مؤلف كتاب «زاد المسير في علم التفسير» هو الإمام «أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي القرشي البغدادي» الذي ولد في بغداد سنة 508 هجرية، فلما توفي والده وهو صغير كفلته أمه وعمته، وكان أهله تجاراً في النحاس ولهذا يوجد في بعض تسمياته القديمة: «ابن الجوزي» الصفار ولما ترعرع حملته عمته إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر الحافظ الثقة البغدادي فاعتنى به وسمعه الحديث ثم حفظ القرآن الكريم وقرأه مجوداً على جماعة من أئمة القراءة، ثم سمع الكتب الكبار كالمسند للإمام «أحمد، وجامع الترمذي، وصحيح البخاري وصحيح مسلم».
ولم ينس أن يقرأ الأدب على يد علماء عصره وكذلك علماء اللغة العربية وقد قيل عنه: أقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف وكان زاهداً في الدنيا وهو القائل في آخر عمره: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلد، وتاب على يدي مئة ألف وما خرج من بيته إلا إلى الجامع للجمعة والمجلس، وما مازح أحد قط، وكان يتصف بقوة البديهة وحضور الذهن والأجوبة النادرة، مع كثرة الحفظ وسعة الرواية، ومنزلته في الوعظ لم يكن يدانيه فيها أحد وقد توفي في بغداد سنة 597 هجرية.
قال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لا يضيع من زمانه شيئاً ويكتب في اليوم أربعة كراريس ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلداً إلى ستين. وله في كل علم مشاركة لكنه كان في التفسير من الأعيان وفي الحديث من الحفاظ وفي التاريخ من المتوسعين ولديه فقه كاف......
و قال ابن خلكان: وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد...
و كان ابن الجوزي رحمه الله إذا رأى تصنيفاً وأعجبه صنف مثله في الحال، وإن لم يكن قد تقدم له في ذلك الفن عمل لقوة فهمه، وحدة ذهنه، فربما صنف لأجل ذلك الشيء ونقيضه.
أما كتابه «زاد المسير في علم التفسير» فهو من أربعة مجلدات من القطع الكبير وقد بدأه بمقدمة يحمد فيها الله الذي شرفنا بالقرآن المجيد وقوم به نفوسنا بين الوعد والوعيد ثم يبين لنا سبب تأليفه هذا التفسير بقوله: لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم، كان الفهم لمعانيه أو في المفهوم،لأن شرف العلم بشرف المعلوم، وإني نظرت في جملة من كتب التفسير فوجدتها بين الكبير قد يئس الحافظ منه وصغير لا يستفاد كل المقصود منه، والمتوسط قليل الفوائد عديم الترتيب، وربما أهمل فيه المشكل، وشرح غير الغريب، فأتيتك بهذا المختصر اليسير منطوياً على العلم الغزير ووسمته بـ «زاد المسير في علم التفسير».
ويضيف «ابن الجوزي» وقد بالغت في اختصار لفظه فاجتهد وفقك الله في حفظه.
ثم يورد ما قاله إياس بن معاوية: مثل من يقرأ القرآن ومن يعلم تفسيره أم لا يعلم مثل قوم جاءهم كتاب من صاحب لهم ليلاً وليس عندهم مصباح فتداخلهم لمجيء الكتاب روعة لا يدرون ما فيه فإذا جاءهم المصباح عرفوا ما فيه
ثم يبدأ ابن الحوزي بالتفريق بين التفسير والتأويل عارضاً لنا آراء العلماء، فذهب قوم يميلون إلى العربية إلى أنها بمعنى
وهذا قول جمهور المفسرين المتقدمين.
وذهب قوم يميلون إلى الفقه إلى اختلافيهما، فقالوا: التفسير إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التجلي، والتأويل: نقل الكلام عن وضعه فيما يحتاج في إثباته إلى دليل، لولاه ما ترك ظاهرة اللفظ فهو مأخوذ من قولك: آل الشيء إلى كذا أي صار إليه..
ثم يتطرق إلى القرآن الكريم أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر، إلى بيت العزة، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم يتعرض إلى الاختلاف في أول آية نزلت، حيث أثبت أن آية «اقرأ باسم ربك» كانت الأولى حيث يقول: والصحيح أنه لما نزل عليه «اقرأ باسم ربك» رجع فتدثر فنزل «يا أيها المدثر» ثم آخر ما نزل ليقول إن آية «إذا جاء نصر الله والفتح» كانت الأخيرة.. وبعد ذلك يقدم لنا تفسيراً رائعاً ودقيقاً لآيات القرآن الكريم.