يوسف سامي اليوسف مؤلف الكتاب ولد في (فلسطين) عام 1938 وتلقى تعليمه في بعلبك ودمشق، وتخرج من جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة الانجليزية، ودبلوم التربية عام 1965 . عضو اتحاد الكتاب العرب وعضو جمعية النقد الأدبي، باحث وناقد، له دراسات ومقالات كثيرة في الصحف والدوريات العربية.
من كتبه: (مقالات في الشعر الجاهلي ـ بحوث في المعلقات ـ رعشة المأساة ـ ما الشعر العظيم ـ تاريخ فلسطين ـ مقدّمة للنّفري ـ الخيال والحرية). ومن ترجماته: (الديانة الفرعونية - مختارات من شعر إليوت). في كتابه الجديد «مقالات صوفية» يبحث الكاتب في كونية الظاهرة الصوفية، أو أقله شدة انتشارها في العالم الاسلامي منذ اواخر العصر الاموي وحتى يوم الناس هذا. وبإزاء كلية الحضور هذه لابدّ للعقل البشري من ان يتساءل عن سر انتشارها على هذا النحو الشامل.
فمن شأن الظواهر الشديدة الانتشار في الزمان والمكان ان تستثير العقل وان تنتزع منه كلمة «لماذا ؟» أو تحثّه على البحث عن العلّة أو عن الغاية التي حتمت وجود الظاهرة، مهما كانت. فلو لم تكن الصوفية استجابة لحاجة من حاجات النفس لما كان لها ان تحضر على هذه الطريقة المثيرة للبحث عن تفسير او تعديل.
يتألف الكتاب من مقدمة ومجموعة من العناوين. عن «ماهية الوعي الصوفي» يجد الباحث ان للصوفية مبدأ أو عقيدة، أو ما شبه ان يكون عقيدة يملك المرء ان يميزها عن بقية المعتقدات، حتى الدينية منها.
ويعتقد الباحث ان لباب هذه العقيدة او تاجها، هو الشعور الصوفي نفسه، وهو ما يراه ماهية الوعي الصوفي وجوهر محتواه. فإذا ما تأمل المرء في مقولات اهل التصوف وجد ان معظمها مقولات ذهن أو عقل.
ومن هنا جاء الفرق بين التصوف والتفلسف. ويستشهد الباحث بقول الغزالي: و«ظهر لي ان أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول اليه بالتعلم، بل بالذوق والحال وتبدّل الصفات». ولعل مقولتي «الذوق» و «الحال» هاتين ـ وهما مقولتان شعوريتان ـ من ابرز المقولات التي تحدد الشخصية الصوفية ومحتوياتها الوجدانية كما يؤكد الباحث. ولقد عرّفوا الحال بأنه «معنى يرد على القلب من غير تعمّد».
اما الذوق فقد عرّفه «ابن عربي» في المجلد الثاني من الفتوحات المكية بأنه «اول مبادئ التجلي، وهو حال يفجأ العبد في قلبه، فإن اقام نفسين فصاعداً كان شُرباً». ولقد أجاد «أبو العلاء عفيفي» حين رأى التصوف فاعلية تقوم بها «حاسة متعالية كونية».
وأن «التصوف كالفن لا وجود له بغير العاطفة الجامحة» ولعل الأدق ان يقال بأن التصوف نتاج لغريزة اصلية في الانسان يمكن لك ان تسميها غريزة الحقيقة، بل غريزة الولع بالمجهول، أو غريزة الحنين إلى النائيات والأعالي.
وهذه هي التي اكتشفت القارات البعيدة، وهي التي تكتشف الكواكب في هذه الايام. وليس من قبيل المبالغة ان يقال بأن التصوف ثورة بالفعل. إنه ثورة الأعماق على السطوح، أو ثورة ما هو أصلي في الانسان على ابتذال المياومة وسخف الواقع وافتقاره إلى ما ينعش ويؤصل.
تحت عنوان «مقدمة للنفري» ينظر الباحث إلى الدراسات التي خصصها العالم العربي الحديث للتراث الفذ الذي تركه «محمد بن عبد الجبار النفري» المتوفى في 354 هـ ـ 965 م بأنها قليلة ولا نعرف عن مسيرة حياته سوى النزر اليسير.
وبالتأكيد، لم يكن هذا الشحّ من قبيل الصدفة، ففي الحق ان النصوص النفرية قد أوغلت في التجرد والعلو إلى حد جعلها غريبة عن الذهنية الحديثة الجانحة إلى العزوف عن المتعاليات، أو إلى قلّة الاهتمام بكل ما يخرج عن التجربة الواقعية. يذهب الباحث إلى ابعد من ذلك، فلا يستغرب بأن النفري هو واحد من كبار المتنبئين الذين ظهروا في التاريخ، ولكنه المتنبي الذي يؤمن بأنه مرسل إلى نفسه وحدها.
وعلى أي حال فإن اول ما يلفت انتباه القارئ للخطاب النفري هو انه يختلف كثيراً عن الموروث الصوفي العام، وذلك من حيث ان هذا الخطاب هو صدور مباشر عن المصدر التي تصدر منه الاشياء برمتها، أو قل من حيث هو حوار بين طرفين، اولهما مطلق وثانيهما محدود.
اما الظاهرة الكبرى اللافتة للانتباه في نصوص النفري فخلاصتها ان تلك النصوص منسوجة بإفراط من جدل الأضداد، أو من المثنويات المتقابلة المتنافية على الدوام. «وقال لي: إذا علمت علماً لا ضدّ له، وجهلت جهلاً لا ضد له، فلست من الارض ولا من السماء».
وعن «خطة النفري» يلخص الباحث هذه الخطة في تقديم المثنويات من حيث هي قوى متنافية يأكل بعضها بعضا، وذلك بغية البلوغ إلى الأوج البارئ من كل تضاد أو صراع، ففي اعماق النصوص النفرية ثمة شعور مفاده ان الصراع هو العبودية بأم عينها، وان الحرية ليست شيئاً آخر سوى الخروج التضاد إلى الفسحة النقية المتجانسة على نحو مطلق.
وبذلك تغدو الصوفية النقية مشروعاً من مشاريع الحرية في عصور الاستبداد، أو ضمن شرط تاريخي مناسب. والنفري بهذه المثابة، أو بفعل هذا التخصص في الحنين إلى العلو المطلق، هو محاولة لتجاوز الفلسفات كلها. فهو لا يقيم وزناً للمنطق أو للمعرفة المبنية على اسس الذهن.
ثم انه كثيراً ما يصرّح بأن الواقف اسمى من العارف، لأن الاول وحده المتصل بالحق الكلي الذي يند عن البصر. والاهم من ذلك ان «الوقف فرد والعرف مزدوج». كما جاء في الموقف الثامن. والحقيقة ان الكاتب شديد الاهتمام بمثنوية الوحدة والانشطار.
ومثال ذلك ما ورد في الموقف التاسع: «وقال لي: رأس المعرفة حفظ حالك التي لا تقسِّمك» فاذا انقسمت فما انت بالعارف ولا بالواقف. عن «ابن عربي ومذهبه الانساني» 560 هـ «1165 م ـ 836 هـ » 1240 م يعتبر الباحث ان التصوف الاسلامي قد اجتاز مسافة طويلة حين بدأ «محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي» بكتابة مؤلفاته الغزيرة في اواخر القرن السادس الهجري او الثاني عشر الميلادي.
ففي الشطر الاول من القرن الثاني للهجرة كانت «رابعة العدوية» قد اسست نزعة الحب الالهي التي صارت فيما بعد جزءاً من نظرية المعرفة الصوفية، والتي سوف تنمو على يد ابن عربي نفسه لتصبح نظرية في المحبة الانسانية الشاملة.
ولعل اهم ما في امر الصوفية منذ القرن الثالث الهجري انها لم تعد شظفاً ولا زهداً، وإنما استحالت إلى نهج فكري أو معرفي، او صارت موقفاً من الوجود والحياة، ولا سيما ابتداء من «ذي النون المصري» و «ابي يزيد البسطامي».
وكان علم التوحيد الذي أسسه «الجنيد» أبرز إنجاز أنجزته البغدادية في النصف الثاني من ذلك القرن. ولا ريب في ان علم التوحيد هذا هو واحد من الاسس التي سوف تتأسس عليها مدرسة الوجود، وهي تيار صوفي طوره الاندلسيون دون سواهم، فبلغ ذروته مع «ابن عربي» في النصف الاول من القرن السابع الهجري او الثالث عشر الميلادي.
ينظر الباحث إلى تراث ابن عربي بأنه ليس من السهولة بمكان ان يلمّ المرء حتى بالمسارات المحورية بتراثه، إذا ما حصر نفسه ضمن إطار مقالة واحدة محدودة الصفات. ففضلاً عن ان مؤلفاته من الكثرة بحيث لا تحصى.
بالاضافة إلى ان نصوصه شديدة التعقيد إلى حدّ الاستعصاء على الفهم الصافي في كثير من الاحيان، فإن منهجه مركّب من عناصر شديدة التباين والتنوع، اذ ان الرجل ينبع من ينابيع لا حصر لها، شأنه في ذلك شأن كل مفكر كبير. بل لعل في ميسورك القول بأن تراث الشيخ الاكبر موسوعة صوفية قائمة بذاتها.
د. وانيس باندك
*الكتاب: مقالات صوفية
*الناشر:وزارة الثقافة - دمشق 2007
*الصفحات: 125 صفحة من القطع الكبير

