لا تزال ثقافة التدوين عصية على الفهم العربي، البعض يخلط بينها وبين الرسائل النصية القادمة من عصر الهاتف والمحمول، والبعض يراها إهداءات تمر عبر شريط تحت أغنيات الفيديو كليب، وفريق يجد فيها متنفسا ليقول كتابة ما لا يستطيع قوله مجاهرة. وهي غير كل ما تقدم، ولكنها تعرضت للتحريف السريع في عصر جامح تركض فيه الأيام بمعدل سرعة سيارات الدفع الرباعي.

انتشرت ثقافة التدوين بسرعة عجيبة بين شريحة واسعة من الشباب، وبات وجود مدونة عبر شبكة الانترنت متوافقا مع طموح الذين يحبون الحضور التقني من خلف الشاشة، كما بات صدى المدونات واسعا سياسيا وثقافيا، ولم يعد الأمر مقتصرا على جانب شخصي حيث بضع صور ومعلومات منتقاة منشورة على الموقع وحسب المزاج تزين المدونة بما يناسب توجه المدون جماليا.

وإلى ذلك تقدم مواقع الانترنت المتخصصة نصائح للمدونين، فالمدون يجب أن يكون ملماً بمعرفة علوم العربية، وإتقان اللغة العربية، وأن يهتم المدون بمعرفة الألفاظ معرفة دقيقة، ويستوعب دلالات أصواتها ومعانيها في الحياة، ويستوعب تنوعها، وفصاحتها، وحقيقتها، ومجازها، ودلالاتها الإصطلاحية. وعلى المدون أن يكون ذا معرفة بالألفاظ العربية ومعانيها معرفة دقيقة، وأن يجهد نفسه في الحصول على ثروة لفظية أو كلماتية، من مصادرها الخاصة وهي المعاجم اللغوية. كما أن على المدون القراءة والمطالعة والاطلاع على كتابات الآخرين، فهي تساعده وتعينه على تكوين الثروة العربية واللفظية. ترى هل يتم التقيد بهذه القواعد!؟

غالباً يجرى تجاهل لأبسط تلك القواعد ويتم التعامل مع المدونة من موقع الملكية الشخصية المطلقة يحق لصاحبها تجاوز القواعد على جميع المستويات، ليس أقلها اللغة، بل آلية البناء العامة للمواضيع والأفكار والتوجهات العقائدية والتي ينم معظمها عن حالة متوترة مشحونة تفرّغ على المدونة فتتحول من قيمة رأي إيجابية إلى قيمة سلبية قد تجر صاحبها إلى المساءلة!

ان الجهل بثقافة التدوين جعلت من الصفحات المدونة كلمات في مهب الريح لا ضوابط تحكمها ولا رادع يوقفها، وما دفع بكثير من السلطات إلى سن قوانين للحد من تدفقها الهائل عبر الأثير، لكن ما جدوى تلك القوانين التي لم تستطع شيئاً حيال المحطات الفضائية والتي يحتاج استمرارها إلى جهد ومال يفوق بمئات المرات ما تحتاجه مدونة على الانترنت، وهو حضور يتجاوز الرقابة إلى كل بيت وفي متناول كل طفل ومراهق.

مدونات بالمئات تتكاثر كل يوم وتتفاعل كل لحظة وتؤجج الأحقاد والضغائن وتنشر الكراهية ولكنها في النهاية تقلل من شأن الرأي وتنقله من خانة إلى أخرى معرضة الحرية إلى مزيد من الخنق وإلى مزيد من الظلام.

niassuh@albayan.ae