نيكولاس شاكسون، مؤلف هذا الكتاب، هو صحافي انجليزي تحوّل من الصحافة إلى البحث، وتحديداً البحث في المجال النفطي، وبالتحديد أكثر البحث في المسائل النفطية في القارة الإفريقية السوداء، حيث استطاع ان يفرض نفسه كأحد أهم الأخصائيين في هذا الميدان. هذا هو كتابه الأول، لكنه قدّم العديد من الدراسات في الصحف والدوريات البريطانية والدولية مثل الفيننشال تايمز والإيكونوميست حول النفط الإفريقي.
يستعرض المؤلف في هذا الكتاب عن «الآبار المسمومة» اللعبة الدولية الكبرى حول البترول في إفريقيا، التي كانت شركة «إلف» الفرنسية أحد رموزها المهمة سابقاً ثم دخلت على الخط منذ فترة ليست بعيدة الولايات المتحدة الأميركية والدول الصاعدة وعلى رأسها الصين وإلى حد ما البرازيل.
ويستعرض المؤلف أيضاً دور الشركات البترولية العالمية الكبرى، وكذلك دور الدول الإفريقية المعنية وفي مقدمتها نيجيريا، البلد الإفريقي النفطي الكبير وغينيا الاستوائية والغابون وأنغولا وغيرها، في اللعبة القائمة. ويضم الكتاب عدداً من المقابلات مع بعض أصحاب القرار الفاعلين في الميدان النفطي الإفريقي من أمثال الرئيس الغابوني عمر بونغو.
ما يؤكده المؤلف هو أن بعض الشركات البترولية الخاصة في بعض المناطق مثل خليج غينيا تشتكي من ضعف المردودية التي تجنيها من استثماراتها النفطية في إفريقيا وحيث انها تدفع أحياناً ما يزيد على سبعين بالمئة من قيمة البترول إلى «صناديق» البلدان التي تعمل فيها.
هذه الشكوى لا يرى بها العديد من الخبراء الاقتصاديين سوى «دموع التماسيح البيضاء»، حسب التعبير المستخدم، هذا لا سيما عندما يكون سعر برميل النفط في الأسواق الدولية في مستويات لم يعرفها أبداً في أية مرحلة سابقة .
لكن المؤلف يشرح على مدى العديد من صفحات الكتاب ما تفعله التماسيح «السوداء» من أبناء البلدان الإفريقية التي «تلتهم» القسم الأكبر من العائدات البترولية دون أن تولي أية أهمية حقيقية لمسائل التنمية في بلدانها. وهكذا لا تزال تفتقر إلى البنى التحتية الأساسية وبالتالي لا تستطيع النهوض ولا تشارك إلاّ بالقسط اليسير في الدورة الاقتصادية العالمية .
ويقدّم المؤلف العديد من الإحصائيات والمعلومات غير المعروفة كثيراً إلاّ في الأوساط المعنية بينما يجهلها الناس العاديون. هكذا نعرف مثلاً أن الولايات المتحدة الأميركية تستورد من انغولا ونيجيريا كميات من البترول بمقدار ما تستورد من المملكة العربية السعودية والكويت.
ويفتح المؤلف قوسين هنا كي يشير إلى النوعية الجيدة للبترول الإفريقي «الخفيف»، هذا فضلاً عن أن الأجواء الاجتماعية والسياسية في إفريقيا ليست معادية بشكل عام للأميركيين الذين لم يسبق لهم أن استعمروا أي بلد. وفي المحصّلة غدت المنطقة الإفريقية تجذب أكثر فأكثر الشركات والمصالح الأميركية وحيث كانت أميركا غائبة إلى حد كبير عن هذه المنطقة من العالم حتى فترة قريبة جداً من الزمن.
ويرى المؤلف أن هناك مؤشرات عديدة ترمي إلى الدلالة على تغيرات حقيقية من قبل الدول الكبرى حيال القارة الإفريقية السوداء. وذلك فيما يتعلق خاصة بالبيئة، مع التعامل بقدر أكبر من المسؤولية حيال معضلة التنمية. وذلك ليس على قاعدة تغير المواقف «العاطفية» وإنما لكون أن لهذه القوى نفسها مصلحة في ذلك لتجنب تفاقم مشكلات كالهجرة وغيرها.
لكن هذا لم يمنع المؤلف من القول ان العديد من الشركات البترولية العربية العاملة في القارة الإفريقية تتصرف وكأنها صاحبة الإرث الاستعماري وتتعامل مع الأفارقة على هذا الأساس. وتتم الإشارة في هذا الصدد إلى أن مجموعات من المرتزقة الغربيين حاولت في عام 2004 القيام بعملية في غينيا الاستوائية الغنية بالبترول.
ولا يتردد المؤلف في الإشارة إلى أن حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا واسبانيا كانت لديها معلومات مسبقة عن ذلك لكنها لم تحاول منعه. هكذا إذن، ورغم الاهتمام والتغير الذي شهده العالم، لا تزال العادات والممارسات القديمة قائمة، ولكنها تأخذ أحياناً أشكالاً جديدة.
ويكرّس المؤلف فصلين من الكتاب لنيجيريا، المصدّر الأكبر للبترول في القارة السوداء إلى جانب كل من انغولا وغينيا الاستوائية. ويبدأ حديثه عن نيجيريا بالتعرض لمسألة لا علاقة لها أبداً بالبترول. ذلك أنها تخص الموسيقي النيجيري الشهير «فيلا» الذي خاض نضالاً ضد الحكم العسكري في البلاد لسنوات طويلة.
ثم ينتقل المؤلف إلى الحديث عن التمرّد في الأدغال وصولاً إلى المقاطعة المعروفة باسم بيافرا، وهي منطقة غنية بالبترول مما يفسر أنها كانت مسرحاً لصراعات محلية وإقليمية ودولية، وكانت فرنسا قد تدخلّت عسكرياً فيها لأسباب تتعلق بمصادر الطاقة قبل كل شيء. وما يؤكده المؤلف هو أن منطقة بيافرا هذه تعاني من درجة عالية من التلوث، كما تقول تقارير دولية عديدة.
ومن الواضح أن مؤلف هذا الكتاب يكنّ بعض الإعجاب بالدور الذي لعبه رئيس جمهورية الغابون، وعميد الرؤساء الأفارقة اليوم. ويعود ذلك «الإعجاب» إلى احتفاظه لفترة طويلة بسر امتلاك بلاده للبترول.
وقد عرف كيف يقيم علاقات وطيدة مع رجال السياسة والأحزاب السياسية الفرنسية الرئيسية، اليمينية منها واليسارية، وعرف أيضاً كيف «يشتري» حماية القوات الفرنسية المتواجدة في المنطقة آنذاك له من أي انقلاب عسكري في الوقت الذي كانت فيه الانقلابات العسكرية ممارسة رائجة في إفريقيا.
وكذلك تحظى أنغولا البلد البترولي الإفريقي الآخر بفصلين من فصول هذا الكتاب. ويعود بداية إلى الحديث عن الحرب الأهلية التي عرفتها البلاد لسنوات طويلة. وفي هذه الحالة أيضاً يبتعد المؤلف عن الخوض في الإيديولوجيات التي كانت تحملها الأطراف المتصارعة المدعومة آنذاك من الاتحاد السوفييتي السابق أو من كوبا أو من القوى الغربية.
إنه يصف أهوال تلك الحرب الأهلية من خلال المقاومة التي قام بها صحافي محلّي في بلدة كويتو المحاصرة التي كانت أحد معاقل سافيمبي الذي ارتبطت الحرب الأهلية الأنغولية باسمه إلى حد كبير.
وعلى خلفية الحرب الأهلية يدخل المؤلف إلى «دهاليز» العمليات المالية المشبوهة التي أحاطت في الأحداث. ويعتمد المؤلف كثيراً في المعلومات التي يقدّمها على تحقيقات القاضية الفرنسية ايفا جولي التي كانت مكلّفة بملف شركة «الف اكيتين» آنذاك حول العمولات والرشاوى والصفقات البترولية المشبوهة.
وضم الفصل الآخر الخاص بأنغولا مقابلة طويلة، استمرّت ست ساعات كاملة كما يقول المؤلف الذي أجراها في موسكو، مع اركادي غيداماك، الرجل الرئيسي في العملية التي يطلقون عليها تسمية «انغولاغيت» والمطلوب من العدالة الفرنسية في إطار التحقيقات الخاصة بعالم العمليات البترولية.
ويتم التركيز في الشروحات المقدّمة على بعض المشاريع التي تبنّتها بعض الشركات البترولية العالمية في إفريقيا تحت عنوان البحث عن تحديد معايير في منظور الاستثمار «العادل» للطاقة في إفريقيا. وعلى مثل هذا الأساس قامت تجربة إكسون وموبيل في تشاد التي ثبت أنها تمتلك ثروة بترولية لا بأس بها.
وكان البنك الدولي قد أعلن دعمه لتلك التجربة من أجل خلق إطار لا سابق له في العلاقات بين الشركات البترولية والبلدان الفقيرة التي تستثمر بها. كان الهدف المعلن هو «المساهمة في تحويل الثروة البترولية إلى امتيازات مباشرة في مكافحة الفقر».
لقد خلقت تلك الفكرة بعض الآمال لدى التشاديين الذين نظروا نحو المستقبل ببعض التفاؤل. لكن الفرق كان شاسعاً بين النظرية والتطبيق، ذلك أن تشاد استمرّت في تقاضي سعر منخفض لبترولها رغم الارتفاع الكبير في سعر البرميل. وكانت الحجة التي قدمتها الشركات المعنية هي استرجاع تكلفة المنشآت التي بنتها في تشاد.
وتتم الإشارة هنا أيضاً إلى أن اكتشاف البترول واستثماره لم يجلب الرخاء والاستقرار إلى البلاد، بل على العكس ساهم في تأجيج النزاعات فيها. ذلك أن عامة التشاديين أصبحوا يتساءلون عن الكيفية التي يتعامل فيها المسؤولون مع أموال النفط ويطالبون بنفس الوقت بالمشاريع التي كانوا قد وعدوهم بها.
والسياسيون ازدادت صراعاتهم من أجل الوصول إلى أموال العائدات البترولية. وكانت النتيجة هي تدهور في نمط العلاقات التي كانت قائمة بين التشاديين، كما أشار تقرير لبرلمانيين ألمان. وتتم الإشارة سريعاً في هذا السياق إلى أن النزاع القائم في منطقة دارفور المجاورة يقوم على الخلفية نفسها.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في تحميل جزء مهم من المسؤولية فيما يتعلق بواقع الغياب الكبير للتنمية في القارة الإفريقية للشركات البترولية الدولية وللسياسات التي تنتهجها حكومات هذه الشركات وأيضاً للمؤسسات المالية الدولية وفي مقدّمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ويرى أن هذه كلها يجمعها أمر واحد هو الوصول إلى أكبر حصة ممكنة من استثمار الثروات البترولية الإفريقية وضمان إمكانية استمرار استهلاكه. في الوقت نفسه يكتفي جميع القائمين على هذه المصالح بالقول ان العقبة الوحيدة أمام التنمية في إفريقيا هي أن الأفارقة «فاسدون ومرتشون».
وهناك فكرة سائدة تقول ان البترول الإفريقي كان نقمة حقيقية على أصحابه وأنه كان من الأفضل والأجدى لهم هو أن يبقى «مدفوناً في الأرض». ويشير المؤلف إلى أن مثل هذه المقولة تأخذ الكثير من المضمون عندما نلاحظ أن بلداً إفريقياً مثل أنغولا تعادل ميزانيته من موارد الطاقة سنوياً جميع المساعدة الخارجية التي تتلقاها كل بلدان القارة «السمرا ء»، ولكن انغولا لا تزال تعرف إحدى أكبر نسب وفيّات الأطفال في العالم إلى جانب أفغانستان.
ومثال آخر يتمثّل في كون أن ثلث النيجيريين كانوا يعيشون في مستوى دون عتبة الفقر في مطلع سنوات السبعينات من القرن الماضي، أي قبل الاستثمارات البترولية. واليوم، ومع عائدات تبلغ 400 مليار دولار من البترول والغاز، يعيش ثلثا النيجيريين في مستوى دون عتبة الفقر. هذا الواقع الذي لا يحتاج إلى تعليق يتطلب الكثير من الوقت ومن الجهد من قبل المؤلف كي يفهم آلياته، كما يقول.
*الكتاب:الآبار المسمومة : السياسة القذرة للنفط الإفريقي
*الناشر:الغراف مكميلان ـ نيويورك لندن 2007
*الصفحات: 280 صفحة من القطع المتوسط
Poisoned wells : The dirty of african oil
New york london 2007
P.280
