يستجمع هذا الكتاب، في جزئه الأول، أوراق الحلقة النقاشية التي نظمها مركز الزيتونة في بيروت في العام الماضي بعنوان «تجربة حماس وآفاق الخروج من المأزق الفلسطيني». أما الجزء الثاني فيتضمن مجموعة من القراءات النقدية لتجربة حركة «حماس» في الحكم، قدمها عدد من الكتاب والباحثين الفلسطينيين والعرب، المهتمين بالشأن الفلسطيني من مختلف الأطياف.
من بينهم شفيق الحوت، وأسامة حمدان، وسامي خاطر، والدكتور عبد الستار قاسم، والدكتور وليد عبد الحي، والدكتور حسين أبو النمل، وصقر أبو فخر، ومحمد جمعة. وينطلق الكتاب من اعتبار أن حركة «حماس» مثلت خياراً وطنياً للعديد من أبناء الشعب الفلسطيني، استناداً إلى فوزها المريح بالأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني، وإلى تحقيقها شرعية شعبية لنفسها ولبرنامجها في المقاومة.
لكن «النموذج الإصلاحي والتغيري» الذي أرادت تقديمه اصطدم العديد من العوائق، أولها وجود الاحتلال الصهيوني على الأرض، بوصفه لاعباً رئيسياً في المعادلة، وعدم استيعاب العديد من قيادة السلطة وحركة «فتح» للتحول إلى حزب معارض، وسعي بعض تياراتها، وخصوصاً الأمنية، إلى إفشال حكومة حماس وإسقاطها بالسرعة الممكنة.
كما اصطدمت حركة «حماس» بعداء أو تحفظ أو انزعاج عدد من الأنظمة العربية وخصوصاً تلك التي تدور في الفلك الأميركي، حسبما يرى محسن صالح. ويرى كذلك أن حركة «حماس» أصرت على الحفاظ على مواقعها في مواجهة القوى التي استهدفتها، فحاولت كسر الحصار، كما حاولت أن ترفع من سقف البرنامج الوطني الفلسطيني.
ورفضت أن تستسلم لعمليات الإفشال، وسعت أن تختار هي بنفسها الوقت المناسب لترك الحكومة أو السلطة؛ حيث كانت تُقدر أن الثمن الذي ستدفعه لا يستهدف منها فقط مجرد التخلي عن المناصب الوزارية، وإنما كان سيتبعه عمليات تشويه وإقصاء وحملات أمنية تستهدف وجودها ذاته، تمهيداً لعقد تسوية سلمية نهائية، وطي الملف الفلسطيني.
ومن خلال دراسة التحولات التي تعرَّضت لها حركة حماس خلال الفترة الأخيرة، يرى حسين أبو النمل أن الأثمان السياسية التي دفعتها لم تكن من أجل البقاء في الحكومة، بل كانت من أجل تعزيز حصانة الحركة وحمايتها. ويمكن النظر إلى ما طرأ من تغيير على أنه خطوة تكتيكية محسوبة، لمواجهة ظروف وتطورات محتملة صعبة، ولا بد من المناورة لتفويتها.
أما تقييم إدارة حماس لعلاقاتها الداخلية والخارجية، فإن أسامة حمدان يعرضه من خلال موقف حماس من تشكيل الحكومة عقب الانتخابات، ومن وثيقة الوفاق الوطني، ومن مرحلة ما بعد اتفاق مكة، وتعامل الحركة مع المواقف العربية والدولية منها خلال الفترة الأخيرة.
ويرى صقر أبو فخر أن حماس لم تستطع التحول من حركة مقاومة إلى سلطة قادرة على إدارة شؤون المجتمع المعاصر بأفكارٍ عصرية، شأنها في ذلك شأن معظم الحركات السياسية الإسلامية، وقد وقعت حماس في سلسلةٍ من الإرباكات والتناقضات الجمَّة.
وحتى الاحراجات السياسية، وقد تجلَّى ذلك في الخلط بين البرنامج الانتخابي وميثاق الحركة، ثم في العلاقة بحركة فتح، فضلاً عن قضايا ذات حساسية عالية، مثل التعامل اليومي المباشر مع «إسرائيل» وغيرها.
بالمقابل، يرى ماجد أبو دياك أن التجربة العملية بيّنت، خلال أكثر من عام على عمر حماس في الحكومة ومن المشاركة في السلطة التي جاءت وفقاً لاتفاقات أوسلو وتحت سطوة الاحتلال، أنه من غير الممكن عملياً المزج بين المشاركة في السلطة والاستمرار في المقاومة على الأرض.
وعليه فإن الفرضية التي بنت عليها قادة حماس في المشاركة، عبرت عن قصور في إدراك حجم التناقض الذي ينطوي عليه هذا القرار، أو مبالغة في تقدير استيعاب برنامج الحركة لهذه المعادلة شبه المستحيلة أو حتى قبول الأطراف الأخرى بها. ويضيف بأن المشاركة في الحكومة حققت للحركة إيجابيات.
أهمها تكريس دورها كحركة فلسطينية قائدة للمشروع الوطني الفلسطيني، وليست مجرد حركة معارضة قوية للسلطة ومقاومة لـ «إسرائيل»، ولكن في المقابل قدمت حماس تنازلات في خطها السياسي، وظهرت بصورة مشوهة عبر الدخول في مواجهات دموية مع فتح مما أسهم في التأثير سلباً على شعبيتها في الداخل والخارج.
ويعتقد ماجد أبو دياك أن المشاركة السياسية في ظل استمرار الاحتلال تشكل منزلقاً خطيراً نحو الاعتراف به، لاسيما وأن المشاركة جاءت ضمن أشكال، وارتباطات سياسية وأمنية، فرضتها اتفاقات ظالمة بحق الشعب الفلسطيني.
ويستنتج أن مشاركة المقاومة في الحكومة ستؤدي حتماً إلى صدام مع فتح التي تضاعفت لديها مبررات إسقاط الحكومة عبر افتعال المواجهات معها، مثل: الرغبة في استعادة حكمها ولو بالقوة، وليس لديها سلطة لتخسرها، والتجاوب أو التناغم مع الضغوط والمطالب الخارجية، في الوقت الذي غيّرت فيه حماس أولوياتها لضمان استمرارية المشاركة والحفاظ على الحكومة.
ويطالب بضرورة إعادة النظر في فلسفة الجمع بين السلطة والمقاومة كخيار ثبت فشله على أرض الواقع، وتبني خيار بناء تجمع وطني للمقاومة يتولى ادارة مشروع المقاومة بمعناها الواسع وتمثيل الشعب الفلسطيني من خلال مؤسسات مقاومة، وليس من خلال سلطة لا تملك شيئاً على أرض الواقع.
ويتناول رائد نعيرات الأداء الحكومي لحركة حماس، ملاحظاً أن حركة «حماس» قدمت في حكومتها العاشرة شخصيات تكنوقراطية من الدرجة الأولى، وعلى مختلف المستويات، إلا أن جزءاً واسعاً من الشخصيات طغت صفتهم الحزبية على كفاءتهم العلمية، نتيجة لمواقعهم القيادية في الحركة وهذا ما ظهر جلياً في قطاع غزة.
وتميزت الوزارة بالشعبوية بشكل عام، لأن الوزراء كانوا حتى بعد ممارستهم للحكم ملتصقين بالشارع، ولم يحدث هناك انفصام بين الشارع والوزراء، إلا أن هذا أثّر بشكل سلبي لاحقاً، نتيجة للوضع الامني غير المستقر، حيث أصبح الوزراء عرضة للاستهداف نتيجة غياب صفة القداسة عن مواقعهم.
ويعود ذلك إلى أن الحركة اعتمدت منذ البداية على رموز حركية ساطعة، أدرجتها ضمن العمل البرلماني الفلسطيني، والعمل الحكومي، وهذا أثّر باتجاهين على الحركة والمؤسسات الرسمية، حيث يصعب الفصل مع هذه الشخصيات بين ما هو حزبي وما هو حكومي، وهذا شكّل استحالة الفصل بين الحكومة والحركة لاحقاً، وبالذات إذا أخذ بعين الاعتبار الشخصيات المركزية التي دمجت بين العمل التشريعي والعمل الحكومي.
لكن الحركة مثلت نموذجاً إدارياً بديلاً لإدارة دفة الأمور في السلطة الفلسطينية، شفافاً نزيهاً، وبعيداً عن مظاهر الفساد التي ميزت أكثر من عقد من الزمن أداء حركة فتح. وفي سياق تقييم تجربة حماس في الحكم، يرى عدنان أبو عامر أن حركة «حماس» قد أثبتت على الرغم من الحراك السياسي المتسارع الذي شهدته.
أنها عصية على الانقسام أو الانشقاق، على الرغم من ما قيل ويقال عن حالات الاستقطاب التي حدثت داخل جسمها التنظيمي، بين تيار معتدل وآخر متطرف، متشدد وبراجماتي، وهو أمر طبيعي طالما بقي داخل الصف الواحد.
وتمكنت بالفعل من تحقيق شعارها الذي رفعته حين بررت دخول الانتخابات، وهو حماية المقاومة، فلم يشهد عهدها اعتقال مقاوم، أو مصادرة سلاح، على العكس من ذلك، كل التقديرات العسكرية الإسرائيلية تؤكد أن السنة التي حكمت فيها حماس شهدت تدفقاً للأسلحة على قطاع غزة.
كما شهد الأداء البرلماني لنواب حماس انتكاسة كبيرة من خلال تعطيل المجلس التشريعي، وتغييبه عن ساحة العمل السياسي والقانوني لأكثر من خمسة شهور متواصلة، وما يعنيه من تعطيل للأداء الرقابي على السلطة التنفيذية.
وعن سؤال ماذا تريد حركة «حماس» من السياسة، يرى جاسم سلطان أنه إذا كان برنامج الحركة قائما على المقاومة، وعلى التمسك بالثوابت في حدودها القصوى، فما الذي تريده تحديداً من دخولها اللعبة السياسية القائمة على تقديم التنازلات حتى يمكن التفاوض. ويطالب الحركة بالبدء في صياغة مشروع حقيقي، له مراحله وسلم أهدافه وأولوياته، التي تبدأ من الممكن، ومن الروافع الحقيقية وليست المحتملة.
عمر كوش
*الكتاب: قراءات نقدية في تجربة حماس وحكومتها 2006 ـ 2007
*تحريروتقديم: محسن صالح
*الناشر: مركز الزيتونة - بيروت 2007
*الصفحات:322 صفحة من القطع المتوسط