يعتبر الموقع الجيواستراتيجي المهم الذي تحتله البحرين، وما يمثله من أهمية كبيرة على مستوى الأمن القومي العربي، من العناصر المؤثرة التي دفعت الباحث البحريني الدكتور صبري الحمدي لكتابة هذا العمل. المؤلف من المهتمين بتاريخ منطقة الخليج العربي، وله العديد من الدراسات والأبحاث في هذا الصدد، منها: صفحات من تاريخ الخليج العربي الحديث، والكويت نشوؤها وتطورها، وأميركا والعراق في مناقشات مجلس النواب العراقي، والسياسة الاقتصادية البرتغالية في الخليج العربي.

يناقش الكتاب في عشرة فصول ومساحة زمنية تبلغ الأربعة قرون أطماع الإمبراطوريات الكبرى في البحرين مثل: الإمبراطورية البرتغالية، والعثمانية، والفارسية، وحتى السيطرة البريطانية على البحرين في بداية القرن العشرين. مع بدايات القرن السادس عشر توافدت القوى الأوروبية على منطقة الخليج لأسباب سياسية واقتصادية ودينية، وكان البرتغاليون في مقدمة تلك القوى التي استطاعت احتلال هرمز عام 1507، وجاء اكتشافهم للبحرين عام 1514، والتي دخلوها بعد تدمير المنامة عام 1521، مما أحدث ثورات عربية في هرمز ومسقط وقلهات والبحرين رداً على سياسة العنف والتنكيل التي اتبعها البرتغاليون.

وقد كان لتلك الثورات علاوة على ضعف القوة البرتغالية وصراعهم المستمر مع العثمانيين في البحر الأحمر والمحيط الهندي، بل وانضمامهم تحت التاج الإسباني عام 1580، دور كبير في خروجهم من البحرين عام 1602. ومع توجه السلطان العثماني سليم الأول ومن بعده السلطان سليمان القانوني نحو المشرق العربي لمجابهة الدولة الصفوية في فارس، ومن ناحية أخرى لإضعاف النفوذ البرتغالي بالمنطقة.

كما كانت الرغبة العثمانية مدفوعة بهدف السيطرة على طرق التجارة المهمة مثل طريق الحرير الذي يمتد من تبريز إلى أرضروم وطوقان وبورصة، وطريق التوابل الممتد من البصرة إلى بغداد وحلب. ومع انسحاب البرتغاليين من مسقط آخر معاقلهم في الخليج عام 1650.

وجدت بعض القوى العربية نفسها أمام ظرف تاريخي يسمح لهم بالقيام ببعض التشكيلات السياسية التي تطورت مع الزمن لتفرض السيادة البحرية، ومنهم آل خليفة بالبحرين الذين عاشوا حياة الترحال منذ سقوط البحرين ومغادرتهم نجد في نهاية القرن السابع عشر، ثم انتقالهم إلى الكويت ثم قطر.

وقد تميزوا بقدرة كبيرة على إدارة عمليات النقل البحري في موانئ المنطقة. وقد حال وجود آل مذكور المتحالفين مع الفرس في سدة الحكم بالبحرين دون نزول آل خليفة بها، فظلوا في ترحالهم على السواحل الشرقية والغربية للخليج مع إخوانهم من العتوب وحتى وصولهم إلى الزبارة التي شكلت قاعدة الانطلاق نحو تحرير البحرين من الاحتلال الأجنبي عام 1783.

على الجانب الآخر عانت البحرين من القوى الإقليمية والعربية والفارسية، حيث توجه السعوديون نحو مشيخات الساحل العربي والبحرين حتى العقود الأولى من القرن التاسع عشر. كما كان لحكام عمان التوجه نفسه باعتبارهم الدولة البحرية العربية الأقوى بالمنطقة.

وحاولت الدولة العثمانية من خلال ولاية البصرة إعادة السيطرة على البحرين من خلال حملة الإحساء عام 1871. هذا علاوة على الادعاءات الفارسية المتكررة في البحرين وحتى استقلال الإمارة في 14 مارس عام 1971.

أما فيما يتعلق بسياسة بريطانيا التي اتبعتها حكومة بومباي في التعامل مع البحرين، فمن المعلوم تاريخياً أن سفن شركة الهند الشرقية الانجليزية كانت سباقة في إرساء علاقات تجارية منذ وقت مبكر، وتجسد ذلك في وصول سفنها مع بدايات القرن السابع عشر إلى موانئ الخليج العربي، مع عقد العزم على إقامة علاقات تجارية مع سكان تلك المناطق.

وعلى الجانب الآخر خاض الانجليز صراعاً مريراً مع القوى الأخرى المنافسة لهم في المنطقة مثل: الهولنديين والفرنسيين والبرتغاليين الذين نافسوهم في التجارة، متحالفين مع الفرس في بعض الأحيان للتخلص منهم باعتبارهم العدو المشترك. وحدث ذلك حين حقق التحالف انتصاراً على البرتغاليين في هرمز عام 1622.

كما أن السلطات البريطانية لم يهدأ لها بال على إثر النجاح الذي حققه الهولنديون بإقامة وكالات تجارية لهم بالبحرين وغيرها من المدن العربية في القرن السابع عشر وحتى منتصف ستينات القرن الثامن عشر، وراحت تقاوم الوجود الهولندي بالمنطقة، غير أن العامل الحاسم في خروج الهولنديين جاء على يد «عرب بندريق» الذين نجحوا في طردهم من «جزيرة خرج» بقيادة زعيمهم مير مهنا عام 1766.

وهكذا تهيأت الظروف المحلية والدولية المناسبة لترسيخ الوجود البريطاني سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في إمارات الساحل العربي ومنها البحرين مع بدايات القرن التاسع عشر بعد انحسار نفوذ القوى الكبرى المناوئة. ونشطت السلطات البريطانية في العمل على استثمار أية فرصة تتاح لهم بغرض تعزيز وجودهم بالمنطقة.

فقد وجدت بريطانيا في الحملة المصرية التي أرسلها والي مصر محمد علي باشا إلى الجزيرة العربية عام 1818 بقيادة نجله إبراهيم باشا، ونجاحها في القضاء على التمرد السعودي في الدرعية وإلقاء القبض على الأمير عبدالله بن سعود وإرساله أسيراً إلى القاهرة، وبالتالي القضاء على الدولة السعودية الأولى، خير فرصة لضرب القواسم الذين هددوا مصالحهم في الصميم.

حيث كان سقوط الدولة السعودية الحليف الأكبر للقواسم دافعاً للقوات البريطانية على مهاجمة مدن وحصون القواسم واحتلال رأس الخيمة عام 1819. مما سهل مهمتها ببسط نفوذها على باقي مشيخات الساحل العماني، والتي تعاظمت بعد توقيعها لمعاهدة 1820 مع الشيوخ العرب والتي تقضي بعدم حرية أي من حكام تلك المشيخات بالتصرف بالبيع أو بمنح حقوق الامتياز البرية أو البحرية على أراضيه أو سواحله إلا بعد الرجوع إلى الحكومة البريطانية.

كما لجأت حكومة بومباي البريطانية لممارسة شتى أنواع الضغوط على هؤلاء الزعماء ومنهم شيوخ البحرين لدفعهم إلى الانضمام إلى معاهدات جديدة في الأعوام اللاحقة وبحجة الحفاظ على الأمن والتجارة في الخليج.

وقد توجت بريطانيا مجهوداتها السياسية والعسكرية للحيلولة دون وصول أي قوة أخرى للمنطقة، في إفشالها للتقدم المصري نحو البحرين والذي تصاعد خلال عامي 1838، 1839 بتوقيع الاتفاقية المصرية ـ البحرينية بين الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة وخورشيد باشا قائد القوات المصرية، وذلك رغبة من حاكم البحرين في تأمين إمارته من المطامع العمانية والفارسية في البحرين.

*الكتاب: أضواء على تاريخ البحرين الحديث

*الناشر: دار الحكمة ـ لندن 2007

*الصفحات: 244 صفحة من القطع الكبير

محمد جمعة