في كتابه هذا يرى د. بوكروح أنَّه إذا كان التنوُّع في مصادر إنتاج المسرح الوطني الجزائري يعبِّر عن نصوص القوانين الصادرة بشأن المسرح، التي تؤكِّد على ضرورة تقديم أعمال مسرحية لمؤلفين جزائريين، ومسرحيات لمؤلفين أجانب ينتمون إلى المسرح العالمي الكلاسيكي والعصري، فإن ندرة النصّ المسرحي الجزائري كانت وراء هذا التنوُّع.

والسبب أنَّ الظروف التي كانت تعيشها الجزائر في ظلِّ الاحتلال، لم تكن تسمح بظهور نشاط ثقافي بسبب الرقابة، كما أن طريقة دخول المسرح إلى الجزائر لم تكن عن طريق الترجمة والاقتباس؛ بل تمَّت على يد هواة استطاعوا أن يُقدِّموا أعمالاً مسرحية، نابعة من الواقع الجزائري بمختلف مظاهره. مسرحيات أو لنقل نصوصاً لم يقم المسرح الجزائري حتى بعد الاستقلال على طبعها ونشرها، إذ استمرَّت التجربة في مجال كتابة النص المحلي بهدف العرض لا النشر. وكان إلى جانب المسرحيات المحلية التي ساهمت في إنتاج المسرح الجزائري؛ المسرحيات المقتبسة عن مسرحيات عالمية،

والمسرحيات(المجزأرة) وهي أعمال قام المسرح الوطني الجزائري بجزأرة حوارها، ونقله من اللغة الفرنسية إلى الدارجة(العامية الشعبية) الجزائرية مع المحافظة على أسماء الشخصيات الأصلية وطبيعة النص وروحه.

أما مترجمو هذه المسرحيات فليسوا أدباء أو كُتَّاباً، بل هم فنانون مسرحيون، وهذا ما يفسِّر الرغبة في الاهتمام في العرض، وهناك مؤشِّرٌ يؤكِّد على ذلك وهو أنَّ المسرحيات المجزأرة لم تنشر.

وممَّا يلاحظ من إنتاج المسرح الجزائري أنَّه تميَّز بخاصتين أساسيتين بعد الاستقلال: الأولى تتمثَّل في غلبة الطابع الكوميدي، والثانية في استعمال اللغة الدارجة ـ اللهجة الشعبية العامية، وقد يكون هذا راجعاً إلى العلاقة بين الكوميديا والواقع. وهذا ـ استعمال الدارجة ـ أدى إلى افتقار التراث الأدبي الجزائري إلى النشر في مجال المسرح من جهة، والى صعوبة ترويجه في العالم العربي.

طبعاً هذا لا يعني أنَّ المسرح الجزائري لم يدخل في صميم الحياة فينقل (التراجيديا والدراما). فلقد قدَّم العديد من المسرحيات التي تناولت الثورات التحررية كمسرحية: أولاد القصبة والخالدون والعهد لعبد الحليم رايس، ومسرحية حسان طير لرويشد، والجثة المطوَّقة لكاتب ياسين، واحمرار الفجر لآسيا جبار، والريح لمولود معمري، وهي مسرحيات تناولت الثورة التحررية الجزائرية.

كما قدَّم مسرحياتٍ عن حركات التحرُّر في العالم مثل مسرحية: أفريقيا قبل سنة لعبد الرحمن كاكي، والكلاب لتوم برون، وقد تطرَّقتا إلى موضوع الاستعمار في القارَّة الأفريقية. بينما مسرحية «الرجل صاحب نعل المطاط» للكاتب ياسين فقد كان موضوعها الثورة الفيتنامية، فيما مسرحية (مونصيرا) لإيمانويل رويبلاس فقد تناولت استعمار اسبانيا لأميركا، فيما مسرحية (بنادق الأم كرار) لبرتولد بريخت فتناولت الحرب الأهلية في اسبانيا.

إنَّ تكوين الجمهور المسرحي لا تقع مسؤوليته على عاتق المؤسسة وحدها، بل هي عمليةٌ شاملة تندرج ضمن تخطيط علمي، تشارك فيه كل الأطراف المعنية. ويبقى موضوع تفاعل الجمهور مع المسرح محلَّ بحثٍ مستقبلي لتحديد توجهات الجمهور المسرحي في الجزائر.

أنور محمد

*الكتاب: المسرح والجمهور

*الناشر: طبعة خاصة ـ الجزائر 2008

*الصفحات: 143 صفحة من القطع الوسط