مؤلفة هذا الكتاب هي نائبة المعهد الفرنسي للأبحاث حول الإدارات العامة، وأخصائية في التاريخ الاقتصادي المعاصر. تعمل بالتعاون الوثيق مع البرلمان والوزارات الفرنسية حول المسائل المتعلقة بالإصلاح الإداري والسياسات العامّة.

غدت العولمة منذ سنوات أحد أكثر التعابير شيوعا. لكنه أيضا أحد أكثر التعابير إثارة للقلق لدى الفرنسيين. هذا ما تؤكده مؤلفة الكتاب منذ السطور الأولى لكتابها. إنهم يطرحون على أنفسهم العديد من الأسئلة التي تصيغها كالتالي، ماذا سيكون موقعنا في هذا العالم الذي لا نملك عليه أية رقابة؟ وما هي الأوراق التي قد يمكننا أن نلعبها؟ هل ينبغي علينا أن نحمي أنفسنا منها أو نحاول غزو العالم؟

«هل ستقتلنا العولمة»؟ بصيغة الاستفهام تحمل إمكانية تقديم إجابة مزدوجة، بالإيجاب أو بالسلب. والمؤلفة لا تعطي في الواقع أية إجابة قاطعة، وإنما تحاول على مدى الفصول الستة التي يتألف منها الكتاب تقديم ما تمثله من «أوراق رابحة» بالنسبة لبلد مثل فرنسا، وهي تعرض المقولات الشائعة أولا ثم تقدّم شرحها لها.

يحمل كل فصل من الفصول الستة التي يتألف منها الكتاب فكرة شائعة عن العولمة، ويتم بعد ذلك تفنيدها. وهذه العناوين هي بالتالي: «العولمة، مسألة جديدة» و«العولمة هي سيادة حكم المال» و«العولمة وراء نقل الشركات لنشاطاتها إلى بلدان أخرى» و«العولمة تعمّق اللامساواة في العالم» و«العولمة هي استغلال البلدان النامية من قبل البلدان الغنية» وأخيرا: «العولمة تدين سياسات العجز».

تبدأ المؤلفة تحليلاتها بجملة تنقلها عن الباحث الاقتصادي من البيرو «هرناندو دو سوتو» قالها في محاضرة له بباريس عام 2005 وجاء فيها: «كل ما ترونه في هذه القاعة ليس من عمل شخص واحد. وباستثناء الثمار المتوحشة التي نقطفها من الغابات، فإن كل ما نستهلكه هو ثمرة التعاون والتبادل بين عدة أفراد».

إذا كان مثل هذا القول صحيحا دائما فإنه أكثر صحة في الوقت الحاضر حيث يمكن لصانع فرنسي أن يطلب بواسطة «حاسوبه» قطعا مصنوعة في الهند وجرى تجميعها في هونغ كونغ وتسويقها في نيويورك.

وهذا ما ترى به المؤلفة فرقا شاسعا مع ما كان يعرفه العالم خلال القرون الوسطى حيث كان يتم إنتاج 95 بالمئة من السلع المستهلكة في دائرة لا تتجاوز عشرات الكيلومترات. اليوم انقلبت الصورة تماما إذ أن 5 بالمئة فقط من المنتوجات يتم إنتاجها وتصنيعها في عين المكان.

وهذا هو عالم العولمة البعيد عن عالم أولئك الذين «يحنّون إلى الآلة البخارية».

وما تحاول المؤلفة أن تشرحه في هذا الكتاب هو أن العولمة يمكنها أن تكون «حظا» بالنسبة للشعوب رغم بعض المثالب المرافقة لها والتي يركز الناس عادة عليها، وخاصة الفرنسيون. وتركز المؤلفة في هذا السياق على القول أن العولمة التي نشهدها اليوم ليست الأولى، وإنما هي الثالثة.

أما الأولى فيتم تحديدها في القرن السادس عشر مع بداية الانفتاح الأوروبي على العالم وخاصة ممارسة التجارة المثلثة بين أوروبا وإفريقيا والعالم الجديد، أميركا. وكانت الثانية خلال القرن التاسع عشر مع التصنيع وشبكات السكك الحديدية واختراع الكهرباء. أما العولمة الراهنة فمن أهم ميزاتها أنها تعطي الانطباع ب«تغلغلها في مختلف الميادين».

ولا يمكن فصل العولمة الحالية عن اقتصاد السوق والرأسمالية. هذا الربط تراه المؤلفة ليس بعيدا عن حذر الفرنسيين من العولمة. وتنقل المؤلفة عن «انياسو رامونيه»، مدير مجلة «لوموند ديبلوماتيك» الشهرية قوله: «ما هي العولمة؟ إنها المجابهة المركزية في عصرنا.

المجابهة بين السوق والدولة، وبين القطاع الخاص والمصالح العامة، وبين الفرد والمجموعة وبين أشكال الأنانية وأشكال التضامن». وتؤكد المؤلفة أن عواطف «النفور» لدى الفرنسيين هي أكبر مما هو لدى الأوروبيين الآخرين. وهذا ينطبق على اليسار وعلى اليمين الفرنسيين.

هكذا جرى الحديث في خطاب المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2007 عن «انحرافات العولمة». مثل هذه الأطروحات لا بد وأن تثير مشاعر الخوف ـ دون تقديم أية حلول ـ ملموسة. الشعور العام السائد لدى المواطنين العاديين هو «العجز الكامل» أمام هذه الظاهرة الاقتصادية المعولمة.

أما السبب الحقيقي وراء هذا «الخوف» الفرنسي فتعيده المؤلفة إلى كون أن فرنسا ليست مهيأة لخوض تجربة العولمة.نقرأ: «التخصص والاتصال والتجديد، هذه هي النقاط الأساسية التي ترتكز عليها العولمة. والبلاد التي تخاف في هذا السياق إنما هي بلاد سيئة الإعداد».

أما الحل، فهو ليس سوى «التحالف» مع هذه العولمة من أجل «تحسين الحياة اليومية» للمعنيين بها. كما لا تتردد المؤلفة في القول أن «الآثار السيئة التي يتم تحميل مسؤوليتها عموما للعولمة إنما لها «أسبابها الأخرى في أغلب الأحيان».

أما مشكلة الفرنسيين فتلخصها المؤلفة بجملة نقلتها عن الجنرال شارل ديغول وجاء فيها: «توجّه الفرنسيين ومهما كانت المهنة التي يمارسونها هي المطالبة بالتقدم مع تأمل أن يبقى كل شيء كما كان سابقا».

وتلفت المؤلفة الانتباه إلى أن 70 بالمئة من الفرنسيين، كما أظهرت استطلاعات رأي أخيرة يرون في العولمة «تهديدا» بينما يرى 58 بالمئة من الأميركيين أنها إيجابية وتصل هذه النسبة إلى 70 بالمائة لدى الصينيين، ذلك أن «الصين قررت أن تصبح من جديد ما كانته خلال ثمانية عشر قرنا أي «القوة الأولى في العالم».

أما عقدة فرنسا الأساسية فتجدها المؤلفة في كون أنها من جهة لم تستطع اللحاق بالولايات المتحدة وبريطانيا ومن جهة ثانية إحساسها المتنامي أنها تواجه منافسة الصين والهند. والمشكلة هي أن فرنسا «ليست واثقة من مميزاتها بالمقارنة مع جيرانها أو شركائها التجاريين».

وهناك بلدان قد تخصصت منذ فترة طويلة. بريطانيا في ميدان المال ووسائل الإعلام وألمانيا في الآلات الصناعية أما فرنسا ورغم أنها قطب حقيقي في إطار صناعة الكماليات الراقية والصناعة الفضائية فإنها لم تجد مع ذلك تخصصها أو تخصصاتها، وهذا يعزز من الشكوك في سياق العولمة.

من ناحية أخرى تشرح المؤلفة بإسهاب النتائج المترتبة على كون أن فرنسا «تحت نير المال العالمي». وتدل الإحصائيات على أن العولمة سمحت منذ عام 1990 بمضاعفة إجمالي الإنتاج الداخلي العالمي وزادت بنسبة 50 بالمئة في معدّل مستوى الحياة، كما تشير أرقام برنامج الأمم المتحدة للتنمية.

الفرنسيون لا يزالون على هامش هذه الحركة، بل أنهم لا يزالون أقل شعوب البلدان المتقدمة حماسا لاقتصاد السوق. وهكذا على سؤال: «هل اقتصاد السوق هو النظام الأفضل من أجل بناء المستقبل»؟ أجاب 74 بالمئة من الصينيين و71 بالمئة من الأميركيين و67 بالمئة من البريطانيين بنعم بينما لم تبلغ هذه النسبة لدى الفرنسيين سوى 36 بالمئة.

«فهل يحنّ الفرنسيون للاقتصاد المخطط»؟ تتساءل المؤلفة وتجيب: «إنهم في الواقع لم يخرجوا منه تماما». ومن أكثر الآثار «سلبية» للعولمة بنظر الفرنسيين هو القول أنها وراء «زيادة عدد العاطلين عن العمل»، هذا ومعروف أن فرنسا تعاني من بطالة مرتفعة تصل إلى حوالي 10 بالمئة من عدد القادرين على العمل.

أما خلفية الاتهام الموجّه للعولمة فهو أنها وراء نقل العديد من الشركات الفرنسية لنشاطاتها من داخل البلاد إلى بلدان أقل تكلفة فيما يتعلق بدورة الإنتاج. التفسير الذي يتم تقديمه هنا هو القول أن البطالة مرتبطة بالعمل قبل أي شيء.

البرهان أنه في شهر فبراير 2007 كانت نسبة البطالة في فرنسا هي 4. 8 بالمئة مقابل 7. 3 بالمئة في الدانمارك و4. 5 بالمئة في بريطانيا. إذن «من يعمل أكثر يكون وضعه أفضل اقتصاديا».

ومسألة أخرى يتم التأكيد عليها وهي أن العولمة لا تعمل باتجاه واحد وإنما في جميع الاتجاهات. وتنقل المؤلفة عن رئيس البرلمان الأوروبي قوله: «عندما يسيطر الهندي تاتا أو الصيني لينو فو على شركات غربية يتحدث بعض الأوروبيين عن عولمة معكوسة. أصدقائي الأعزاء، العولمة لا اتجاه لها».

وتعالج المؤلفة في أحد الفصول المقولة الشائعة القائلة أن «العولمة هي استغلال البلدان الغنية للبلدان التي هي في طريق النمو». وهذا ما يتم الرد عليه بالقول أن البلدان النامية لم تشهد منذ مطلع سنوات السبعينات المنصرمة فترة مزدهرة من النمو كالتي تشهدها في عصر العولمة.

البرهان بسيط، وهو أن الهند التي كان يتم النظر إليها ك«مرجعية» في الفقر، أصبحت تضم «350 مليون شخص تزيد قدرتهم الشرائية عن 3000 دولار أميركي شهريا». ويشير تقرير صدر عن الأمم المتحدة عام 2007 إلى أن بلدين فقط في العالم .

هما جزر سيشل وزمبابوي شهدا انخفاضا في إجمالي إنتاجهما الداخلي، أما بقية بلدان العالم فمن المفروض أن تتابع استفادتها خلال عام 2008 من حالة الازدهار التي يشهدها العالم منذ عام 2002، وسترتفع بالتالي معدلات دخلها.

ويتم التأكيد أيضا في التحليلات المقدّمة على أن البلدان المتقدمة التي لا تتبنّى سياسات اقتصادية ترمي إلى تأكيد القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية تفقد من مواقعها. المثال الذي تقدمه المؤلفة هو بالتحديد فرنسا التي تحتل في التصنيف الذي قدّمه المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2007.

وتحتل فيه فرنسا المرتبة 18 من أصل 131، بينما كانت تحتل المرتبة 15 في عام 2006. وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى للعام الماضي وألمانيا الخامسة وبريطانيا التاسعة.

كتاب تفنّد فيه مؤلفته المقولات السلبية التي تحيط عامة بالعولمة وتحمّلها مسؤولية الكثير من آلام الشعوب في العالم. وفي نهاية القراءة يطرح الإنسان على نفسه السؤال التالي: هل ستقتلنا العولمة؟ كما جاء في عنوان الكتاب.

*الكتاب:هل ستقتلنا العولمة؟

*الناشر:ج. ك. لاتيس ـ باريس 2008

*الصفحات:162 صفحة من القطع الصغير

La mondialisation va-t-elle nous tuer

J. C. Lattes- Paris 2008

P.162