هذا كتاب بناه صاحبه على معرفة أصول علم العرب، حيث قال في مقدمته: إن لعلم العرب أصلاً وفرعاً، أما الفرع فمعرفة الأسماء والصفات كقولنا: رجل، وفرس، وطويل، وقصير، وهذا هو الذي يبدأ به عند التعلم، وأما الأصل: فالقول على موضوع اللغة وأوليتها ومنشئها، ثم على رسوم العرب في مخاطبتها، ومالها من الافتتان تحقيقاً ومجازاً.
وقد عالج «ابن فارس» في كتابه هذا موضوعات شتى من العلوم اللسانية، إلى جانب فقه اللغة، بعضها يتصل بالنحو والصرف، والبعض الآخر يتصل بالبلاغة والنقد، وقد نقل كثيراً عن المتقدمين، كثعلب «200 ـ 291 هجرية» وابن قتيبة «213 ـ 276 هجرية « وناقشهم، حيث قال: والذي جمعناه في مؤلفنا هذا مفرق في أصناف العلماء المتقدمين ـ رضي الله عنهم ـ إنا لنا فيه اختصار مبسوط، أو بسط مختصر أو شرح مشكل، أو جمع متفرق.
وكما أفاد «ابن فارس» من العلماء المتقدمين، فقد أفاد من كتابه هذا من أتى بعده، ويظهر هذا جلياً في كتاب «فقه اللغة وسر العربية» لأبي منصور الثعالبي، وفي كتاب «المزهر» للسيوطي، حيث نجد في الأخير أبواباً برمتها أو اختصاراً لبعض الأبواب.
أما صاحب الكتاب فهو «أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا» الذي ولد بقزوين «بالري» ثم رحل إلى بغداد لطلب الحديث وقد أقام بالري بقية حياته، وتوطدت علاقته «بالصاحب بن عبَاد» حتى قال فيه شيخنا أبو الحسن مم رزق حسن التصنيف وآمن فيه من التصحيف» .
وقد ظل بالري حتى وافته منيته سنة 395ه، ولابن فارس شعر ونثر، وكتب كثيرة من أهمها: الاتباع والمزاوجة ـ أصول الفقه ـ الأمالي ـ تمام الفصيح ـ جامع التأويل في تفسير القرآن الكريم الحماسة الحدثة ـ غريب إعراب القرآن ـ المحصل في النحو، وقد عدت كتبه فكانت قرابة خمسين كتاباً.
من الكتاب ومن باب القول في أفصح العرب:
أخبرني «أبو الحسن أحمد بن محمد، مولى بني هاشم بقزوين قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن عباس، قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد الله قال أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشاً أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، ذلك أن الله جلَ ثناؤه اختارهم من جميع العرب، واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجعل قريشاً قطَان حرمه، وجيران بيته الحرام وولاته،
فكانت وفود العرب من حجابها وغيرهم يفدون إلى مكَة المكَرَمة للحج ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش تعلَمهم مناسكهم وتحكم بينهم ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم وتسمَيها:أهل الله، لأنهم الصفوة من ولد إسماعيل عليه السلام، لم تشبهم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة، فضيلة من الله جلَ ثناؤه لهم وتشريفاً،
إذ جعلهم رهط نبيَ الأدنين وعترته الصالحين وكانت قريش ـ مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها ـ إذ أتتهم الوفود من العرب، تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم ، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائرهم وسلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب.
ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا كشكشة أسد ولا كسكسة ربيعة ولا الكسر الذي تسمعه من أسد وقيس مثل: تعلمون بكسر الراء وكذلك شعير بكسر الراء أيضاً.
والعنعنة: قلبهم الهمزة في بعض كلامهم عينا: سمعت عن فلان أي: أنَ فلان وهكذا يقدم ابن فارس كتابه اللغوي الجميل