عملت فلورنس هارتمان مراسلة لصحيفة «لوموند» الباريسية في بلغراد، عاصمة يوغسلافيا (السابقة) وصربيا الحالية، خلال سنوات التسعينات. هكذا كانت شاهداً مباشراً على تفكك الفيدرالية اليوغسلافية التي كان عرف جوزيف بروز تيتو أن يؤسسها ويسيّرها لعدة عقود من الزمن.

كتبت مؤلفة هذا العمل العديد من المقالات عن الحرب الأهلية اليوغسلافية وخاصة عن أزمة كوسوفو مما جلب عليها غضب السلطات الصربية وطردها من بلغراد في نهاية عقد التسعينات. أصدرت في عام 2000 كتاباً عن رئيس صربيا السابق سلوبودان ميلوسيفتش تحت عنوان «سلوبودان ميلوسيفتش».

عملت فلورنس هارتمان اعتباراً من عام 2001 كناطقة رسمية باسم المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي كارلا ديل بونتي وعايشت وعاشت «كواليس» القضايا التي نظرت فيها هذه المحكمة وكانت الحصيلة هي كتاب «سلام وعقاب» الذي نقدمه.

العنوان الفرعي لهذا الكتاب «الحروب السرية للسياسة والعدالة الدولية» يعبّر بشكل جيد عن مضمونه. وتؤكد مؤلفته أنها كانت «سريّة» بالفعل. ذلك أنها تشير منذ الصفحات الأولى إلى الفارق الكبير والشاسع بين ما يتم إعلانه عن «توجهات» المحكمة الجنائية وعن واقع السلوكيات التي تتم ممارستها في إطارها.

وإذا كانت تؤكد أن المدعية العامة لهذه المحكمة كارلا ديل بونتي قامت بجهود مستمرة دون كلل أو ملل من أجل محاولة فرض القانون في مواجهة مصالح الدول: لكنها نجحت أحياناً وذهبت تلك الجهود سدى غالبا بسبب مواقف الدول الكبرى خاصة التي توجهها مصالحها وليس مفاهيم العدالة.

ومنذ الصفحات الأولى من الكتاب أيضاً تحاول المؤلفة أن «تبرر» اعتمادها في كتابها على بعض المعلومات التي عرفتها بحكم موقعها كناطقة رسمية باسم المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية ومرافقتها لها للقاء العديد من رؤساء الدول وكبار المسؤولين فيها.

واطلاعها بالنتيجة على أحاديث معلومات كان «يُفترض» أن تظل «سرية». لكن اعتبارات كثيرة «إنسانية أولاً» وذات علاقة بمفاهيم العدالة نفسها ثانياً دفعتها إلى تجاوز «الشكليات» وإنما دون الخوض فيما يمكن أن يكون له آثاره «القانونية» على سير أية قضية.

تتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي تؤكد عليها المؤلفة في تحليلات كتابها في أن المحكمة الجنائية الدولية تتعرض بصورة مستمرة لمحاولات القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية التي اتخذت أساساً موقفاً نقدياً حيالها، من أجل استخدامها كـ «أداة» في خدمة مصالحها وخططها. وهذا ما ترويه المؤلفة بالتفاصيل فيما يتعلق بقضايا المنطقة التي عرفتها جيداً، أي يوغسلافيا السابقة.

وما تؤكده المؤلفة أيضاً هو أن القوى الكبرى الدولية المعنية نفسها، تبدي موقفاً «نظرياً» ويطالب بالعدالة، و«لا شيء غير العدالة». لكنها في الواقع، وفي اللحظة نفسها التي تؤكد فيها دعمها لهذه المحكمة ولمساعيها من أجل محاكمة مجرمي الحروب، تمتنع عن تقديم الكثير من المعلومات التي لديها، وليس المعلومات فقط وإنما أيضاً وثائق ربما كانت القوى المعنية قد حصلت عليها عبر تواجدها في عين المكان عند قيام النزاعات.

وتكرّس المؤلفة في هذا الإطار العديد من الصفحات كي تقدّم للقارئ توصيفاً لما جرى في «الكواليس» من «سباق محموم» بين المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية لويز اربور، وبين الدول التي انخرطت في حرب كوسوفو خلال ربيع عام 1999.

فالمدعية العامة كانت تسعى باسم «العدالة» التي تمثلها إلى محاولة محاكمة الرئيس الصربي آنذاك سلوبودان ميلوسيفتش، حيال الجرائم التي ارتكبها رجاله ضد المسلمين في كوسوفو من الناطقين باللغة الألبانية. أما الدول المنخرطة في النزاع فقد كانت مأخوذة باسم «السياسة» التي كانت في الأصل هي الخلفية التي حركتها بالبحث عن مخرج، ولو كان بعيداً عن ما تستلزمه مبادئ «العدالة».

لقد لاحظت المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، كما تقول المؤلفة، وجود عدة مؤشرات تدل على أن الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين على استعداد للقيام بعملية «مقايضة» يتمثل طرفاها في «عدم التعرض» للرئيس الصربي ميلوسيفتش، أي بمعنى آخر «العفو عنه» وعدم ملاحقته قضائياً من خلال المحكمة الجنائية الدولية المعنيّة بالنظر في قضيته.

وذلك مقابل انسحاب قواته من كوسوفو ذات الأغلبية المسلمة والناطقة باللغة الألبانية. بدأ عندها ما تسميه المؤلفة بـ «السباق ضد عقارب الساعة» إذ حاولت لويز اربور «تسريع» الإجراءات القانونية من أجل تقديم الرئيس الصربي للمحاكمة «قبل فوات الأوان».

وتتعرض المؤلفة مطوّلاً في كتابها لحالتين محددتين عايشتهما أيضاً من قرب ومن خلال «الملفات» التي كانت على علاقة مباشرة بها. الحالتان المعنيتان تخصّان كل من «رادوفان كارادزيتش» و«راتكو ملاديتش» القائدين العسكريين والسياسيين السابقين الصربيين في البوسنة. هذان الرجلان معروف عنهما أنهما كانا الرأس المدبّر والمنفذ للمذابح التي شهدتها سريبرينتشا عام 1995 وذهب ضحيتها ما لا يقل عن ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة.

هذان الرجلان مطلوبان منذ سنوات للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية كمجرمي حرب باتفاق وشبه إجماع مختلف دول العالم، على الأقل «الديمقراطية» منها. ولكنهما لا يزالان حرّان طليقان ولم تستطع المحكمة أن تضع يدها عليهما ومحاكمتهما. من يتحمل مسؤولية ذلك؟ تتساءل المؤلفة.

إن الإجابة التي تقدمها تمتد على العديد من الصفحات التي تشتمل على توصيف دقيق للعديد من العمليات التي جرى إجهاضها وأخفقت في الوصول إلى القائد الصربي «رادوفان كارادزيتش». أما الذي كان وراء إجهاضها، فليس أي طرف آخر سوى «الحلفاء» الذين كانوا يخلقون في كل مرّة «ظروفاً» ما يكون من نتيجتها نجاة مجرم الحرب «كارادزيتش» وحيث كانوا يقومون بمطاردته «رسمياً» للقبض عليه وتحويله إلى محكمة لاهاي.

إن المؤلفة تقوم في واقع الأمر بنوع من التحقيق الصحافي الذي «تتعقّب» فيه مسيرة القائدين الصربيين «كارادزيتش وملاديتش» وتحولهما من مناضلين سياسيين، وإلى حد كبير من مواطنين عاديين، إلى متطرفين ذوي نزعة شوفينية متزمتة، مع ما يترتب على هذا من رفض للتعايش الذي كان قد استمر لعقود طويلة مع الآخر «البوسني المسلم». ويتضمن الكتاب في هذا الإطار تفاصيل «مدهشة» مع خلفياتها التاريخية.

ولعل الأكثر إثارة للدهشة «الاطلاع» عبر ما تقدمه المؤلفة، على الدور الذي لعبته الأجهزة السرية الغربية التي «أحجمت في اللحظة الأخيرة» عن إلقاء القبض على المعنيين. هذا مع أنها كانت قد قامت بعمليات ملاحقة دقيقة ومستمرة لهما من صربيا إلى بيلوروسيا والعديد من البلدان الأخرى من بينها «الجبل الأسود» حيث تواجدا لأكثر من مرة .

فلماذا كان ذلك الفشل «الإرادي» في القبض عليهما؟ نقرأ: «لم يتم مثول كارادزيتش وملاديتش إلى العدالة كي لا يتم إنعاش ذكرى الخيار الذي لا يمكن الاعتراف به للديمقراطيات الغربية الكبرى في التضحية بسكان سريبرينيتشا عبر تركهم بشكل واع لجلاّديهم ثم بحرمان الأحياء منهم من أراضيهم ومن حكم يمكنه أن يخرجهم من حالة الاحتضار التي يعيشونها ويرمم بشكل ما كرامتهم المثلومة».

في الصفحات الأخيرة من الكتاب تبحث المؤلفة في مستقبل المحكمة الجنائية الدولية، وتخلص إلى التأكيد أنه «مستقبل غير واضح». هذا لاسيما وأن السياق الدولي كله قد تغير بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن بالقياس إلى ما كان عليه عند تأسيس هذه المحكمة عام 1993.

وتقول المؤلفة بهذا الصدد: «إن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 قلبت جميع المعطيات على المسرح الدولي. وجميع المهمات السياسية المبرمجة. وتركت نهائياً للقرن الماضي إرث سنوات التسعينات بكل أزماتها وطموحاتها ذات الطابع الإنساني والتزاماتها الباحثة عن الفضيلة».

وبعد 11 سبتمبر 2001 صمم الأميركيون، كما ترى المؤلفة، على أن «يختموا» أعمال المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة ورواندا وغيرهما. ولم يكونوا في الأصل متحمسين لها في أي يوم من الأيام.

هذه شهادة من داخل «كواليس» آليات عمل العدالة الدولية، وما تشهده من ازدواجيات في أدوار القوى الكبرى ومن عقبات لإعاقة عمل أولئك الذين يعتقدون أنه «لا أحد بمنجاة عن العقاب على جرائمه».

*الكتاب:سلام وعقاب

الحروب السرية للسياسة والعدالة الدوليين

*الناشر: ارماتان ـ باريس 2007

*الصفحات:320 صفحة من القطع المتوسط

Paix et châtiment

Harmattan- Paris 2007

P.320