الكاتب الحلبي غريغوار منصور مرشو، باحث ومدرس في جامعات حلب وهو مجاز في الفلسفة والأدب الفرنسي، ويحمل دكتوراه دولة من باريس وهو عضو هيئة مجلات شرقية الباريسية، وله مقدمة في الاستتباع ـ الشرق مجودا بغيره لا بذاته، من المثاقفة إلى الفصام الحضاري، العدوى في تشكيل الفكر العربي الحديث والمعاصر، نحن والآخر.
لم يعهد الفكر العربي المعاصر قراءة نقدية للحداثة العربية وفكر النهضة القومي، بهذه الحدة والهجاء، من مفكر عربي مسيحي! يعمل الباحث غريغوار مرشو في كتابه هذا، على تحليل خطاب النهضة العربية ويتهمه بالاقتداء بالتغريب التركي العلماني الذي لجأ إلى التحديث العسكري والديني لحرق المراحل واللحاق بالأمم الحديثة.
أدت هذه النهضة القاصرة والمستلبة إلى نتائج مشؤومة وإلى ظهور مقاومات عربية «سلفية» تطالب بالرجوع إلى الأصل للحفاظ على الأمة. ويرى أن انكباب النخب العربية على إنتاج مفاهيم حداثة متكيفة مع الغرب لا مع الواقع العربي انتهى بهم إلى تبرير النظم الاستبدادية والتهليل للاشتراكية أو العلمانية.
أو الليبرالية وتسويغ الإجراءات الفوقية بنظريات مستوردة أقالت العقل وفاقمت عمليات تكيف المجتمعات مع الأنماط الاستهلاكية الوافدة، وعزو كل المشاكل إلى الامبريالية وتبخيس الثقافة العربية القومية وكان أقسى هذه الإجراءات استبعاد السلطة الروحية لحساب «العلمانية الملحدة».
بدأت الدولة الحديثة «المستتبعة» في مصر مع محمد علي الألباني الذي قضى على المماليك وتأسى بأوروبا فقلد أسوأ ما فيها: وهو تكوين جيش حديث وغزو الجيران (سوريا، السودان) وكان الغزو يقتضي جباية الضرائب والقوانين الفوقية الاعتباطية (فرض زراعات معينة)..نتائج «التحديث» كانت قاسية طبعا: الدكتاتورية، تحويل الملل إلى أقليات (في خدمة الغرب)، الفشل الاقتصادي بسبب نزيف العملة المعدنية وتأخر الإنتاج الحرفي بسبب الانقلاب المفاجئ في الإنتاج الزراعي.
بدأت النخبة الثقافية بإضفاء الشرعية على النظام القائم مع رفاعة الطهطاوي «إمام النهضة المستتبعة» الذي أوفده محمد علي إلى باريس ليعود بوصفة «الخلاص» (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) ولحقت به كوكبة من «النهضويين» مثل طه حسين وقاسم أمين وخير الدين التونسي الذين برروا الاستعارة عن الآخر الغربي كنموذج جاهز واعتبروه مرآة.
وتجلت رغبتهم في الحداثة الأوروبية بتبخيس الإسلام وانتقاد نصوص القرآن باسم «كونية» الثقافة اليونانية والتبشير بعصر الأنوار (وفكر جان جاك روسو على وجه الخصوص) فظهرت كتب كثيرة مثل رواية «غابة الحق» لفرنسيس مراش التي وضعت الشرق والغرب في ثنائية تضادية.
ولم يكن هاجس هؤلاء النهضويين التثقيف وخلق فضاء عربي إسلامي حداثي وإنما تخسيسه واحتقاره من خلال اللجوء إلى الأدب ما قبل الإسلامي من أجل تأويله ليتناسب مع المدلولات الغربية. كما تم تقديس الترجمة (لطفي السيد) .
والتأكيد على «العلمانية الجهادية» من قبل نخبة حداثية مثل سلامة موسى ورزق الله حسون وجرجي زيدان والأخوان ناصيف وإبراهيم اليازجي وأحمد فارس الشدياق تشطب فكرة الدين المتعالي بل تذهب إلى انه أصل عدم اللامساواة والتخلف وأن القرآن يقف عقبة إمام التقدم كما قال شبلي شميل.
هامت النخبة المذكورة بدور العلم فجذبت نظريات الوضعية والتطورية والفرويدية مفكرين مثل فرح انطون ومحمد كرد علي وطه حسين وإسماعيل مظهر (مترجم أصل الأنواع) وسلامة موسى الذي دفع المنظور الوضعي التغريبي إلى حده الأقصى بمزج الاشتراكية الفابية مع التطويرية الانجليزية مع التفكير النيتشوي.. ولم يكن هدفهم رسم الخط بين المعرفة الوضعية والمجال المقدس إنما إعلان الحرب ضد الثقافات الشرقية الغارقة في الخرافة».
وأدت هذه «الديانة» النخبوية إلى شرعنة التوسع الاستعماري لإنقاذ سكان الشرق من استبدادهم! وإلى تصنيف العالم تصنيفا مانويا أقسى من تصنيف كبلنغ الشهير بكثير: شرق متخلف وغرب متقدم!! وخرجت هذه النخبة بنظريات اقتصادية «إنقاذية» تزدري الإنتاج الزراعي وتثمن الصناعة، والى تهويمات فلسفية خلطت بين سمك داروين ولبن فرويد وتمر هندي ماركس!
لم ينج الفكر الإصلاحي الإسلامي من لعبة المرايا التغريبية هذه، وستسبب التحديثات القسرية حركات إسلامية مضادة مثل الوهابية وحركة عبد القادر الجزائري وحركة عمر مكرم ضد الحملة الفرنسية في مصر والسنوسية ضد ايطاليا.
ومن جهة أخرى، خضعت الخطابات الإصلاحية الإسلامية الرافضة(الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا) للاستسلام للخطاب المسيطر، لقواعد لعبة الخطاب الحداثي! فانفتحت على بعض القيم الغربية فزعمت أن الإصلاح البروتستانتي هو صدى للإسلام؟ وان في أوروبا إسلاما بدون مسلمين وفي بلاد الإسلام مسلمين ؟؟
يلاحظ مرشو أن الأفغاني، رائد الإصلاحية الإسلامية، وهو بصدد الدفاع عن الإسلام سقط في تبخيس الدين المسيحي بل إلى تمييز نفسه من المسلمين الآخرين الذين لا يعرفون الإسلام سوى بالاسم فأخرج بذلك الإسلام من سياقه الاجتماعي والتاريخي ولجأ إلى المعادلة التبسيطية : المسيحيون أقوياء لأنهم ليسوا مسيحيين حقيقيين والمسلمون ضعفاء لأنهم ليسوا بمسلمين حقيقيين.
ثم ستتضح هذه النظرة عند تلميذه محمد عبده (جيروندي المسلمين ومدشن الطريق لعلمانية إسلامية) الذي نحا منحى أكثر تنظيما ونضالية. ولم يعن في كتاباته بالظاهرة الاستعمارية وحصر الأمر بالمبشرين وهاجم الكاثوليكية (الخارجة) عن المسيحية الأصلية وانحاز للبروتستانتية .
بل تغنى بالتسامح السياسي الانجليزي مع الإسلام! وجاءت مواقف عبده «العلموية» الدفاعية تبريرية لا إبداعية، ومسوغة للنقل الميكانيكي عن الغرب وكان يهجس بالبحث عن مدلولات علمانية في الإسلام نظيرة للنظرية الغربية.
سياسيا عارض عبده الاستفتاء العام الذي نادى به الأفغاني بذريعة الجهل (وهي حجة الأصوليين الدائمة في وجه الشعب لإضفاء شرعية على الاستبداد)، وسينشأ عن الأفغاني تياران، واحد سيدفع بمنطق محمد عبده إلى أقصاه بالقطيعة مع الإسلام (لطفي السيد) وتيار ثان يبدل أبوة الانجليز بأبوة أميركا والانتهاء بمعانقة التيار الأصولي المتطرف(رشيد رضا).
أفضى الفصام الفكري النهضوي (بتياراته القومية والإسلامية والماركسية) إلى «متاهة الوعي» لعدم بحثهم في العوامل الاجتماعية التاريخية الاقتصادية السياسية الضرورية لميلاد الأمة، فاقتصر بحثهم على مادية نجاحها وكلية حضورها وقوتها في الخارج.
ولجأوا إلى وصفات إيديولوجية مستوفدة من كل حدب وصب من اجل إعادة خلق هويات تتناسب مع الدول المصطنعة تحت الاحتلال وستولد عنها مجموعة عرقيات متصارعة ستقود أجيالا من المثقفين إلى اللغو الفكري العقيم.
ومع نشوء الدولة العربية الحديثة المصطنعة تم القضاء على أشكال التضامن القديم لصالح الدولة التسلطية، وتدمير مفهوم الجماعة الإسلامية، وستصير الدولة هي منبع الوعي الوطني الوضعي والعدالة؟ وسيصير الشعب وتخلفه هو المسؤول عن كل المصائب والمعرقل لمسيرة الحضارة.
وهكذا أمست الدولة ( المولودة قيصريا والراضعة في حاضنة أوروبية) سيدة الاستقلال، وأضحت غارقة في التبعية ومسببة للهجرة والتفقير والاستعباد وستسبب بتلاوين من الهياجات الشعبية والعرقية والدينية ما نزال نقطف «ثمارها» المرة؟!
*الكتاب:الفصام في الفكر العربي المعاصر
*الناشر: دار الفكر ـ دمشق 2008
*الصفحات: 350 صفحة من القطع الكبير
أحمد عمر
