مروان البرغوثي هو موضوع وعنوان الكتاب الصادر أخيراً للكاتبة سهام ذهني، والمؤلفة سهام ذهني قاصة وكاتبة صحافية من مواليد 1956 تكتب في عدد من الصحف المصرية مثل الأهرام والعربي الناصري والأهرام العربي وغيرها، صدر لها عدة كتب منها (بالنشوى قلبي ارتوى) و(الزواج السري).
وتتناول فيه الكاتبة حياة المناضل الفلسطيني عارضة للجوانب الإنسانية لشخصيته عبر حوارات معه قبل حبسه ومع زوجته وأبنائه وبعض المناضلين الفلسطينيين، متسائلة في البداية:
هل هي قصة حب رومانسية أضفى البعاد والقضبان والاشتياق عليها طعماً ونكهة مفتقدين وسط ركام الماديات.. أم هي حدوتة لا يمكن لمثل أحداثها أن تلهث خطواتها سوى على أرض فلسطين؟ هل هي قصة بطولة في زمن تشتاق فيه الجماهير إلى «بطل» وقيم ومثاليات وثبات ورجولة أم هي سجل لمرحلة فاصلة في تاريخ القضية الفلسطينية؟
مؤكدة أنها لم تصنف ما كتبته في هذا الكتاب، هذا على مستوى الحدوتة التي سردتها، أما من ناحيتها هي فقالت: لا أستطيع أن أحدد بالضبط الحالة التي كنت أكتب عبرها، هل كنت كطفل رأى صورة جذبته، وهي صورة على طريقة لعبة الـ «بازل» التي تتطلب وضع كل قطعة من قطعها المفتتة في مكانها الصحيح لإعادة إظهار الصورة، ثم ما أن بدأت في جمع «فتافيت» الصورة تمهيداً لوضع كل «فتفوتة» إلى جوار الأخرى حتى اكتشفت أن القطع ليست فقط مفتتة وفي حاجة إلى إعادة ترتيب، إنما هي أيضاً متناثرة ولا بد من العثور على ما تبعثر من أجزائها بين مصادر متباعدة..
أم كنت كروائية قضيت جزءاً من عمري أتمنى القيام بتأليف رواية حول بطل توقظ قصته حنين الجماهير إلى البطولة ثم إذا بي أجد في حكاية مروان حدوتة أروع من الخيال، فأخذت أروى وارتوى.. أم كنت أقوم بجمع مادة هذا الكتاب وصياغتها بروح أسطورية مصرية مستوحاة من دأب ايزيس في حرصها على جمع أجزاء أوزوريس المتناثرة كي يظل رمز قصته حياً مثلما جاء في الأسطورة الفرعونية القديمة.
وتضيف الكاتبة: أياً كان ما كنته عند جمع المادة فقد أخذت ملامح القصة تكتمل عبر مقابلات وقراءات واتصالات تلفونية وقص ولزق واستيقاظ مبكر وسهر لليالي، وكلمة من هنا وحكاية من هناك كدأب النمل في القيام بنقل «فتفوتة» تتبعها «فتفوتة» فتصبح «الفتافيت» زاداً لليالي البرد الطويلة. إنما كان يحول بيني وبين الاكتفاء أن القصة التي أكتبها ما زالت ساخنة بل كلما بدا أنها قد بردت اتضح أن جذوتها تخبو فقط ثم ما يعقب ذلك ليس سوى لهب من جديد..
ولما امتد بي الوقت، إذا بالكتابة بعد فترة تنضب. أحايل القلم، أرجوه، استسمحه. بينما القلم في حالة احتجاج. جرى لي هذا عبر الفترة التي شهد خلالها المجتمع المصري حراكاً سياسياً ملحوظاً أعقبه احتقان سياسي بائن مع ما تمخض عنه الحراك السياسي من تراجع في التوقعات المأمولة.
وصار الشارع المصري فائراً، وبات قلمي شيمته الصمت وما لنداءاتي نهي عليه ولا أمر.. نعم، وامتدت الحالة المصرية الهادرة واستطالت وتشعبت، وإذا بي مشحونة برغبة في الكتابة حول الداخل المصري في الوقت الذي وجداني ممتلئ بالحدوتة التي كنت قد بدأتها حول البطل الفلسطيني بكل ما في حكايته من أبعاد.
وتواصل الكاتبة سرد قصتها مع هذا الكتاب قائلة: مع استمرار راية العصيان على قلمي دعتني صديقتي «سهام سعد حويدق» كي أستكمل كتابة حدوتة مروان بعيداً عن ضجيج القاهرة في الجناح الخاص بها داخل قرية «علاء الدين» بمدينة الغردقة على شاطئ البحر الأحمر.
وتضيف: لقد أوحى الشعب الفلسطيني إلينا بالكثير عبر نضاله. أطفاله علمونا، استشهاديوه واستشهادياته حركونا، سجناؤه بإضراباتهم الباسلة عن الطعام ألهمونا.
مجرد دقة أقدام بنات مركز «لاجئ» حين جئن من مدينة «بيت لحم» في عز توهج الانتفاضة وعرضن بدار الأوبرا المصرية أغنياتهن الشعبية عبر رقصة الدبكة التراثية، فإن دقات أقدامهن قد ذكرتنا كيف يمكن أن يكون الفن سلاحاً، ابتساماتهن ومحاولاتهن الحصول على قدر من البهجة رسم لنا أن حتى القدرة على الأمل وتجاوز الألم سلاح.
وترى الكاتبة أنه بالأمل ومعه العمل لن يظل مروان والشرفاء الأسرى قابعين في زنازين الاحتلال. في اللد وفي الرملة، وفي المسكوبية بالقدس حيث تدق أجراس الكنائس ويجلجل الأذان، حيث التين والزيتون وأحمال السنين.
حيث مروان والقسام وذكرى الرنتيسي والشيخ ياسين، حيث الإيمان والمجاهدون وحيث الذين ألهموا الشعوب العربية أن لا قيد يستطيع قمع الحرية. وأن إسرائيل وغيرها تملك أن تعتقل الشرفاء، إنما يولد غيرهم، تحجب الأجساد عن الشمس، لكن الأفكار لا يمكن حجبها بل يومياً يزداد أعداد المؤمنين بها، ولا يمكن أن توجد زنازين تسع لكل الأعداد التي في ازدياد.
وتؤكد أن مروان البرغوثي بيديه المرفوعتين عبر الأغلال كأنها تجديد لمقولة تعلمناها صغاراً في كتب التاريخ بالمدارس بأن من أقوال الزعيم المصري التاريخي مصطفى كامل هو «لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس ».
وهذا جانب من سرد الكاتبة: شهد ذلك الجيل من الفلسطينيين الذين نشأوا في ظل الاحتلال قصص حب عديدة نمت عبر القضبان فأضفت الأسلاك الشائكة عليها رومانسية، كما أضافت القضية الوطنية إليها مخاطر أدت إلى أن يصبح طعم الحلاوة في الحب معجوناً بالشجن، وأن يصبح للنقاء الذي يميزه ملامح مخلوطة برنين الأنين.
فقصة فدوى مع مروان بدأت عند اعتقال السلطات الإسرائيلية له من بيته في قرية «كوبر» التابعة لرام الله حيث كانت فدوى تقيم بالقرب من ذلك البيت وكان عمرها وقتها أربعة عشر عاماً، ولأنها تنتمي لعائلة البرغوثي فقد قررت الذهاب لزيارته في المعتقل.
ثم تكررت زياراتها له طوال مدة الاعتقال التي امتدت ست سنوات. تعلق خلالها كل منهما بالآخر. كانت فدوى تقطع مسافات طويلة إلى أن تصل إليه في معتقل النقب لمجرد أن تتحدث معه لمدة ربع الساعة عبر الأسلاك. مع ذلك فقد كانت تلك المدة القصيرة كافية لأن توقد بداخله إشراقات تجعل من ليالي الزنزانة الطويلة أهون وتجعله يتعامل مع السجن باعتباره ليس نهاية لأي شيء، حيث الحياة فيه مستمرة.
فهو ابتلاء وعلى الإنسان أن ينجح في الابتلاءات ليصبح بعدها أقوى، مثلما سبق أن كان الاحتياج المادي خلال مرحلة من حياته ابتلاء تقبله وروضه فخرج منه شديد الصلابة، وهو الأمر نفسه الذي فعله مع السجن حيث روضه وجعله بفضل الله مرحلة مثمرة جداً في عمره.
فبالإضافة إلى أن القضبان لم تحل بينه والثقافة والدراسة والتقدم لامتحان الثانوية العامة والنجاح فيه، فإن القضبان أيضاً لم تمنعه من أن يحب، ليس هذا فقط، بل إنه لم ينتظر الخروج من السجن كي يطلب الفتاه التي أحبها من أهلها، إنما طلب من أسرته أن تتمم قراءة الفاتحة وهو مازال بداخل السجن.
وقبل إتمام الزفاف عقب خروجه من السجن دار بينه وفدوى حوار لا تنساه، ربما أراد بذلك الحوار أن يطمئن إلى درجة التحمل عند فدوى، فقد قال لها: «أنا أعرف أن كلاً منا يريد الآخر، كما أعرف وطنيتك وإيمانك بضرورة المشاركة في قضية التحرير، لكنني نذرت نفسي للوطن».
وأضاف: «سأكون زوجاً محباً ومخلصاً إن شاء الله، لكن سيظل هم الوطن على ظهري، من الوارد أن يتكرر اعتقالي، ومن الوارد أيضاً أن استشهد، فهل ستتحملين كل هذا».
ردت فدوى: «وهل فلسطين لك وحدك، إن فلسطين لي أنا أيضاً». وكانت هذه الجملة هي صيغة موافقتها على الزواج كما روتها لي فدوى بصوت مشحون بذكريات المعاناة الطويلة التي لم تتوقف طوال سنوات الحب والزواج والإبعاد والاعتقال. حاولت أن أهدئ من انفعالها الشديد فسألتها وأنا أضحك قائلة: «هل هذه الخطب الحماسية هي فقط الكلمات التي يتم بها التعبير عن الحب بينكما» ثم أضفت:
«ألا يقول لك أحياناً (شايفة القمر يا فدوى)»، ضحكت بخجل امرأة عربية معتادة على عدم الإفصاح عما بداخلها أمام الآخرين، وتغير صوتها فصارت له نبرة من يستعيد لحظات كانت سعيدة قائلة: «نعم يوجد بيننا أيضاً هذا النوع من الكلمات فهو لا يقصر تجاه الزوجة، فصحيح أنه يحب الوطن، لكن عواطفه تجاه الزوجة والأبناء أيضاً عواطف كبيرة» ثم أضافت بلهجة من تذكر أمراً شديد الأهمية قائلة: «هو أيضاً رجل حنون جداً» .
ومن خلال لهجتها شعرت أن مصدر قوة هذه المرأة التي وصفها الكثيرون عند ظهورها على الفضائيات عقب القبض على مروان بأنها امرأة قوية ومتماسكة، شعرت أن مصدر هذه القوة التي ظهرت بها هو الحب، وان التماسك الذي تبدو عليه يخفي وراءه لهفة على من تحب وحنينا بلا حدود. لكنها حريصة في الوقت ذاته على الالتزام بالوعد الذي أخذه عليها قبل الزواج، والذي أثبتت طوال رحلتها معه أنها وفية به..
فلقد تدربت على الغياب وعلى مداراة اللهفة وعلى تجاهل الانتظار.. وهل يمكن أن تنسى تلك الليالي الطويلة عندما اعتقلوه بعد زفافهما بفترة قصيرة بينما هي حامل لأول مرة، فكان أهم ما حرص مروان على أن يوصيها به في ذلك الوقت هو إطلاق اسم «القسام» على المولود لو جاء ذكراً وذلك تيمنا بالشهيد «عز الدين القسام» في ثورة 1936.
ولا يفوت فدوى أن تروي لي أن مروان كان مضرباً عن الطعام هو وبقية المعتقلين في سجن النقب عندما وصلته بشارة وضع أول ابن له، لذلك لم يتمكن من توزيع «الشربات» على زملائه فرحة بالمولود، ولما لم يكن المتوفر لديه سوى الملح فقد أخذ يرشه بين المعتقلين.
وإذا كانت سيرة «القسام» الابن الأول لمروان قد استدعت هذه الذكريات فإن سيرة بقية الأبناء قد استدعت أمراً جديراً بالتسجيل وهو أن مروان لم يحدث أن رأى أي طفل من أطفاله الأربعة في يوم الولادة، والسبب: إسرائيل.. فإذا كان «القسام» قد جاء إلى الدنيا بينما والده مروان في سجن «النقب»، فإن الطفلة الثانية لمروان قد جاءت إلى الدنيا وهو مطارد في الجبال فأسموها «ربى».
فقد كان مروان خلال تلك الفترة عام 1986 مطلوباً من قبل السلطات الإسرائيلية مما جعله يهرب ويختفي بين الجبال. بعد عودة مروان من الجبال تم اعتقاله عدة مرات، فمع انتخابه رئيساً لاتحاد الطلاب بجامعة «بير زيت» صار دور الجامعة في الحركة الطلابية مؤرقاً لإسرائيل بشدة.
وكالمعتاد تم اعتقاله فساهمت السلطات الإسرائيلية دون أن تدري في رفع شعبية مروان البرغوثي بين الجماهير، فبعد ذلك تجدد انتخابه لرئاسة اتحاد الطلاب لعدة دورات متتالية، فاقتنعت إسرائيل أن الاعتقال لا يكفي وأصدرت سلطات الاحتلال قراراً بإبعاده خارج الوطن وإسقاط هويته..
فسافر إلى الأردن ومعه زوجته وطفلاه ورزقه الله بطفلين آخرين خلال سنوات الإبعاد، إلا أنه لم ير أياً منهما في يوم ميلاده، فقد كان على الزوجة أن تسافر إلى رام الله كي تضع المولود هناك من أجل الحصول على الهوية للأبناء.. فوضعت «شرف» عام 1989 وعادت به إلى مروان في الأردن بعد 22 يوماً.
ومن بعده سافرت كي تضع «عرب» وعادت به إلى مروان بعد 18 يوماً من ولادته. وتذكر السيدة فدوى أن المخابرات الإسرائيلية قد طلبتها للتحقيق قبل خروجها من رام الله ومعها صغيرها «عرب» وحين سألها المحقق عن سبب مجيئها للولادة هنا للمرة الثانية، ردت بأنهم قد أخذوا من مروان هوية فجاءت هي له بأربعة هويات لأربعة أبناء. فهي تعلم أن أحد الأمور التي يكرهها الصهاينة بشدة هي زيادة عدد المواليد بين عرب فلسطين.
*الكتاب:مروان البرغوثي
*الناشر:دار العين للنشر
القاهرة 2007
*الصفحات:211 صفحة من القطع المتوسط
محمد الحمامصي
