إذا كان هناك عيب في رواية حنيف قريشي «شيء أحدثك به»، فإن هذا العيب هو أن شخصياتها الثانوية غالباً ما تكون شديدة الامتلاء بالحياة إلى حد أنها تتفوق على الشخصيات الرئيسية، وهو عيب لا يتردد معظم الكُتّاب في الإقدام على القتل من أجل تجنبه.

وبطل الرواية، جمال خان، لا يعمل في مهنة قوامها التأمل فحسب، وإنما هو محلل نفسي فرويدي. وهل لا يزال على صلة بابنه رافع، وهو في الثانية عشرة من عمره، ولكنه في حالة هدنة مسلحة في أفضل الأحوال مع زوجته المنفصلة عنه، جوزفين.

لا عجب أن عين القارئ ستجتذب إلى مريم، أخت جمال التي تبدو أقرب إلى ماسة غير مصقولة، وتميل إلى الامتلاء، وتشرع في الدخول في علاقة مع شخص هو النقيض تماماً لها، هنري صديق أخيها جمال والمخرج المسرحي الشهير الذي خفت بريقه، ومن وجهة نظر ما فإنها بمثابة تقطير لكل ما هو سيئ بالنسبة لشريك في علاقة من هذا النوع، ومن وجهة نظر أخرى فإنها أقرب تماماً إلى الكمال.

بالإضافة إلى قيام جمال بالعلاج النفسي، فإنه يتمتع بالشهرة ككاتب لدراسات الحالات ذات الطابع الفلسفي. وراء هذه الواجهة هناك سر غامض وملتبس في حياة جمال خان، ولكي نسبر أغواره معه لابد أن نعود إلى أيام دراسته في منتصف السبعينات، وربما إلى أواخر منتصف السبعينات أو ما بعد ذلك.

في ذلك الماضي، تطل فتاة هندية متألقة تدعى أجيتا، لتجلس في صف الفلسفة غير بعيد عن جمال حاملة بدلاً من المراجع مجلة وعلبة سجائر ومفتاح سيارة، فهي ابنة رجل أعمال ناجح، وتقيم غير بعيد عن داره، وتعرض عليه أن تقله إلى داره بسيارتها.

لا ترقى الأحداث الكارثية التي تقضي على هذه العلاقة إلى مستوى ما تعدنا به الرواية، وتخلف جمال مثقلاً بالذنب الذي لا يفارقه أبداً، حتى عندما يمضي لتلقي العلاج النفسي. وحتى نهاية الرواية تظل اللطخة المفترضة ماثلة وبعيدة عن أن تُزال.

من الناحية العملية، يوظف قريشي عنصراً ينتمي إلى نوعية الرواية التي يقدمها لنا، وهو الشخصية التي تأتي من الماضي المظلم لتهدد استقرار الحاضر، ولكن قريشي يقوم بذلك بطريقته الخاصة.

إن إيان ماكوين يقوم بذلك بالضبط بالاستعانة بديناميكية الإثارة وبصورة شاملة بحيث يحدث المواجهات والوصول إلى الذروات المطلوبة، على نحو ما نجد في روايته «يوم السبت» على سبيل المثال.

بينما يعمد جراهام سويفت بالمقابل في روايته «ضوء النهار» إلى تهدئة كل شيء وإيجاد نوع من التشويق من دون إدخال الإثارة. أما قريشي فهو يسلك طريقاً وسطاً بين هذين الكاتبين، تاركاً حبكته تتقدم في اندفاعات صغيرة يسمح لها في وقت لاحق بأن تتبدد.

إذا كانت الحبكة تفقد اندفاعها قرابة نهاية الرواية مع اختفاء رسم من رسومات الفنان انجرو ما يثيره ذلك من حنق روتيني، فإن ذلك لاشك في أن قريشي قد تعمده، فتلك ليست غاية في ذاتها، وإنما طريقة لربط الأمور معاً يقوم بها قريشي على أفضل وجه.

وبمعنى من المعاني فإن رواية «شيء أحدثك به» هي عودة إلى أرض روايته الأولى التي أحبها الجمهور أكثر من أي رواية أخرى له، وهي «بوذا الضواحي»، ولكنها تشمل أيضاً معارضة للعمل الذي مضى به إلى الشهرة وهو «غسالتي الجميلة»، تتعلق بشخصية روائية جديرة بالتوقف عندها طويلاً، وهي شخصية الآسيوي عمر علي.

على الرغم من أن القارئ سيتابع بكثير من الانتباه العلاقات التي تحفل بها الرواية إلى حد الامتلاء، وهي علاقات فاشلة في أسوأ الأحوال وتتعرض للتوتر الشديد في أفضلها، فإن علاقة مريم بهنري تظل تشغل القارئ طويلاً مثلما تشغل جمال نفسه، الذي لا تفتقر علاقاته هو نفسه إلى التعقيد والارتباك، فهو من ناحية لا يزال يحب أجاتي، ومن ناحية ثانية لا يمكنه أن يطلق زوجته جوزفين، وابنه لا يتردد في التعبير عن قصة له.

من قلب ظلمة المجهول يطل علينا سر رهيب، يدور حول صلة ملتبسة تربط جمال بجريمة قتل تنتمي إلى الماضي. قصة جريمة القتل هذه وعواقبها في المدى البعيد تبقى الحبكة في انطلاقها في لحظات كان يمكن لولا ذلك أن تكون هادئة، وذلك على الرغم من أنه ليس هناك الكثير من الهدوء في هذه الرواية الحافلة بالاضطراب الذي يشبه ما نجده في الحياة.

بالإضافة إلى هذا كله فإن الرواية، عند أحد مستوياتها، تعد نوعاً من التأريخ الاجتماعي لبريطانيا في الأعوام الأربعين الماضية، مع التفات خاص إلى العلاقات بين الأعراق وثقافة الشهرة ولندن كما تبدو للعيان مع دوي انفجارات السابع من يوليو 2005.

ولابد لنا من التوقف عند ملاحظة أن الرواية من حيث البناء تبدو كما لو كانت لا شكل لها، ولكنها في حقيقة الأمر يمكن أن توصف بأنها أقرب إلى قاعة رحبة، تعطي المجال لقريشي لمحاولة وضع كل شيء فيها، حتى وإن كانت بعض العناصر التي يضعها تبدو لنا ناتئة على نحو غريب، وهناك هوات وانقطاعات هنا وهناك.

على الرغم من هذا كله، فإننا نظل أمام عمل روائي مدهش وجدير بالتوقف عنده وتأمله طويلاً، فهو شأن رواية «بوذا الضواحي» عمل حافل بالطاقة إلى حد الانفجار، يحملنا إلى آفاق الكوميديا في أحيان كثيرة.

لا لشيء إلا ليعود بنا إلى أرض الرقة على نحو مؤلم، عبر لمسات قريشي البارعة التي أبدعت شخصيات تعلق بالذاكرة طويلاً، لأنها من النوع الذي يستعصي على النسيان، تظل في صراع مع قدراتها القصوى كبشر، يطاردها ماضيها إلى أن تجد في أعماقها القدرة على التسامح والغفران، في زمن حافل بالغضب والسخط والمقت.

حديث عن الأسرار

«الأسرار هي عملتي، وأنا أتعامل معها كوسيلة لكسب العيش. أسرار الرغبة، ما يريده الناس حقاً، ما يخشونه أكثر من غيره، الأسرار المتعلقة بصعوبة الحب، تعقد الجنس، كون الحياة مؤلمة والموت جد قريب، لكنه ينحي بعيداً. لماذا يرتبط العقاب واللذة على هذا النحو الوثيق؟ كيف تتحدث أجسامنا؟ لماذا اندفع بأنفسنا إلى المرض؟ لماذا نرغب في الإخفاق؟ لماذا يصعب احتمال اللذة؟

لقد غادرت امرأة عيادتي لتوها، ولسوف تصل امرأة أخرى إليها في غضون عشرين دقيقة من الآن. أرتب الوسائد على أريكة التحليل النفسي، وأنال قسطاً من الراحة في مقعدي الوثير، في صمت مترع بالاهتمام والمبالاة. أرتشف الشاي، وأتأمل الصور والعبارات والكلمات التي تبادلناها في حوارنا وكذلك الانقطاعات في حديثنا والتواصلات في الحوار الممتد فيما بيننا».

*الكتاب:شيء أحدثك به

*الناشر:فيبر أند فيبرـ لندن 2008

*الصفحات:352 صفحة من القطع المتوسط

Something to Tell You

Faber and Faber- London2008

P.352