«ليس لدى الكاتب الحقيقي ما يقول. ما يحتسب هو كيفية ما يقوله»، ذلك ما صرح به الروائي والمخرج السينمائي وكاتب السيناريو الفرنسي الشهير آلن روب غرييه مؤسس الرواية الفرنسية الحديثة والمشاغب الذي لا يستكين، والذي توفي مؤخرا في 19 فبراير عام 2008 عن عمر يناهز الخامسة والثمانين.

ولد غرييه في برست غرب فرنسا في 18 أغسطس عام 1922 ودرس هندسة الزراعة وعمل في الإحصاء حتى توجه إلى عالم الأدب. واشتهر بأسلوبه الأدبي الذي تخلى فيه عن البنية التقليدية للأدب مثل التسلسل الزمني إلى جانب سياق السرد والحبكة، وركز عوضا عن ذلك على الموضوعية والمرئية. وعمليا ما من أحداث تذكر في رواياته ولكن هناك الكثير إما من الخيال أو التأمل في الأفكار حيث يتوجب على القراء جمع شتات السرد.

وروايته «الماحون» التي نشرت عام 1953، تعتبر من أهم أعماله ومنعطفا جوهريا في تاريخ الرواية الفرنسية، وتحكي الرواية قصة جريمة ارتكبها التحري القادم للتحقيق فيها. وبعد إثارته للأوساط الأدبية بهذا العمل نشر اثني عشر كتابا خلال عشرين عاما.

أما روايته «المتلصص» التي نشرت عام 1955 التي تحكي عن بائع ساعات متجول يعود إلى جزيرة شبابه بهدف يائس، فقد قوبلت بالنقد والإشادة ونال عليها جائزة النقد وإن اختلف أعضاء لجنة التحكيم حول اعتبارها ضمن جنس الرواية.

وبعد ثلاثة أعوام نشر روايته «الغيرة» حيث يرصد غرييه زمن رجل يعيش من مصنع للموز ويشك في خيانة زوجته له، وقد وصفتها صحيفة نيويورك تايمز لعروض الكتب بأنها تحفة تقنية بصنعة متكاملة.

وبعدما ما حققه من رصيد الشهرة، بدأ بنشر مقالات عن رؤيته لفن الرواية الحديثة التي قام بجمعها لاحقا ونشرها في كتاب بعنوان «لأجل رواية حديثة» عام 1963، وفيه يتفحص وضع الرواية كفن ويكتشف كيف يمكن لهذا الفن أن يتطور أو يموت من التكرار.

ويتناول في بقية الكتاب كيفية تجديد الرواية من خلال دراسة كتاب مبدعين في هذا الإطار مثل بيكيت وسارتر. وقاده تركيزه على العالم المرئي في عام 1960، إلى كتابة السيناريوهات وإخراج الأفلام السينمائية. ودعيت بعض أفلامه (فيلم روائي).

وقد تحدى في هذه الأعمال حدود بنية السرد المتوقع ووحدة الواقعية حيث يؤكد بأن العالم العضوي هو الحقيقة الوحيد، والطريقة الوحيدة للوصول إلى الذاكرة تكون عبر موضوعية الأشياء. ومن أهم أعماله السينمائية في هذا الإطار فيلم «العام الماضي في مارينباد» الذي كتب له السيناريو والذي أعتبر من الأفلام الاستثنائية التي جمعت بين الرؤية السينمائية والأدبية.

وجدير بالذكر أنه قام بتدريس الأدب في الولايات المتحدة من عام 1971 إلى عام 1995 كما تم انتخابه عضوا في الأكاديمية الفرنسية الفخرية عام 2004، أما عمله الأخير «رواية عاطفية» فقد نشر عام 2007.

ومن أهم أعماله الروائية التي قدمها كفيلم سينمائي أيضا، روايته «الأسيرة الفاتنة» التي نشرت عام 1975 وقدمت كفيلم عام 1983، وتضم 77 لوحة للفنان رينيه ماغريت. ويذهب غرييه بمشاكسته إلى الحد الأقصى باتجاه السريالية البعيد عنها بصفته من رواد الحداثة. كما استمد عنوان روايته التي خلقت علاقة مشتركة بين اللوحة والنص من ستة أعمال فنية رسمت ما بين 1931 و1967، وجميعها بعنوان الأسيرة الفاتنة.

وقد استخدم غرييه السبعة وسبعون لوحة كمنظومة دوافع لمسار الرواية، والنص المكتوب هو تعليق يجمع بين اللوحة وإيحاءاتها في إطار سريالي. وقد جعل في روايته الصور تحكي، والنص يرى، والمراقب المتمرس يلتقط الفارق ما بين الفكاهة والممكن مع اللا ممكن، من خلال سرد يكشف الروابط التي أسسها بين السريالية وما وراء الخيال.

وما يميز لوحات الأسيرة الفاتنة (لا بيل كابتيف) هو اللا منطق أو اللاعقلانية في اللوحات، حيث أن كل لوحة من اللوحات الست تتضمن حاملا أو مسندا يحمل لوحة في داخل اللوحة نفسها، وهو إجراء مبني على منظار مضاعف يفتعل انعكاسا لا نهائي.

أما السرد النصي، فهو عبارة عن تعليقات متتالية على فن ماغريت وسرياليته باستنباط معاني من البنية الغامضة الغرائبية للوحات، وهذا الأسلوب في السرد يتطلب من القارئ أو المشاهد تصور وسماع التداخلات بين النصين.

وغرييه يحاكي الأشكال بكلماته، مع تطوير تكرار المنظومة بصورة عبثية، فعنوان لوحة يساهم في الولوج إلى مغامرة خيالية. أي أن النص المكتوب يعكس المرئي منه، مثل مشهد لا نهائي متكرر في مرآتين متعاكستين. وبنشره لتلك الرواية، لامس غرييه مع ماغريت بنية السريالية وأشعل فيها ما وراء الخيال كما ذكرنا.

وفي حين رأى بريتون أحد رواد السريالية المرأة كملكة لفرصة موضوعية مدركة الحواس، فإن أسيرة غرييه وماغريت الفاتنة هي امرأة أحلامهما الواقعية. وتبعا لهما فهي تكشف عن الرغبة وتشحذ فهمنا لما هو حقيقي وخلافه.

وفي موضوع اللوحات ترتكب جريمة قتل في حق العارضة الجميلة ولا يعرف إن كانت حية أم ميتة، مع بعض التفاصيل التي تمنح الأجواء السريالية من خلال المفارقة في تموضع الأشياء وجمعها، مثل الجمع بين آلة الخياطة والمظلة في مكان واحد.

وعليه فإن روايته بمثابة دائرة من دون حبكة أو عقدة، حلقة من التناقضات، بعيدا عن تحديد هوية الشخصيات، التي توظف لتعريف ما وراء الخيال كجنس أدبي. والرواية تبدأ بمشهد قلعة بيرينيس عام 1959، حيث رسمت صخرة في السماء، معلقة فوق البحر كأنما بجاذبية خارج الزمن. وتقول السطور الأولى، «تأتي البداية مع حجر يسقط في لجة الصمت، عاموديا وبلا حراك.

إن الأمواج المنتشرة تحت الصخرة في قلعة بيرينيس، تضم كل من إيقاعات الكتابة والحلم، مع إيقاعات لامرأة مفتوحة على أن تكون آلهة الجمال، والأم والطالبة وعروس البحر والأسيرة الفاتنة التي يتضمن فيها غموض الكينونة. وما يقدمه غرييه في نصه هو صورة ليست للواقع بل لعالم راديكالي مختلف، ليصبح فن ماغريت مرآة مزيفة لواقع، هو عبثي أيضا وصورة حقيقية للسريالية».

rmaleh75@hotmail.com