أمضى مراد كورناز خمس سنوات في معتقل غوانتانامو الشهير عانى فيها من كل أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، هذا على الرغم من أن براءته من التهم المنسوبة إليه آنذاك قد ثبتت تماما واعترفت بها الأجهزة الاستخباراتية الألمانية والأميركية منذ عام 2002. لكن إطلاق سراحه لم يتم سوى في عام 2006.
حاول العودة عند إطلاق سراحه إلى ألمانيا حيث يحمل الجنسية الألمانية ولكن جرى ترحيله إلى بلده الأصلي تركيا. هذا إذن كتاب ـ شهادة عمّا يجري في معتقل غوانتانامو، وهي الشهادة الأولى لمعتقل بريء، والقصة من أولها هي أن مراد كورناز كان قد جرى اعتقاله عام 2001 قبل أيام قليلة من الهجوم الأميركي على أفغانستان ردّا على تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. جرى الاعتقال كما يؤكد مراد، وكما أثبتت التحقيقات بعد ذلك، أثناء عملية رقابة عادية لأوراق الهوية في منطقة «بيشاور» ثم جرى «بيعه» من قبل الشرطة الباكستانية إلى القوات الأميركية مقابل مبلغ ثلاثة آلاف دولار أميركي.
اقتادوه بعد ذلك إلى مدينة «قندهار» الأفغانية حيث بدأت رحلة تعذيبه حيث أمضى في تلك المدينة مدة شهرين كاملين قبل أن يجري تحويله إلى معتقل غوانتانامو. لقد أمضى في هذا المعتقل «السيئ السمعة» مدة 1600 يوم كان خلالها سجينا في قفص وكان يتعرض يوميا للتحقيق والتعذيب والحرمان من النوم.
في الكلمات الأولى من شهادته يعود مراد كورناز إلى تلك الليلة التي غاد فيها بين أسرته في ألمانيا دون أن «يتجرأ» على وداع أمه واخوته الصغار بل اكتفى بإخبارهم هاتفيا وهو في طريقه إلى المطار أنه ذاهب إلى باكستان وسيعود بعد أسابيع قليلة. كان عمره آنذاك 19 سنة ولم يكن يخطر له أنه لن يرى أمه ثانية إلا وهو في الثالثة والعشرين من العمر. كان قد ذهب إلى باكستان ليعمّق معارفه الدينية في مساجدها.
كان في طريق عودته نهائيا إلى ألمانيا بعد أن أمضى فترة أسابيع في باكستان، وتحديدا في «بيشاور» ـ هذا الاسم هو من أصل هندي ويعني «مدينة الورود» ـ عندما أمره رجال شرطة باكستانيون بالنزول من الحافلة التي كان يستقلها واحتجزوه ثم اقتاده عدد منهم إلى إحدى «الفيلات» الجميلة في حي سكني حيث كان يتواجد رجال «غربيون» لم يستطع تحديد هويتهم.
ثم إلى السجن حيث يكرّس مراد في شهادته عدة صفحات للحياة داخله ولحياة السجناء، ولقائه مع أفغاني قدّم له نفسه على أنه وريث أسرة عملت دائما ب«تجارة الأفيون» أبا عن جد. وكان موضع احترام الجميع من سجناء وسجانين ولم يبخل عليه بكل أشكال المعنوية والمادية بما في ذلك المالية.
وذات يوم وجد مراد نفسه داخل سيارة ومحاطا برجال شرطة باكستانيين في سفرة استمرت قرابة نصف يوم ليجد نفسه في إحدى الزنزانات برفقة ثلاثة من العرب الذين اقتسم معهم طعامهم حيث كان يكابد من أقصى درجات الجوع.
ويحدد القول ان أحدهم اسمه «كمال» وهو من البحرين وكان لا يزال حتى كتابة هذه الشهادة في غوانتانامو، والآخر يطلق عليه تسمية «صلاح» تحاشيا لذكر اسمه الحقيقي فقد عاد إلى بلاده ويصفه أنه كان يجيد اللغة الانجليزية إذ أمضى سنوات دراسته في الولايات المتحدة الأميركية.
في الموقع الجديد الذي اقتادوه له كان المحققون من الأميركيين وكانت الأسئلة التي جرى توجيهها له هي عن الإرهاب وعلاقته به. ثم كان النقل بطائرة «هيلوكبتر» إلى تندهار. وكانت في الوقت نفسه الضربات والركلات الأولى منذ بداية التحقيق. لقد عرف آنذاك أيضاً ومن الأميركيين أنفسهم أنه قد جرى «بيعه» لهم بقيمة ثلاثة آلاف دولار.
وكان معروفا آنذاك أن الأميركيين قد عرضوا مكافآت مالية مغرية لمن يسلمهم «أجانب» متواجدين في أفغانستان. هذا ما تأكّد منه صاحب هذه الشهادة عندما وجد فيما بعد في غوانتانامو مع العديد من «الضحايا» بينهم عدد كبير من الباكستانيين. نقرأ: «كان الجميع على معرفة بذلك سواي. إنني لم أعرف سوى بعد فترة طويلة أن الأميركيين كانوا قد اشترونا كالعبيد».
في الطائرة إلى قندهار قام الجنود الأميركيون بالنقاط صور عديدة للسجناء. نقرأ أيضا: «في تلك اللحظة فهمت أنهم قد عاملونا طيلة الرحلة كإرهابيين وإنهم كانوا سوف يستخدمون تلك الصور من أجل تقديمنا بهذه الصفة إلى الرأي العام. لم يكن مهما أن يكونوا على قناعة بأنني مذنب أو إنهم كانوا على دراية تامّة أنني بريء.
لقد كانوا بحاجة إلى كبوش فداء يمكنهم تقديمهم أن يعرضوا صورهم عاليا للدلالة على انتصارهم. لقد كانوا يؤكّدون في أميركا وفي كل أنحاء العالم أنهم قد قبضوا على الإرهابيين والمجرمين المسؤولين عن تفجيرات 11 سبتمبر الذين كانوا يبحثون عنهم، كما كانوا يريدون أن يُظهروا للجميع المعاملة التي سيلقونها».
بل ويشير صاحب هذه الشهادة أنه فهم لاحقا واقع كون وسائل الإعلام قد أكّدت، كما تثبت الصور، إن الأميركيين قد قبضوا عليهم في مناطق كانت تدور فيها معارك طاحنة بأفغانستان. هذا في الوقت الذي كان قد تمّ القبض عليه وعلى زملائه الذين رافقوه في «الرحلة» إلى غوانتانامو في باكستان ومن قبل الشرطة الباكستانية.
بعد شهرين من التحقيقات في قندهار، أعطى الجنود الأميركيون لمراد ورفاقه «لباسا جديدا» ذا لون برتقالي أصبح شهيرا فيما بعد ك«ماركة» وفي الوقت نفسه وضعوا القيود في أيديهم وأرجلهم. قال له أحد الجنود آنذاك: «الآن سوف نضعك في الكهف نفسه مع أسامة بن لادن كي يصار إلى إعدامك بعد ذلك».
قبل الصعود إلى الطائرة ربطوا سلاسل السجناء فيما بينها. استمرت رحلة الطيران 27 ساعة لم يسمح ل«المسافرين» طيلتها بالنوم وجرى التقاط صور عديدة لهم. ثم نقلوهم في حافلة في وضعية «معلّقة» بحيث لا يمكنهم فعليا لا الجلوس بوضع مستقيم ولا الاستلقاء.
كان الجو حارا، فهل كانوا في جنوب تركيا؟ تساءل مراد حيث يمكن للحرارة أن تبلغ في ذلك الفصل من السنة 30 درجة. ويؤكد مراد أنهم تلقوا الضرب باستمرار طيلة الرحلة وكانت الكلاب «المرافقة لهم» في الحافلة تعذّبهم عضا ونهشا.
ثم انتهى الأمر بمراد إلى أحد أقفاص معسكر غوانتانامو، وهو يقدّم للقارئ العديد من الصفحات هنا للحياة، أو بالأصح لانعدام الحياة داخل هذا المعسكر ـ المعتقل. لقد قابل هناك أتراكا وباكستانيين وأفغانا وعربا كانوا «نزلاء» الأقفاص المجاورة.
كان الأمر صعبا جدا في البداية. ويؤكد صاحب هذه الشهادة أنه أمضى مدة من الزمن قبل أن يعرف أنه في كوبا. وكان لا بد من فترة أيضاً للتأقلم مع القواعد المطبّقة في المعسكر. ابتداء مما فهمه في اليوم الأول وهو أنه لا يحق له أن يلتحف بالغطاء سوى على ساقيه ولا يحق له أن ينام سوى مستلقيا على ظهره.
ثم فهم في الأيام التالية أنه لا يحق له أن يقف أو أن يمشي في القفص بل يبقى جالسا طيلة النهار ومستلقيا خلال الليل. بالطبع لم يكن للسجناء الحق في تبادل الحديث ولا توجيه الكلام إلى الحرّاس أو حتى النظر إليهم.
ولم يكن يحق لهم أن يرسموا أي شكل بأصابعهم في الرمل ولا إطلاق أي صفير بشفاههم ولا الغناء ولا حتى الابتسام. نقرأ: «في كل مرة كنت أقترف خطأ يستحق العقاب إما بسبب جهلي بالقواعد وإما بسبب أنه كان قد تمّ تبنّي قاعدة جديدة، كان الجنود ينهالون عليّ بالضرب».
ويحكي صاحب هذا الكتاب ـ الشهادة طويلا عن «قوة الرد المباشر»، وهي التسمية التي تعني «وحدات القمع» المؤلّفة من خمسة إلى ثمانية جنود مجهّزين بهراوات ولكن دون أسلحة خشية أن ينتزعها السجناء منهم. ويشير مراد هنا إلى أنه كان يلمح دائما في نظراتهم الإحساس بالخوف وهم أمام الأقفاص، رغم أن السجناء يجلسون القرفصاء باستمرار، ولا يملكون أي دفاع بل إنهم حفاة دون أي حذاء.
إن سجين غوانتانامو السابق يقدّم عمليات توصيف كاملة لجلسات التعذيب التي كان يمارسها عناصر «قوّة الرد المباشر» الذين كانوا يرشّون غازات تثير الأنف والعيون في الأقفاص قبل دخولها من أجل شلّ أية قدرة لدى السجين في التماسك. وما يؤكده هو أن فظاعة التعذيب كانت تسرق النوم من العيون لأيام تالية كاملة.
إن التوصيفات التي يقدمها صاحب هذه الشهادة لما رآه والذي يمكن وصفه أنه «لا إنساني» أعضاء جرى بترها مثل ذراع «عبد الرحمن» التي ألقوها، بعد بتر ذراعه من قبل الأطباء في القفص دون علاج جرحه والذي أثارت حالته عدة أسئلة على مراد وهو يصيغها بالتالي: «كيف كان يمكنه أن يعيش في مثل هذه الظروف؟ وماذا يمكن تسمية الأطباء الذين قبلوا تركه بتلك الحالة؟ وما هو صنف البشر الذين كانوا يتعاملون معنا بتلك الطرق»؟
تلك حالة من بين عشرات الحالات التي تبدو كل منها وكأنها مأخوذة من أحد أفلام الرعب السوداء. في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يجد القارئ تأريخا لأهم الأحداث التي عاشها منذ اعتقاله يوم 3 أكتوبر 2001 وحتى تاريخ إطلاق سراحه يوم 24 أغسطس 2006. كتاب صدر باللغة الألمانية أولاً ثم الفرنسية وقريبا باللغة الانجليزية.
*الكتاب:في جحيم غوانتانامو
*الناشر: بالغريف مكميلان - نيويورك 2008
*الصفحات :256 صفحة من القطع المتوسط
Five years of my life
Palgrave macmillan - New york 2008
P.256

