مؤلف هذا الكتاب هو الباحث السوري «شمس الدين الكيلاني» الذي قدم للمكتبة العربية العديد من المؤلفات، أشهرها: الأمام محمد عبده، دمشق 2001 ـ الطريق إلى القدس، أبوظبي 2002 ـ مفاهيم حقوق الإنسان والدولة عند المسلمين، دمشق 2003 ـ المثقف العربي والديمقراطية، دمشق 2003 ـ سورية بين عهدين، عمان 2003 ـ صورة أوروبا عند العرب، دمشق 2004.

في هذا الكتاب «صورة الشرق الأقصى والعالم في حكايات ألف ليلة وليلة البحرية» يتحدث عن سحر ألف ليلة وليلة وكيف أخذت تسيطر على عقولهم، بما نسجته عن عوالم الشرق الخلابة، بكل تنوعها وزخرفتها وغناها. وخاصة مجرى حوادثها في الشرق الأقصى، سواء أكان لبرّه (الصين والهند) أم لبحاره ومحيطاته المترامية الأطراف التي تناثرت عليها مئات الجزر في غوامض عوالمها المتلاطمة الأمواج، وهذا ما نجد مصدره التخيلي في سجلات الثقافة العربية ومدوناتها عن هذا العالم. اشتملت (الليالي) على موضوعات شتى، منها الحكايات التاريخية، وتلك التي تعنى بشخوص فعليين والحكايات الرومانسية التي توزعت بين حكايا الخوارق والتي مزجت الواقعي بالخيالي، واشتملت أيضاً على حكايات الأشقياء والشطار التي مارست تأثيرها على الأدب الرومانسي، وهناك قصص الحب الجارف، وقصص المغامرات البحرية، وهي التي تهمنا هنا.

ولعل تلك القصص البحرية قد تأثرت إلى حدّ كبير بالرحلات البحرية العربية، كرحلات سليمان التاجر والرحلات التي سجلها بزرك بن شهريار في «عجائب الهند» عن بحار الشرق الأقصى وجزرها، وبمؤلفات الجغرافيين العرب، أمثال ابن حوقل والاصطخري والغرناطي والإدريسي وابن الفقيه، وأيضاً مصنفات الكوزمغرافيين، كابن الوردي والقزويني والدمشقي.

لقد اهتم الجغرافيون والرحالة العرب بموضوعات البحر بقصد المعرفة، أو لبسط تصورهم عن تلك البحار وجزرها وعوالمها، وبما تمتلئ به من حيوان ونبات وعجائب وغرائب، دون زخرف فني قصصي، فانتقلت تلك التصورات إلى حكايا «ألف ليلة وليلة».

في الليالي، نعثر على العديد من الحكايات، التي يدخل البحر أو شطآنه، في داخلها، إلا أنها ترتقي إلى مستوى قصص البحر النموذجية، والمثال على هذا النوع من القصص، هو قصة «بنت الملك السمندل»، إذ تجري أغلب حوادثها في قاع البحر، لكن البحر يظل هامشياً في حياة أبطالها، وحكاية «بلوقيا» المتفرعة عن حكاية «حاسب كريم الدين»، فيمكن اعتبارها من نصوص الليالي التي تدور معظم حوادثها في البحر.

كما أن في الليالي حكايتين طويلتين للغاية، أولاهما «حكاية قمر الزمان ابن الملك شهرمان»، والأخرى «حكاية سيف الملوك بن عاصم»، ملك مصر. يدور قسم من حوادثهما في بلاد الصين وبلاد الهند، والحكايتان يلعب فيهما البحر دوراً مهماً، غير أنه لا يصل إلى حدّ تقرير مصير أبطالهما.

كذلك نجد في حكاية «عجيب بن خصيب»، أثراً كبيراً للبحر وشطآنه وجزره، وكيف عرّض نفسه «عجيب» لمخالب الرخ، وواجه التأثير السحري لجبل المغناطيس، وسحر الفارس النحاسي. وحكاية «حسن البصري»، بطلها شاب بصري، بدأ مغامراته مع البحار وغرائبها وعجائبها وأهوالها وأفراحها وصراعاتها وهو في ريعان شبابه، حيث ساقته الحوادث الخارجية إلى تلك المغامرات سوقاً، ثم انخرط في خضمها حتى واجه مخاطرها إلى النهاية.

تقترب حكاية «حسن البصري» من نموذج القصة البحرية المتكاملة، فأغلب حوادثها تجري في صراع مع البحار والمحيطات والجزر المتناثرة حتى تخوم العالم. لقد اقتبس الراوي بعض صورها من المتخيل الجغرافي العربي ولاسيما صورة جزر الواق واق وصورة جزيرة النساء وجزيرة الكافور، وعلى الرغم ممّا انطوت عليه هذه الرحلة من المغامرة والمخاطر ومن صراع مرير من تهديدات البحار والجبال.

وأيضاً مع السحر وخداع المجوسي ومجابهة تدخلات الجن وممالك النساء والعوالم الغامضة في عمق المحيط، فإن إصرار حسن وتمسكه بحبه لزوجته جعلاه يتغلب على الصعاب، إذ لعب الحبّ في الحكاية دوراً محورياً وحافزاً هائلاً لتطور الأحداث، وشكل قوة ديناميكية مركزية في تطور الحبكة القصصية.

وكان لا بدّ للراوي من خرق الاعتيادي، وامتطاء صهوة العجائبي والخارق، القائم على مرجعيات عقائدية عديدة، (الاعتماد على الأدعية، واستحضار الجن والكرامات والمنامات والإشراقات) لاختراق المسافة وطي الزمن، فعقب توغل «حسن» إلى مجاهيل عالم البحار، وتجاوزه سبعة بحور للوصول إلى جزيرة النساء، ليصل إلى زوجته وولديه، كان لا بد للراوي من أن يبيح لبطله أن يستعين بالجن والعفاريت والأدوات السحرية، كي ينجو بعائلته.

غير أن تلك العجائب والحوادث التي تبدو (ما فوق الطبيعة)، يتدخل في صفها كائنات خارقة أعطت للحكاية نكهة خاصة، فيها التشويق وفيها الرعب، قبل أن تذهب الأحداث بتشابكاتها إلى فوز البطل ونجاته.

في حكاية «عبدالله البري وعبدالله البحري» قصة بحرية نموذجية، طغى البحر على كل أجوائها وعلى مسرح أحداثها، منذ أن ألقى عبدالله البري شباكه إلى أن خرج من زيارة صديقه في أعماق البحر وانتهاءً بوقوفه على الشاطئ يناديه عله يصل الود القديم.

وعلى الرغم من التسليم العميق بقضاء الله وقدره، فهناك روح أخرى تحرك أشخاص الحكاية، وهي الإصرار والمثابرة والصبر في العمل، وتفوق الإنسان وقدراته، وهو ما تجلى في علاقة عبدالله البري بالكائنات البحرية، فهي تبتعد عنه وتخشاه، إنها صورة عن إيمان عميق بالتوافق بين نشاط الإنسان وعمله والمقادير التي يسوقها الخالق لمصيره.

لقد استطاع مؤلف حكاية «السندباد البحري» أن يحبك حوادثها ويرسم شخوصها بطريقة مفعمة بالحيوية والحياة، حيث تتدافع أحداثها وتتشابك باسترسال آخاذ، يأخذ بألباب القارئ والسامع مستخدماً هذا الاسترسال والإسهاب القصصيين وسيلة لشد انتباه القارئ وأيضاً لشد انتباه الملك شهريار ولضمان السيطرة عليه.

إن طول الحكاية هو الذي يضمن لشهرزاد الحياة، وأن ما ساعده على هذا الجذب والتشويق، هو امتطاء الراوي صهوة العجيب والخارق، فأضافت هذه التقنية حافزاً لسماع دلالة الحكايات والتفسيرات المرتبطة بها، كالعفريت آكل البشر والأفاعي العملاقة والأسماك الشبيهة بالبقر.

فضلاً عن ذلك فقد ضمّن الراوي حكايته بصورة أخاذة عن المكان بأشكاله العادية والغرائبية: فمن صور البحر وأمواجه المتلاطمة وصراع المركب معها، إلى الجبال وصراع البطل على مسرح ذلك المكان بكل غرائبيته وواقعيته، وإلى جانب ذلك، فإن بطل الحكاية، مثله في ذلك مثل كل أبطال حكايات «الليالي» يسرد حكايات رحلاته السبع بضمير المتكلم، ممّا يضفي على الحكاية نوعاً من الصدقية، فهو يتحدث لنا عن تصوّر ذاتي، يعيشه بكل جوارحه.

لم يقف نجاح الراوي على قوّة السرد والعرض والإيحاء بالجو البحري وصحبة البحار والسفن وصراع السندباد مع الأنواء والجزر وحيوانات البحار، والتذكير بمصيره ومغامراته المتعددة، بل تعدى ذلك إلى تقديم شخصية بطل مغامر طامح نموذجي، لم يرضخ لعثرات الشباب.

بل إن المحنة قادته إلى التمرد والطموح الذي لا حدود له في ركوب البحار، تحدوه رغبة التعرف على العالم، وعندما خاض المغامرات المتتابعة لم يكن دافعه الوحيد البحث عن الثروة وإعادة الإبحار والمخاطرة فحسب، بل أيضاً التعرف على العالم، وروح المغامرة ذاتها.

والقصة تبدأ سهلة، بسيطة، ثم تتشابك الأحداث والأجواء، والمشكلات تمسك ببعضها بعضاً، حتى نجد السندباد وقد صار رجلاً ناضجاً يخط الشيب فوديه، لقد سيطرت على حكاية السندباد الصبوات الدنيوية، حتى ليكاد أن يكون رجلاً من رجالات عصر النهضة الأوروبية، وعصور الاكتشافات الكبرى.

*الكتاب: صورة الشرق الأقصى والعالم في حكايات «ألف ليلة وليلة» البحرية

*الناشر: اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2007

*الصفحات: 102 صفحة من القطع المتوسط

فيصل خرتش