مؤلف هذا الكتاب هو الباحث لاري دياموند الأستاذ في معهد هوفر بالولايات المتحدة. كما أنه أحد مؤسسي جريدة الديمقراطية يضاف إلى ذلك أنه يشغل أيضاً منصب أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد حيث يلقي محاضرات عن العلاقة بين الديمقراطية والتنمية وبخاصة في بلدان الجنوب الفقيرة كآسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.

وهو يقدم هنا صورة عامة عن أحوال الديمقراطية في العالم ويقول بما معناه: على الرغم من الصعوبات التي تلاقيها الديمقراطية في طريقها إلا أنها سوف تنتشر في شتى أنحاء العالم بالتدريج. فقبل سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 كانت الدول الديمقراطية تعد على أصابع اليد الواحدة أو اليدين. ولكنها تجاوزت الآن المئة دولة بكثير. فكل دول أوروبا الشرقية والوسطى التي كانت خاضعة للنظام الشيوعي والحزب الواحد أصبحت الآن ديمقراطية ومتعددة الأحزاب. ومعظم دول أميركا اللاتينية تحولت إلى النظام الديمقراطي في السنوات العشر الأخيرة. نضرب عليها كمثل من جملة أمثلة أخرى: تشيلي والمكسيك والبرازيل والأرجنتين وسواها.

ولم يبق إلا كوبا خارج النظام الديمقراطي. وحتى في إفريقيا السوداء أصبحت العديد من الدول ديمقراطية وتنظم انتخابات شعبية وتقبل بالتناوب السلمي على السلطة بين الموالاة والمعارضة. بالطبع فإن ديمقراطيتها ليست مكتملة ولا خالية من العيوب. ولكنها مشت خطوات مهمة نحو الديمقراطية وهذا يكفي في الوقت الحاضر وينبغي تشجيعه. فالديمقراطية لا تتحقق بسهولة دفعة واحدة.

وحتى روسيا أصبحت ديمقراطية قياسا إلى الماضي. فلم تعد هناك أية هيمنة للحزب الواحد، أي الحزب الشيوعي، وإنما يعترف النظام بتعددية الأحزاب والتنافس فيما بينها. فهناك أحزاب اليسار بما فيها الحزب الشيوعي وأحزاب الوسط وأحزاب اليمين بل واليمين المتطرف، وكلها تتنافس على أصوات الناخبين بشكل سلمي.

ولكن هذه الديمقراطية تظل ناقصة في نظر المراقبين لأن فلاديمير بوتين يتلاعب أحيانا بالانتخابات ويجيّرها لصالحه في نهاية المطاف. والواقع أنه يسيطر على العديد من القنوات التلفزيونية ويستخدم قوة الدولة والإدارة الرسمية لتحقيق مآربه وإنجاح حزبه على حساب الأحزاب الأخرى.

وهذا ما يثير نقمة الكثير من الأحزاب السياسية في روسيا. ولكن على الرغم من كل هذه النواقص فإن وجود هذا النوع من الديمقراطية الناقصة أفضل من عدمه. فطريق الديمقراطية طويل ولا يمكن قطعه بقفزة واحدة وإنما بالتدريج وعلى مراحل. وسوف تتوصل روسيا في نهاية المطاف إلى الديمقراطية الكاملة.

ثم يردف المؤلف قائلا: وحتى الصين وإيران اللتين تبدوان الآن عصيتين على الديمقراطية سوف تدخلات جنة الحكم التعددي الديمقراطي خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة. فالحزب الشيوعي على قوته لا يمكن أن يظل الحزب الوحيد في البلاد.

وذلك لأنه سيحصل تناقض هائل بين النمو الاقتصادي والرأسمالي للصين وبين نظامها السياسي الديكتاتوري القائم على الحزب الواحد والجريدة الواحدة وخنق كل الأحزاب والتيارات والأصوات الأخرى. وعندئذ سوف ينفجر النظام السياسي الصيني بالضرورة أو سوف يقبل بالإصلاحات المؤدية إلى الاعتراف بتعددية الأحزاب وتنظيم انتخابات حرة ديمقراطية.

ثم يتحدث المؤلف مطولا عن روح الديمقراطية ويقول بما معناه: إن روح الديمقراطية تعني الحرية بكل بساطة. وهي حرية يتوق إليها كل إنسان لأنها تسكن في جوانحه. والديمقراطية التي نشأت في أثينا قبل ألفين وخمسمئة سنة تطورت كثيرا لاحقا. فلم تعد مباشرة أو شعبية كما كان عليه الحال في السابق.

فالمجتمع الأثيني كان محدود العدد ولا يتجاوز بضعة آلاف من الرجال الأحرار. وبالتالي فكان من السهل عليهم أن يجتمعوا في الساحة العامة للمدينة ويتناقشوا في أمور الدولة والمجتمع والسياسة ويتخذوا القرارات اللازمة بشأنها عن طريق التصويت المباشر.

يضاف إلى ذلك أن ديمقراطيتهم على أهميتها كانت ناقصة. فقد كانت تستثنى منها فئات عديدة في المجتمع ليس أقلها النساء والعبيد. أما اليوم فأصبحت الديمقراطية كاملة متكاملة تشمل كل أبناء الشعب دون استثناء. فالشعب الأميركي مثلا يصوت على انتخاب ممثليه أو حتى على رئيس الجمهورية بكل فئاته من البيض إلى السود، ومن النساء إلى الرجال.

كل المواطنين البالغين يحق لهم التصويت والمشاركة في انتخاب أعضاء الكونغرس أو مجلس النواب أو سوى ذلك. لم يعد السود مستبعدين جنة الديمقراطية أو المشاركة السياسية في أميركا. وأكبر دليل على ذلك هو أن أحد المرشحين الأساسيين للانتخابات حاليا هو شخص من أصل أسود: باراك اوباما.

ولكن لم تعد الديمقراطية مباشرة كما كان عليه الحال في السابق لسبب بسيط، هو أنك لا تستطيع أن تجمع ثلاثمئة مليون شخص في ساحة واحدة لكي يتناقشوا فيما بينهم ويتخذوا القرارات. أصبحت الدول الحديثة مضطرة إلى ممارسة الديمقراطية بشكل غير مباشر عبر انتخاب ممثلين ينوبون عن الشعب في اتخاذ القرارات.

وهكذا أصبحت مجالس النواب هي التي تمثل كل الشعب وتدافع عن مصالحه بمختلف فئاته وطبقاته الاجتماعية. فإذا كنت يمينيا وانتخبك الأغنياء فإنك ستدافع عنهم وعن مصالحهم داخل مجلس النواب وإذا كنت يساريا وانتخبتك الطبقات الشعبية فإنك ستدافع عن مصالحهم، وهلم جرا. يضاف إلى ذلك أن روح الديمقراطية تتناسب مع روح الفرد والشعب في آن معا، فالنظام الديكتاتوري الاستبدادي المطلق يخنق الأرواح قبل العقول.

إنه يعامل الناس كبهيمة أو كحشرة ليس إلا. فهو لا يستشيرهم في أي شيء يخص وجودهم. وقد ساد هذا النظام الطغياني طيلة العصور السابقة حيث كان يعم الفقر والأمية والجهل معظم فئات الشعب. وكان الحاكم المطلق قادرا على أن يمارس حق الموت والحياة على رعيته دون أن يسائله أحد.

ولحسن الحظ فإن هذا النظام الاستبدادي انتهى من معظم بلدان العالم في العصور الحديثة. ولكن لا تزال هناك بلدان عديدة غير ديمقراطية بل واستبدادية طغيانية. ومن بينها للأسف الشديد الكثير من البلدان العربية والإسلامية.

ثم يطرح المؤلف أخيرا هذا السؤال: هل يتناسب الإسلام مع الديمقراطية يا ترى؟ ولماذا نجد أن الديمقراطية حققت نجاحات لدى مختلف الشعوب ما عدا الشعوب الإسلامية؟ وجوابه هو أن الإسلام دين كبير ويتناسب مع الحكم الديمقراطي بشرط القيام بحركة إصلاحية شاملة في العالم العربي والإسلامي.

وهذه الحركة الإصلاحية ينبغي أن تشمل برامج التعليم وليس فقط الاقتصاد والسياسة والمجتمع وسوى ذلك. فالإسلام المستنير والعقلاني هو وحده القادر على استيعاب الفكرة الديمقراطية. بل وإنه سبق العالم كله إلى الحضارة والحداثة والحرية.

*الكتاب:روح الديمقراطية

النضال من أجل بناء مجتمعات حرة عبر العالم

*الناشر:تايمز بوكس - نيويورك 2008

*الصفحات : 464 صفحة من القطع الكبير

The spirit of democracy: the struggle to build free societies throughout the world

Times Books - N. Y. 2008

P.464