في كوبا يرقد الرفيق فيدل كاسترو بثيابه الرياضية في المستشفى منتظراً أن يحل الخراب فوق رأس الإمبريالية، تلك الفكرة التي ما بارحته طيلة 49 سنة من حكم مطلق صدّرها إلى عالم ثالث يموت رعباً من الرأسمالية والاستعمار، ويفضل الفقراء ـ رغم أنفهم ـ أن يكونوا جياعا بكرامتهم على أن يكونوا أغنياء بذلهم، وبين الكرامة والذل خيط واهٍ من الوهم، وهم القومية والوطن الكبير الخالد، ثم الوهم الأيديولوجي الذي تربى عقائدياً على الخوف.

فكرة السنيور كاسترو عن الحرية حولت وطنه إلى سياج من الحرمان كما هو الحال بالنسبة لكثير من الدول ذات النظام الشمولي التي يقل فيها حليب الأطفال ويكثر الهتاف بحياة القائد، وكل من يعترض يتهم بقلة الوطنية! وقد حدث أن سيق المئات والآلاف إلى المعتقلات تحت ذريعة قلة الوطنية أو التخوين.

و فكرة الوطنية الفضفاضة قلصت فلاحي كوبا إلى ما يقرب من 20% من سكان البلد، الأمر الذي قلّص بدوره الزراعة، وأضعف موقعها في الاقتصاد، باستثناء مزارع قصب السكر، الذي يشكل أساس صناعة السكر الكوبي، ومشاتل التبغ، التي تشكل أساس صناعة السيجار الكوبي.

هل فكر قادة الثورات الطوباوية بالإنسان قبل الشروع في بناء الأوطان ولا يمكن للإنسان أن يصاغ إذا لم يكن حراً والحرية كلمة مرعبة في أوطان تتحول إلى معتقلات كبيرة. عملية بناء الإنسان تبدأ عبر تعليمه وتثقيفه بحيث يتحول معه الوطن إلى قيمة عالية مستعد للدفاع عنه بدمه وبذلك يكون الإنسان حراً يبذل روحه للدفاع عن وطن منحه الحرية.

وهل تساءل هؤلاء عن السبب الذي يدفع بشبابهم إلى الهجرة نحو الرأسمالية والارتماء في أحضان الامبريالية، هل هو الفقر أم الخوف أم السجون أم الديمقراطية أم أزمات أخرى تبدأ من البطالة ولا تنتهي عند تنحي الرفيق كاسترو الذي كان ملهما ودليلاً في المواجهة مع أميركا التي خبرها عن كثب لكنه لم يستطع مجابهتها منفردا فاستعان بحذاء نيكيتا خروتشوف ليهدد به أميركا.

اليوم كوبا بلا كاسترو ولكن من الخطأ أن يظن المرء أنها أفضل، أبداً، إنها أسوأ ألف مرة، لأن نصف قرن من الكاستروية تحتاج إلى أرقام مضاعفة لتعود جزيرة (الصالصا) إلى طبيعتها الساخنة، وحتى ذلك اليوم هناك آلاف الأميال التي على الشقيق راؤول كاسترو أن يقطعها، وبالمناسبة حتى اليوم لم يجد أحد من علماء السياسة أو الاجتماع تفسيرا لتوارث الأسر الحاكمة جمهورياتها، أشقاء وأبناء وزوجات !؟

hussain@albayan.ae