إلى بث تقارير قصيرة تشتمل على أخبار غير محزنة جداً من شأنها أن تستقطب اهتمام المشاهد كما أن،هناك في صعوبة ذكر حقائق الصراع كلها لأنها معقّدة ومتشعّبة، ولأن الإشارة إليها ستُثير جدلاً واسعاً.

والصحافة عبر تاريخها لم تكن ذات أخبار سعيدة و تبعث على الفرح، ولكن كثير من الإعلام العربي ـ المرئي ـ تحديداً حوَل التلفزيون إلى «كباريه» وجعل من المشاهدين زبائن سكارى يتأوهون من فرط السعادة !

وتحت هذا المستوى من الوعي الضائع ليس مهماً أن يعتقد البريطانيون أن فلسطين تحتل إسرائيل بل المهم المشاركة و الربح عبر إرسال sms إلى برنامج مسابقات يطرح أسئلة يكاد المرء لشدة سخافتها أن يموت غيظاً، والأدهى من ذلك أن تكون الجائزة رحلة إلى فندق فايف ستارز في كابول أو تورا بورا

(مبروك وصحتين) .

hussain@albayan.ae