مؤلف هذا الكتاب هو الراحل سمير قصير، الكاتب والصحافي اللبناني، الفلسطيني الأصل الذي اغتيل في بيروت في الثاني من شهر يونيو من العام 2005. وكان يعمل في جريدة «النهار» البيروتية، كتب فيها افتتاحيات ومقالات عديدة، واهتم بالتأريخ للحرب الأهلية اللبنانية. صدر له عدة كتب باللغة العربية واللغة الفرنسية، منها: «عسكر على مين؟ لبنان الجمهورية المفقودة، 2004»، و«ديمقراطية سوريا واستقلال لبنان، 2004»، و«تأملات في شقاء العرب، 2005».
ويبدو أن الغياب المأساوي لمؤلف الكتاب، وهو في ريعان شبابه وعطائه الفكري، قد أضفى على هذا الكتاب طابع الوصية، التي تسترجع ذاكرة الحرب وأحداثها عبر تناول نقدي وعلمي، أملاً في عدم تكرارها، وتكرار فواجعها ومآسيها، خصوصاً في هذه المرحلة التي يشهد فيها لبنان أزمة سياسية كبرى، بلغت درجة تنذر بما هو خطير على السلم الأهلي والتعايش اللبناني، إذ بالرغم من محاولات تطويق الأمور ومنعها من دخول مرحلة الصدام الدموي و«حرب الجميع ضد الجميع».
فإن لا أحد يستطيع معرفة مآل الأمور إذا استمرت التعقيدات الأساسية في التفاقم والحفر في عمق النسيج اللبناني، الاجتماعي، فضلاً عن السياسي والمذهبي. وكان يأمل سمير قصير أن يرى كتابه النور في نسخته العربية وهو على قيد الحياة، لكن القدر أودى بحياته، وبقي الكتاب للقارئ، كي يتمعن في محتوياته، ويطلع على هذا النوع من الكتابة العلمية النقدية، التي تكتب الحدث كما هو، ولا تزيف الواقع، ولا تغرق كذلك في جلد الذات، إنما ترصد الواقع كما هو، وترتقي به من أجل مستقبل أفضل.
ويسترجع سمير قصير وقائع الحرب اللبنانية التي بدأت في عام 1975 واستمرت حتى عام 1982، وانتهت بعد التوصل إلى اتفاق الطائف، محاولاً الخوض في الأسباب السياسية والاجتماعية التي تسببت في الحرب، ومحللاً حيثيات النزاع الأهلي والتدخلات الإقليمية التي أطالت أمد الحرب، وذلك استناداً إلى العديد من الوثائق والمواقف والمراجع حول الحدث ومضامينه، معتمداً على أسلوب منهجي يعيد تشكيل صورة الأحداث بأدوات جديدة بحثية، يتداخل فيها السياسي مع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
ويمكن لقارئ الكتاب أن يأخذ فكرة وافية عن كيفية دخول لبنان طاحونة الحرب، والأشخاص والقوى التي برزت خلالها، ولماذا استمرت طويلاً؟ وهل هي فعلاً حرب الآخرين على أرض لبنان، أي هل كانت لبنان ساحة حرب؟ والأهم من ذلك كله كيف استطاع الإنسان اللبناني التعايش مع العنف والدمار الذي ألمّ بالبلد؟
ربما تعود بداية النزاع اللبناني إلى 1969، لكن سمير قصير يرى أنه خلال الفترة التي تفصل بين هذا التاريخ والاندلاع الفعلي للأحداث عام 1975 عاش فيها لبنان حالة سلام على الرغم من عمليات التصعيد الإسرائيلية، لذلك يرفض إرجاع بداية الأزمة إلى مايو 1973 الذي شهد نزول فرقة كوماندوز إسرائيلية في بيروت اغتالت ثلاثة من القادة الفلسطينيين، وعليه فإن آليات الدخول في حرب لبنان لم تتحرك إلا لأن الإطار الذي تندرج فيه قد شكّلته عواقب أزمة 1973.
ويتطلع المؤلف إلى أفق متوسط الفترة، كي يكوّن فكرة شاملة عن الحرب في لبنان، وتحديد ما يتيح في حركتها وسيرورتها، التحدث عنها باعتبارها وحدة. ويتقاطع هذا الطموح العملي مع هاجس على الصعيد المجتمعي، يقضي بالحفاظ على الذاكرة، لأن الأمور تنحو بصورة طبيعية إلى النسيان بعد انتهاء الحرب.
يعود المؤلف إلى معاينة مراحل تطور الكيان اللبناني، حيث وجد الاعتقاد بهشاشة لبنان مرتكزه الأساسي في تجزؤ المجتمع اللبناني، المؤلف من تكوينات أو مجموعات متلاحمة إلى حد كبير هي الطوائف الدينية.
حيث يفصل بها كثير من المعتقدات والأفكار التي يحرض عليها التنافس في النظام اللبناني، وانبثقت من هذا التجزؤ مشاكل بنيوية خطرة أرخت بثقلها على وحدة البلاد، وبقيت بلا حلول ناجعة على الرغم من التقدم الملحوظ. وقد احتدم النقاش عقوداً حول شرعية كيان الدولة الجديدة التي أعلنها الجنرال الفرنسي غورو في الأول من سبتمبر 1920.
غير أن هذا الكيان أرسى الطائفية السياسية، حيث انعكست على مشكلة بنيوية خطيرة جداً، هي المحسوبية التي استفاد منها عدد من كبرى العائلات. وزاد القانون الانتخابي، الذي تمسك به لبنان المستقل، من نفوذ الوجهاء لدى كل طائفة، وقضى هذا النظام الذي يميل إلى تمثيل الطوائف والدوائر، بتوزيع اللوائح الانتخابية والانتخاب الفردي.
الأمر الذي ينجم عنه تشظ كبير للمجلس النيابي، وشبه استحالة للأحزاب الحديثة غير الطائفية في الوصول إلى البرلمان. ومن خلال هذه الشرعية التي يضفيها عليها القانون الانتخابي، فإن التحزب يمتد إلى كافة مستويات الدولة، ويشجع بالمقابل التلاعب بمقدرات الدولة .
وبالرغم من ذلك كله، حقق لبنا نجاحاً اقتصادياً قبل عام 1975، حيث بلغت مساهمة الصناعة 12 ـ 13 في المئة من الناتج القومي في ستينات القرن العشرين، وبلغت 20 إلى 25% في 1974. واستفاد لبنان من الثورة النفطية الأولى ومن إغلاق قناة السويس منذ العام 1967، وارتفعت العائدات السياحية في 1968 و1974 أربع مرات حتى باتت تشكل 10% من الناتج القومي الخام.
وفي الفترة بين 1960 و1973 شهد لبنان ميلاً لزيادة حجم فئات متوسطي الدخل وحجم فئات مرتفعي الدخل. أما في الفترة بين 1950 و1970 فإن نسبة التقدم بلغت 44% في جنوب لبنان و40% في شمال لبنان، و6,15% في البقاع.
وتؤكد المؤشرات أن الهوة بين الطوائف قد تقلصت، لكن التطور بوجه عام كان غير مدروس، فعاش لبنان ابتداء من أواخر الستينات فترة غليان سياسي كبير، تجسد في الطابع السياسي الذي وظف في الصراعات الاجتماعية.
وشهد لبنان في ستينات وسبعينات القرن العشرين المنصرم، انطلاق قوى اليسار وأحزابه، لكن ذلك لم يفضي إلى طمس الانقسامات الطائفية، بل سيعقدها كما سيتضح في مستهل الحرب. ولم يرد اليسار اشتعال الأحداث، بل أنه في أحداث صيدا دافع كمال جنبلاط عن موقف الجيش اللبناني، واقترح بأن ترسل الأحزاب التقدمية وفداً إلى صيدا لتجنب التصعيد.
غير أن المؤلف يتحدث عن الفوضى التي تسببت بها بعض مجموعات اليسار المنحرف، وعملاء مفترضون لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وعن ازدواجية الالتزام والدور الذي اضطلع به الوجود الفلسطيني المسلح من إطلاق زخم الاحتجاج المتعدد الأشكال، بكسر استئثار السلطة بالعنف في قرى الجنوب أولاً.
ثم في ضواحي العاصمة بيروت، مستخلصاً بأن النهج الذي مارسته جهاراً منظمة التحرير الفلسطينية في إدارة الأحداث السياسية اللبنانية، على الرغم من ثقلها الميداني، والعناصر المحرّكة للأزمة كانت تكمن في الدرجة الأولى في التناقضات الداخلية ومعها لا يمكن بالتأكيد إلغاء العنصر الفلسطيني بشكل متناسق على جانبي المتاريس.
ومع اندلاع الحرب دخلت سوريا رسمياً إلى لبنان وسط ردود فعل تفاوتت بين الترحيب الحار والعداء، فأيد قادة الفريق المسيحي التدخل، حيث كان ترحيب سليمان فرنجية والجميل حاراً، بينما أعرب شمعون عن بعض التحفظات، ورحب به أيضاً الزعيمان الشيعيان المتنافسان كامل الأسعد والإمام موسى الصدر.
وتجنب كرامي اتخاذ موقف، فيما كان موقف صائب سلام قريباً أقل حدة من موقف ريمون إده الذي ندد بـ «الاجتياح السوري» ودعا إلى المقاومة. وأضفى أول مرسوم تصدره الحكومة في رئاسة الياس سركيس 1977 الصفة الشرعية على الأمر الواقع الناجم عن وجود القوات السورية في لبنان.
وتحول لبنان إلى ساحة حرب الشرق الأوسط، والبحث عن تسوية شاملة مع جولات سايروس فانس المكوكية ومقترحات جيمس بيكر واتفاقيات كامب ديفيد والتمثيل الفلسطيني في مؤتمر جنيف، والغاية هي إعادة صوغ المفهوم الأميركي في الشرق الأوسط.
ويرى المؤلف أن الوضع اللبناني خلال الحرب، كان يتغدى من عنف متفشٍ، ينفجر من كل مكان في الشوارع المكتظة والأزقة وعلى الطرق، ومن داخل الأحياء والقرى، والعنف في الصراعات السياسية والصراعات الإيديولوجية وسلاح الاغتيال السياسي، ومن تدهور العلاقات بين الجيش والميليشيات، وأعمال إجرامية.
أبرزها سرقة السيارات وممارسة ابتزاز التجار، وانعدام السيطرة على سلوك المنظمات الفلسطينية، والأخطر من ذلك مواجهات الشارع في مختلف المناطق، والمواجهات في التنظيمات الفلسطينية نفسها. وأدى ذلك إلى أزمة مستعصية، أو أزمة غير قابلة للانضباط مع تشعب الانقسام الوطني وأزمات حكومية، والهجوم على الدولة.
والنتيجة هي تفتت مستمر في مجمل الفترة الممتدة من 1977 إلى 1982 مع كثير من التنويعات داخل المشهد الواحد في لعبة غير متعادلة النتائج. استطاع المؤلف أن يقدم كتاباً شديد التنويعات داخل المشهد الواحد مع الالتزام بالسلوكيات البحثية، ومن دون انحياز أو مجاملة عاطفية، فكانت كتابته وافية وملمة بأبعاد الحرب المختلفة والمعادلات الإقليمية المعقدة والتشابك بين الداخلي والإقليمي والدولي والعامل الإسرائيلي. وقدم شهادة على فظاعة جريمة الحرب.
*الكتاب:حرب لبنان ـ من الشقاق الوطني إلى النزاع الإقليمي (1975-1982)
*الناشر: دار النهار ـ بيروت 2008
*الصفحات: 524 صفحة من القطع الكبير
عمر كوش
