أجرى موقع «بورزوي ريدر» الإلكتروني المتخصص في عروض الكتب هذه المقابلة مع الكاتب الأسترالي بيتر كاري، الذي أقام طويلاً في الولايات المتحدة، وذلك بمناسبة صدور روايته الجديدة «ذاته غير الشرعية» مؤخراً عن دار الفريد نوف النيويوركية.
حيث دار الحوار بكامله حول هذه الرواية على وجه الحصر، انطلاقاً من الخطوة الأولى التي قادت خطاه إليها، وهي الرغبة في إعادة ابتكار مكان سحري، وامتداداً إلى الصيغة التي وضع فيها مقاطع مطولة من الرواية على لسان صبي في الثامنة من عمره وصعوبات التوصل إلى هذه الصيغة، وصولاً إلى أجواء الحياة السياسية الراديكالية في الستينات والسبعينات التي تشكل جوهر نسيج الرواية، وانتهاء بتجربته في تدريس الكتابة الإبداعية وتأثيرها على عمله الروائي.
وفي ما يلي نص الحوار:
* تقع أحداث رواية «ذاته غير الشرعية» في أوائل السبعينات وسط الحياة السياسية والبنى الاجتماعية المتطرفة لذلك العصر. ما الذي اجتذبك للكتابة عن هذه الفترة؟
ـ لديَّ ذكريات محببة إلى نفسي كثيراً عن الإقامة في ما يمكنك أن تسميه كومونة «هيبية» في كوينزلاند الاستوائية باستراليا منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً. وقد كان هذا مكاناً راديكالياً، على الرغم من أنه ليس كذلك، بالمعنى الذي يشير إلى السؤال.
وقد اجتذبت إلى هناك مجدداً لأنني أردت أن أسكن ذلك المجال، تلك الغابة المطيرة، ذلك الهواء الرطب الجميل. وبالطبع فإن الشخصيتين الرئيسيتين في روايتي ـ وهما تشي وديال ـ من نيويورك وبوسطن، وهما لن يحبا ذلك المكان على الإطلاق. ولكن تلك وجهة نظرهما، وليست وجهة نظري. وبالنسبة لي فإن الأمر كان متعلقاً برغبة في إعادة ابتكار مكان سحري. وهكذا فإن تلك هي الخطوة الأولى نحو «ذاته غير الشرعية».
* هل أضاءت تجارب معينة خضت غمارها هذا الكتاب؟
ـ نعم ولا، فقد عثرت على قصتي من خلال القلق على أمور حدثت منذ وقت طويل، لكنها ليست موجودة في الكتاب على الإطلاق. وقد كان هناك شاب من تكساس جاء للإقامة في الكومونة، ولم تكن لديه فكرة على الإطلاق عن المكان الذي يوجد فيه، ولابد أن هذا المكان بدا له كأنه نهاية الأرض، وقد اكتشفنا في وقت لاحق أنه كان يأمل في أن الأمر كذلك، حيث كان هارباً من اتهامات وجهت إليه في قضية مخدرات.
ولكن ما لم يفهمه هو أنه جاء إلى كوينزلاند الريفية، حيث كنّا نعاني في ظل حكومة اشتهرت بالفساد وقوة شرطة بالغة السوء. وكان هذا المكان هو آخر مكان يمكن للمرء الاختباء فيه. وحدثت غارة شرطة مفزعة للإمساك به، الأمر الذي لم يؤد إلا إلى مفاقمة شعورنا بالارتياب.
واعتقدنا أن هواتفنا مراقبة. وقد كانت تلك عناصر أساسية مستمدة من الحياة، فهناك أميركي لا يعرف في أي مكان هو، وغارة تقوم بها الشرطة، وشعور حاد بالارتياب، ومحاولة لدفع قطعة نقد ذات عشرين سنتاً في جهاز هاتف لإجراء مكالمة دولية. ولكنني لم أرغب في الكتابة عن مهرب مخدرات، فهذه قصة مختلفة تماماً.
* ما الذي شكل منطق الرواية؟
ـ بدأت بتصور لأميركيين هاربين، هذه الأم الهيبية ديال (على نحو ما تصورتها) وهذا الصبي الصغير تشي، وهما يمضيان في أحد طرق كوينزلاند. وهناك عاصفة مخيفة مقبلة. وكل الطرق تأتي ماضية في عكس سيرهما، وقد أنارت أضواءها في الظهيرة. ولم تكن لدى هذين الساعيين وراء رحلة مجانية بالسيارة أدنى فكرة عن المكان الذي يقفان فيه.
* ماذا عن طبيعة العلاقة بين ديال وتشي؟
ـ إنها علاقة أكثر تعقيداً مما اعتقدت في أول الأمر، بل إنني في البداية لم أكن واثقاً مم يهربان وكيف وقعا في الورطة التي يواجهانها. لم أكن أعرف ذلك على وجه الدقة.
* في الرواية يسأل تشي ديال: «لماذا يعد أمراً سيئاً أن يكون المرء أميركياً، يا ديال؟». وباعتبارك استرالياً كان يقيم ي استراليا في تلك الفترة ما هي المشاعر التي كانت سائدة آنذاك حيال الأميركيين؟ وهل هناك وجه شبه بين تلك المرحلة والوقت الحالي؟
ـ إن أبسط إجابة هي أن المرحلتين متشابهتان، فقد كانت استراليا قد بعثت آنذاك بجنودها إلى فيتنام، كما أن لها جنوداً الآن في العراق، حيث كنا دولة تابعة وكانت لدينا عادة كولونيالية تتمثل في خوض غمار حروب الآخرين. حيث تم تجنيد الشباب الاسترالي لخوض الحرب في فيتنام.
وكانت هناك حركة هائلة مناهضة للحرب، وفي ملبورن وحدها تظاهر 70 ألف شخص ضد الحرب. وهكذا كان في صفوف غالبية السكان كره هائل للقوة الامبريالية الأميركية، ولكن هذا كله تم تعقيده من خلال إعجابنا وحبنا ليس للحركة الأميركية المناهضة للحرب وحدها، وإنما لكل أولئك الفنانين العظام الذين شكلوا مقاومة ثقافية أوسع نطاقاً.
* يحمل تشي معه أوراقاً حيثما ذهب. لماذا؟
ـ بعض الفتية الذين يعيشون حياة عادية وآمنة ـ وتشي ليس واحداً منهم ـ يشبهون طيور العقعق، في ما يتعلق بتمسكها لما ينتمي لها. وتشي يحتاج إلى أوراقه على نحو يفوق معظمنا، فالأشياء التي يحملها معه هي رموز لمن يحبهم، لأبويه اللذين فقدهما، لمحات من السعادة لن يتخلى عنها.
* كيف توصلت إلى الصيغة التي ينطق بها صبي في السابعة من عمره من بارك أفنيو؟
ـ لست أريد المبالغة في الحديث عن هذا الأمر، ولكن هذه الصيغ تنصاع لي عن طواعية. وهي ليست ناتجة عن الملاحظة أو الدراسة، ولكنها ـ شأن شخصية هيو في رواية «السرقة على سبيل المثال» ـ تأتي من مكان يمكن للمرء وصفه بأنه مكان سحري. ولكننا جميعاً كنا كذلك أطفالاً، ولذا فليس من الصعب على أيٍّ منا أن يرى العالم من وجهة النظر تلك.
* ذكرت مجلة «كيركوس» ما يلي في معرض التعليق على روايتك: «ليس هذا هو العمل الروائي الأول الذي يستكشف عالم ما تحت الأرض المتطرف في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، ولكنه قد يكون العمل الأفضل». لماذا تعتقد أن الكثير من القراء يشعرون بأنك وضعت يدك على جوهر ذلك العصر وتلك الحركة بينما هناك مناقشة محدودة للسياسات الفعلية والآراء المتطرفة لذلك العصر؟
ـ إن ما نسميه «العصر» هو الماء الذي يسبح فيه المجتمع، الهواء السياسي الذي يتنفسه. إنه ليس طراز السيارات أو الموسيقى أو الأزياء. وإنما الأرض التي نقف عليها، الصفائح التكتونية الهائلة للتغير التاريخي.
وإذا قمت بعملي على الوجه الصحيح، وجعلت شخصياتي تعيش حقاً في السبعينات فإن القيم، الصراعات، الأفكار، الحركات المتطرفة سيتم احتواؤها في جزئيات تنفس هذه الشخصيات ذاتها. والقراء يقولون إنني وضعت يدي على جوهر العصر والحركة. إن كتابة رواية هو أمر حافل بالمخاطرة ومجنون إلى حد ما. وإنه لأمر يدعو للشعور بالسرور أن يعتقد المرء أنه ربما كلل بالنجاح.
* إنك تتولى الآن مسؤولية إدارة برنامج تعليم الكتابة الإبداعية في هانتر كوليج. كيف أثر قيامك بالتعليم وإسداء النصح إلى الطلاب في كتابتك أو في منهاج تعاملك مع الكتابة إن كان قد أثر فيها على الإطلاق؟
ـ إنني أعمل مع جميع الطلاب عن كثب شديد. فأنا أسكن في قصصهم ورواياتهم على مستوى السطر والجملة والعبارة. وأنا أقوم بهذا لا لكي أجعلهم يكتبون مثلي، وإنما لكي يصبحوا أنفسهم بأقصى قدر من الفعالية والكفاءة. ويتعين عليَّ أن أكون على وجه التقريب جزءاً من مجرى دمهم.
وفي غمار القيام بهذا، في غمار التحول إلى ذواتهم، وكذلك في غمار وضع كل جملة وكل كلمة موضع التساؤل، وفي غمار البحث معهم عما هو زائف وغير أصيل وكتب كثيراً أو ما هو ليس في موضعه، في غمار هذا كله جعلت نفسي كاتباً أفضل. وحذف كلمة واحدة من جملة يجعل هذه الجملة أفضل.
وإزالة غصن ميت قد يكشف عن أكثر الجواهر تألقاً. وأنا أستهدف عملاً يختلف عن أي شيء آخر، حيث كل شيء جديد، وما من شيء زائد عن الحاجة إليه. والأمر ذاته بالنسبة لهم، والشيء عينه بالنسبة لي.
محطات في مسيرة كاري
* ولد الروائي الاسترالي بيتر كاري في باكوس مارش، وتلقى تعليمه في مدرسة جيلونج، وفي عام 1961 درس الكيمياء في جامعة موناش عاماً وحداً من دون أن يتوج بالنجاح، واشتغل بإحدى وكالات الإعلان، حيث بدأ يهتم بالأدب قراءة وكتابة وهو في التاسعة عشرة من عمره، وعلى امتداد الأعوام الثلاثة عشر التالية عكف على كتابة الروايات ليلاً وفي عطلات الأسبوع إلى جانب اشتغاله بوكالات الإعلان في ملبورن ولندن وسيدني.
وبعد رفض نشر أربع روايات له نشرت مجموعته القصصية «الرجل البدين في التاريخ» عام 1974 التي تحولت إلى نجاح كاسح بين عشية وضحاها، وسرعان ما توالت أعماله الناجحة، وأبرزها «قداسة» (1981) و«أوسكار ولوسيندا» (1988) و«التاريخ الصحيح لعصابة آل كيلي» ( 2000). ومؤخراً «ذاته غير الشرعية».
* يعتبر بيتر كاري وجي. إم كويتزي الروائيين الوحيدين اللذين فازا بجائزة بوكر مرتين، حيث فاز بها كاري عن روايتيه «أوسكار ولوسيندا» و«التاريخ الصحيح لعصابة آل كيلي». وقد فاز أيضاً بجائزة الكومنولث عن روايته «جاك ماجز» في 1998. وكتب العديد من سيناريوهات الأفلام ومن بينها فيلم فيم فندرز «حتى نهاية العالم» وفيلم «قداسة» المقتبس عن روايته وفيلم «أوسكار ولوسيندا» المقتبس عن روايته الشهيرة كذلك.
* يعمل كاري حالياً بتدريس الكتابة الإبداعية في هانتر كوليج التي شغل منصب مدير برنامج الكتابة الإبداعية بها منذ عام 1993.
منى مدكور
