حرص أندرو أنتوني، المحرر الثقافي بصحيفة «الغارديان» اللندنية على إجراء هذه المقابلة مع الروائي والمسرحي والمخرج السينمائي حنيف قريشي، الذي يجمع بين الأصول الباكستانية والبريطانية، بمناسبة صدور روايته التي طال انتظارها بعنوان «شيء أحدثك به»، حيث يلقي الضوء على مصادر الإلهام في هذه الرواية وإلى أي حد تضرب جذورها في سيرة حياته.
وينتقل إلى عالمه الإبداعي متناولاً الاتهام الذي يوجه إليه تقليديا بأنه ضحى بالكثيرين في حياته الشخصية على مذبح تقديم أعماله الإبداعية بمن في ذلك أقرب الناس إليه، ويتناول القضايا الأكثر إثارة للجدل التي يهتم بها والتي تنعكس في أعماله وفي مقدمتها صدام الحضارات والأعراق والأجيال.
وفيما يلي نص الحوار:
في مرحلة مبكرة من رواية حنيف قريشي الجديدة «شيء أحدثك به» يشير الراوية بقوله: «اللذة عمل صعب، ولا يستطيع الجميع، ربما ليس معظم الناس، تحمل عبء العثور عليه». وفي هذا السعي الدائب أنجز قريشي أعمالاً شاقة، فليس مبدأ اللذة موضوعا متواتراً في رواياته فحسب، وإنما شكل عنصر تحفيز لا يتوقف في حياته.
يبدو قريشي القصير والنحيل مثقلاً بمعرفة ثقيلة الوقر بأن السعي وراء اللذة لا ينفصل عن وجع القلب. ويطل من صورة المؤلف في الغلاف الخلفي لكتاب رجلاً دفع راضياً ثمن اللذة، فالتعبير المرتسم على محياه بعيد عن الابتسام.
وشعره الأشيب وجبينه الذي علته التجاعيد شاهدان على سنوات عمره الثلاث والخمسين. ولكن عينيه السوداوين المفعمتين بالشجن هما الأكثر بلاغة في التعبير عن التجربة. ولو أنهما لم تريا ما فيه الكفاية تماماً، فلاشك في أنهما قد شهدتا الكثير للغاية.
يقول قريشي إن روايته «شيء أحدثك به» تضم كل العناصر التي يهتم بها، العرق، الجنس، السياسة، التحليل النفسي، الأدب والتلفزيون. وتعود أحداث الرواية إلى السبعينيات، التي تعد ساحة أفضل رواياته وهي «بوذا الضواحي».
ولكنها تروى من منظور الماضي القريب على لسان جمال خان، وهو محلل نفساني يجمع بين أصول انجليزية وهندية. ولجمال سر رهيب. وعلى الرغم من أن هذا السر ليس من النوع الذي يجثم في خلفية الروائي، إلا أنه كما هي الحال دائماً مع قريشي هناك لمسات قوية من سيرة الحياة الذاتية.
يحدثنا جمال خان في مقطع استهلالي من الرواية بقوله: «الأسرار هي عملتي، وأنا أتعامل بها كوسيلة لكسب العيش». لقد اتهم قريشي بدوره بأنه يكسب عيشه من الأسرار، أو على الأقل من جوانب الحياة الحميمة. فقد احتجت أخته ياسمين على تصوير عائلتهما في رواية «بوذا الضواحي»، واتهمت قريشي بفبركة خلفيتهما للترفيه عن الجمهور وتحقيق الاستفادة الشخصية».
وأطلقت صديقة سابقة له على سيناريو الفيلم الثاني الذي كتبه تحت عنوان «سامي وروزي» عنواناً آخر هو «حنيف يقبض الثمن وسالي تتعرض للاستغلال». ويحمل كتابه «حميمية» الذي أطلقه عام 1998 والذي صور فيه رجلاً يتخلى عن أبنائه وزوجته من أجل حبيبة أصغر سنا ملامح شبه مؤلمة لما قام به قريشي نفسه.
فقبل وقت قصير من تأليفه هذا الكتاب كان قد هجر تريسي سكوفيلد وطفليهما من أجل مونيك براودلوف الأصغر سناً والأكثر شباباً، والتي أنجب منها ابنه الثالث. تتسم كتابة قريشي في أفضل أحوالها بنوع من الصراحة المطلقة، احتياج إلى التعبير بالكلمات عما لا يجرؤ المرء على التفكير فيه.
وهو يقول في هذا الصدد: «إذا حدثت نفسك: إنني لا ينبغي أن أقول ذلك، فهذا هو على الدوام الشيء الذي ينبغي أن تقوله». وإذا كانت الصور التي يقدمها هي خيانات يرتكبها فإنه ينظر إليها على أنها واجبات ينبغي على المؤلف أن يؤديها.
وهو يضيف في هذا الصدد: «إن عمل الكاتب هو أن يثير الجدل ويفجر الانشقاق. تلك هي استقامة المرء، وهي استقامة تتضمن أن يخذل الآخرين». بالنسبة للكثيرين، ومن بينهم جيل من غير البيض وبصفة خاصة من الآسيويين، لم يكن قريشي مصدر خذلان، وإنما كان مصدر إلهام، فقد استكشف تنوع بريطانيا الجديد، وانطلق عبر خطوط العرق، الطبقة والجنس بمزيد من التحرر.
وقد ترك بصمته القوية الأولى في عام 1985 بالسيناريو الذي كتبه لفيلم «غسالتي الجميلة»، الذي يروي قصة الصلة بين رجل أعمال آسيوي شاب وأحد البيض المتعصبين، وأخرجه ستيفن فريرز. وتقول جوريندا شذا التي أخرجت فيلم «إلعبها مثل بيكهام».
إن حنيف مضى بالآسيويين في هذا الفيلم إلى فضاء آخر، وانها عندما شاهدته حدثت نفسها بأنه لا مجال للعودة إلى تقديم قصص عن الزواج الذي ترتبه العائلة للآسيويين بعد الآن. وبينما قام قريشي مراراً بتمحيص تجربة أبناء شبه القارة الهندية في بريطانيا، إلا أنه لم يسمح لنفسه قط بأن تسجن وراء أسوار العرق أو الدين.
فخلال سنوات نشأته كان ينظر إلى نفسه باعتباره «كاتبا إنجليزيا» تأثر بالأدب الانجليزي على نحو جلي. فالصدام بين الثقافات وتلاقح الأفكار هما اللذان فجرا الإبداع بالنسبة وليس على حد تعبيره «التبادل السطحي للمهرجانات والأطباق».
كان قريشي سباقاً في رصد خطر الجيتوهات الثقافية المحتجبة، وقد بدأ في أوائل التسعينيات في القيام ببحوث مطولة عن نزعة التطرف، وكانت النتيجة هي روايته «الألبوم الأسود» الصادرة في 1995، وفيلمه «ابني المتطرف» الذي عرض عام 1997، وكلاهما يرصد الانتقال من الاغتراب إلى التطرف.
وتنتهي روايته «شيء أحدثك به» بتفجيرات السابع من يوليو في لندن. وقد انتقد قريشي ما يدعوه بـ «الامبريالية الأخلاقية» الغربية، والمحاضرات التي يلقيها الغربيون على مسامع المسلمين عن مساواة المرأة بالرجل. وهو يقول في هذا الصدد: «هذه القيم تستغرق وقتاً طويلاً لكي تبرز، وهي عادة تبرز على يد أناس يدفعونها قدماً من الداخل وليس من الخارج».
يعد قريشي نتاجاً لمرحلة ما بعد 1968، التي مضى الوعي الاجتماعي فيها جنباً إلى جنب مع استغراق الفرد في ذاته، وهو ينتقد بشده مادية حزب العمال الجديد في رواية «شيء أحدثك به». وهو يقول في هذا الصدد: «لقد أصبح من المقبول أن يريد المرء نقوداً تتجاوز ما يمكن أن ينفقه على نحو معقول، وأن يتمتع بالطمع».
نشأ قريشي في بروملي، الضاحية الواقعة جنوب لندن والتي تمتد إلى كنت. وقد انحدر أبوه، ويدعى رفيع الشأن من عائلة ثرية في مدراس، وجاء إلى انجلترا لدراسة الحقوق، ولكنه تخلى عن الدراسة وتزوج من أودري باس، والدة قريشي، وأصبح موظفاً في السفارة الباكستانية. وعلى الرغم من ذلك فإن طموحه الحقيقي كان أن يصبح كاتباً، وقد ألف أربع روايات تحمل طابع سيرة الحياة الذاتية لم يقدر لها أن تنشر قط.
درس قريشي في ثانوية بروملي الفنية، التي درس بها المغني ديفيد بوي، ووصفها قريشي في وقت لاحق بأن الدراسة فيها كانت: «أسوأ وأفظع خمس سنوات في حياتي». وهو يضيف إنه كان: «وحيداً ومعزولاً وعكف على الكتابة في سنوات المراهقة لكي يظل محتفظاً بعقله».
وقد تم تجميع جانب كبير من مادة رواية «بوذا الضواحي» في مرحلة مبكرة للغاية. وفي بروملي عرفه أبناء الضاحية بالبحث الميتافيزيقي. وهو يوضح في هذا الصدد: «كانوا يقولون: من أنت؟ إلى أين تنتمي؟ ما الذي تفعله هنا؟ وهذه الأسئلة تغوص في قرارة نفسك».
شأن راوية أحدث رواياته، جمال خان، درس قريشي الفلسفة في كينجز كوليج بجامعة لندن، واهتم بفلاسفة علم النفس ـ نيتشه، فرويد، فوكو ـ وبالأسئلة التي طرحوها عن اللغة والجنوسة. وبدأ كذلك في كتابة المسرحيات، وأصبح بعد التخرج من الجامعة كاتباً مقيماً في مسرح الرويال كورت.
اجتذب قريشي إلى السياسات المتطرفة لجماعات مثل حزب العمال الثوري. وقد أوضح لاحقاً: «أردت استكشاف اختلاجات الليبراليين عندما يتعلق الأمر بالعرق». وفي التاسعة والعشرين من العمر اشتهر بسيناريو فيلم «الغسالة الجميلة» وعلى امتداد مرحلة ثاتشر ظل الصوت المعبر عن الانشقاق.
غير أن هذا الصوت بدا كما لو كان يفتقر إلى طابعه العاجل والمتلهف مع إقبال سنوات بلير، ثم جاءت فترة من الاستبطان الذاتي مع كتب مثل «حميمية» و«الجسد« وهو برواية «شيء أحدثك به» يعود إلى العالم الحافل بالفوضى، الملئ بالشخصيات المرتبكة التي صنع تصويرها شهرته المدوية.
وهو يتأمل تراث جيله، الجيل الذي أراد اللذة أكثر مما أراد التقدم. وليس من قبيل الصدفة أنه هو الذي يعد من المترددين على عيادات العلاج النفسي قد جعل طبيباً نفسياً راوية لعمله الجديد. ويقول هذا الراوية: «إنني أسمع كيف أن رغبة الناس وشعورهم بالذنب يثيران رعبهم».
الجميع في هذه الرواية الجديدة يبدو في حالة حراك ولا يثبت على شيء أو آخر، حيث يقع بين الثقافات المتطلبة والهويات المتصارعة عاجزاً عن تبين ما إذا كان يتعين عليه أن يكون خيراً أو سعيداً.
محطات في مسيرة قريشي
*ولد الروائي والمسرحي والسينمائي حنيف قريشي لأبوين يجمعان بين الأصول الباكستانية والانجليزية في 5 ديسمبر 1954 في بروملي بجنوبي لندن، ودرس الفلسفة في كينجز كوليج. بجامعة لندن، وعمل مرشداً للنظارة في الرويال كورت الذي أصبح في وقت لاحق كاتبا مقيماً به.
قدمت أولى مسرحياته «مواجهة المتاعب» في 1976 في مسرح «ثيتر أبستيرز» اللندني وفازت مسرحيته الثانية «الوطن الأم» بجائزة تلفزيون التميز في 1980، لكن انجازه الكبير جاء عبر أولى مسرحياته التي قدمها مسرح الرويال كورت بعنوان «الخط الفاصل» الأمر الذي أتاح له تقديم مسرحيته «الضواحي» على المسرح نفسه. وتوالت مسرحياته بعد ذلك ومنها «الملك وأنا» و«الغد ـ اليوم» و«سامي وروزي».
*كتب قريشي العديد من سيناريوهات الأفلام الناجحة، وكان أولها «غسالتي الجميلة» و«سامي وروزي» و«ابني المتطرف» وغيرها كثير.
*فازت روايته الأكثر شهرة «بوذا الضواحي» بجائزة واتيبريد عام 1990. ونشرت روايته «الألبوم الأسود» في 1995، وصدرت له مؤخراً روايته «شيء أحدثك به». وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان «الحب في زمن أزرق» عام 1997 وصدر له كتاب «برادفورد» عام 1986 متضمناً مجموعة من مقالاته.
وقد بثت مسرحيته المعدة للإذاعة «لا يمكنك العودة إلى الوطن» في 1980. وبث إعداده لمسرحية «المحاكمة» المقتبسة عن رواية فرانز كافكا الشهيرة في عام 1982.
منى مدكور
