تدعو الراوية في رواية بيتر كاري الجديدة الطفل الذي يحتل مركزها «الصبي». ولكن اسم الصبي، وهو «تشي» سيلكيرك، لن يظل لغزاً على امتداد وقت طويل، وسرعان ما يعرف القارئ كيف أطلق عليه هذا الاسم. فالوقت هو عام 1972، وبتعبير آخر الستينات التي يقال إنها انتهت متأخرة عامين، وتشي الذي يبلغ السابعة من العمر ربته في نيويورك جدته فويبي سيلكيرك، وهي جدته لأمه.

وقد حرصت الجدة، وهي وارثة تنتمي إلى الساحل الشرقي، على ألا يقترب من جهاز تلفزيون حتى لا يعرف مصادفة أخباراً عن أبويه، وهما سوزان سيلكيرك وديفيد روبو، اللذين كانا من قادة الحركة الطلابية في جامعة هارفارد وهربا من ملاحقة مكتب التحقيقات الاتحادي لهما في ضوء أنشطتهما المتطرفة.

ولم يكن من المفترض أن يعرف الصبي شيئاً عن هذا كله، لكن جاراً مراهقاً يحدثه بجلية الأمر، فيعلق الآمال على مجيء أبويه ذات يوم لاصطحابه والمضي به بعيداً. عندما يوشك تشي أن يبلغ عامه الثامن تخرج امرأة تضع خلخالين حول كاحليها من المصعد إلى الشقة التي يقيم بها في الشارع الثاني والستين بنيويورك. وهو يحسبها أمه، وتمضي معه وجدته إلى متجر بلومنغديل، لكنه ينطلق معها هاربين في مترو الأنفاق بالمدينة، لتبدأ تجارب لم يكن الصغير يحلم بأن يعيشها يوماً.

وتقول المرأة التي تطلق على نفسها اسم «ديال» إن لديها مفاجأة رائعة ستقدمها له، وهو يحسب أنه بسبيله إلى لقاء أبيه، ولكنهما بعد سلسلة مذهلة من الرحلات المتسارعة يلقيان عصا الترحال في كوينزلاند باستراليا.

عند هذا المنعطف من الرواية، والذي نصادفه في صفحة 23 منها، يقطع كاري الاستمرارية ليعود في الزمن ويروي القصة، ولكن هذه المرة من منظور ديال، متخلياً عن الصيغة التي يتحدث بها الصبي في الرواية.

سرعان ما نكتشف أن ديال ليست أمه، وإنما هي جليسته السابقة، وهي طالبة من ساوث بوسطن، واسمها الحقيقي أنا كزينوس، ولأسباب غامضة وافقت على اصطحاب الصبي من شقة جدته إلى «الدار الأمنة» التي تقيم فيها أمه.

ولكن قبل أن يتم اللقاء تنسف الأم نفسها خلال إعداد قنبلة محلية الصنع، وسرعان ما يتصدر الصبي وديال نشرات الأخبار، فتبادر إلى النزول تحت الأرض، حيث تجمعات العناصر المتطرفة، وقبل أن تمعن التفكير في ما يتعين عليها القيام به تجد نفسها مع الصبي في استراليا، حيث يختفي العون الذي وعدت به.

من جديد يعود بنا كاري إلى وجهة نظر الصبي للأحداث، ومع اكتساب السرد للمزيد من الغموض، نجد أنفسنا في رحلة سريعة مع عناصر متطرفة وفي طريق تغمره مياه الفيضان ليلاً وفي مقطورة قلبتها عاصفة استوائية رأساً على عقب، فلا يملك القارئ إلا التساؤل عن أمور عدة.

لماذا لم تعد ديال تشي إلى أبيه أو جدته؟ لماذا توافق على تقديم المساعدة في الأمر كله بينما هي تعرف جيداً أن سوزان سيلكيرك لا تجيد ترتيب فراش، دع جانباً قيادة حركة سياسية؟ وفي المقام الأول لماذا سمحت امرأة متألقة الذكاء لنفسها بأن يتم إرسالها إلى استراليا مع صبي لا تكاد تعرف عنه شيئاً ومع ألوف عدة من الدولارات المسروقة ؟

مع دفع الحبكة بالشخصيات نحو كومونة في أدغال كوينزلاند الاستوائية، يعلق القارئ الآمال على أن المزيد من الارتجاعات في الزمن سوف يوضح كل هذه الجوانب الغامضة. قبل وقت طويل من شروع ديال وتشي في الاستقرار في كوخهما البدائي في أدغال كوينزلاند، يتحول اهتمام كاري من متابعة الأحداث التي قادتهما إلى هذا المكان.

وعلى الرغم من أنه يتصدى لمعظم الأسئلة التي كان قد تركها معلقة، إلا أنه لا يبدو مهتماً إلى حد كبير بالإجابة عنها. ومن ثم فإن القارئ يشرع في الاعتقاد بأن اهتمام كاري الرئيسي منصب على وصف هذا المعقل الهيبي الواقع في قلب الأدغال والطبيعة الاسترالية التي تحيط به.

هكذا تأخذ الرواية عند هذا المنعطف طابعاً يعكس الشرود والتشتت، وتصبح الانتقالات في الزمان والمنظور أقل تنظيماً، ومع بدء ديال وتشي في الوصول إلى نوع من التفاعل القلق مع جيرانهما في الكومونة وعلى رأسهم شخصية أبوية تتمثل في تريغور ومجموعة من ساكني الكومونة، فإن قدراً ليس باليسير من الطاقة يتسرب من سرد كاري للرواية.

يبدو هذا أكثر إثارة لإحباط القارئ من خلال سلاسل من سوء الفهم التي تدور حول أطراف الحبكة وساحة الأحداث بصفة عامة. فديال التي لا تعرف أن الاستراليين يحاربون في فيتنام تعامل ببرود من قبل الشخصيات المحلية المهتمة بالثقافة المضادة، وهي بدورها لا تتأثر كثيراً بمشاعر آل سيكيرك المتعلقة بجدارتهم بالزعامة.

وعلى الرغم من الإشادة التي حظيت بها الرواية من جانب الكثير من النقاد والقراء على السواء إلا أن المرء لا يمكن إلا أن يساوره الشك بأنها لم ترتفع إلى مستوى الوعد المتمثل في استهلالها الدرامي.

ومن المؤكد أن كاري يبدع شخصيات مكتوبة بعناية، ويبذل جهداً كبيراً في التماهي مع الصيغة التي تروي كل شخصية منها الأحداث عبرها، إلا أن المرء إذا قارن هذه الرواية برائعة كاري الشهيرة التي كرستها السينما والجوائز العالمية «التاريخ الصحيح لعصابة آل كيلي» فإنه لن يملك إلا التحفظ على إيقاع الرواية الجديدة التي تتسم بعض مقاطعها بالكآبة.

ولا يتردد الناقد كريستوفر تايلر في مقال مطول له في صحيفة «الغارديان» اللندنية في القول إن بيتر كاري كاتب من العيار الثقيل، وعلى الرغم من أن روايته هذه ليست كارثة كاملة بأي معيار، إلا أنه يصعب عدم تصورها وهي تصنف تحت فئة «الروايات التي تترك تأثيراً معاكساً».

وفي الإطار نفسه تقول راشيل توك في مقال عن الرواية في صحيفة «الاوبزرفر» إن لا شفافيتها التي تشبه أدغال كوينز هي بمثابة فضيلة ومصدر إحباط في آن. أياً كان الأمر، فإن رواية كاري الجديدة تظل عملاً جديراً بالقراءة، ربما لقدرتها في المقام الأول على أن تثير قدراً كبيراً من الاهتمام، وأن تفجر ردود فعل تجمع بين الإشادة الكبيرة والانتقاد الصارم.

صبي في الثامنة

«لم تكن هناك صور في الدار لوالد الصبي، فقد كان شخصاً غير مرحب به منذ عيد الميلاد عام 1964، أي قبل ستة أشهر من ولادة الصبي. وكانت هناك صور كثيرة لأمه. ها هي تبدو بشعر أسود قصير، وقد تألق بياض عينيها وسط السمرة المكتسبة من التعرض للشمس. وتلك صورة لها أيضاً بشعر أسود لا تشبه فيها صورتها بالشعر الأشقر، وذلك على الرغم من أن الصورتين تظهران ذكاء حاداً.

كانت ممثلة، شأن جدتها، في ما قيل. وكان بمقدورها أن تغير هيئتها لتبدو في أي شكل تريد. ولم يكن لدى الصبي ما يدعوه إلى عدم تصديق ذلك، حيث إنه لم يرها منذ كان في الثانية من عمرها. كانت ابنة ضالة، قديسة نالها العطب، مثل الأيقونة التي جلبها الجد معه لدى عودته من أثينا، فضية متألقة.

تضوع برائحة المسك، وذلك على الرغم من أن أحداً لم يبلغ الصبي بما كانت عليه رائحة أمه. ثم عندما كان الصبي في الثامنة من عمره تقريباً، خرجت امرأة من المصعد إلى الشقة الواقعة في الشارع الثاني والستين وتعرف عليها في التو. ولم يكن أحد قد حدثه بتوقع حدوث ذلك».

*الكتاب:ذاته غير الشرعية

*الناشر: الفريد نوف - نيويورك 2005

*الصفحات:271 صفحة من القطع المتوسط

His illegal self

Alfred Knopf- N.Y 2008

P. 271