«الحياة بمثابة يوم حار، عسى أن يكون الموت أمسية ندية. الحياة بمثابة خليج ضحل عسى أن يكون الموت بحرا عميقا صافيا » ذلك ما ورد على لسان بطل الرواية «سنوحي المصري» للكاتب والروائي الفنلندي ميكا والتاري، الذي ولد عام 1908 في هلنسكي، وفقد والده عندما كان في الخامسة من عمره وعاش طفولته في بيئة ثقافية واكتسب من أسرته حب الأدب والفن، والذي بعد دراسته للأديان في جامعة هلنسكي تحول إلى الأدب والفلسفة والفنون وتخرج عام 1929.
كتب في البداية القصائد الدينية وقصص الرعب متأثرا بإدغار الآن بو، تحت الاسم المستعار كريستيان كروبي وغيره من الأسماء. وفي عام 1927 سافر إلى باريس وهناك كتب أول رواية له «الوهم الأكبر» التي حققت له الشهرة لقدرته على التعبير عن مشاعر وأفكار جيله المعاصر آنذاك. وسرعان ما أصبح من أعلام حركة الأدب الحر وترجم أفكاره من خلال القصة والدراما والشعر والمقالات بسهولة وتميز. وعلى صعيد الشعر، نشر ديوانه «فالتاتيات» عام 1928 حيث ترجم من خلاله تفاؤل أبناء جيله المحبين لموسيقى الجاز، وكان متحمسا حينها للسرعة والصناعة. كما اهتم بكتابة الرواية البوليسية وحقق بطله التحري باملو شعبية واسعة لدى القراء.وخلال حقبة الأربعينات عمل صحافياً وناقداً أدبياً، وراسل العديد من المجلات والصحف. أما شهرته كروائي قبل الحرب فتعود إلى روايته «الغريب القادم إلى المزرعة» التي ربحت الجائزة الأولى في مسابقة عام 1937 وترجمت إلى عشر لغات.
وقد أتاح التاريخ القديم لوالتاري مساحة واسعة للتجربة بحرية بعيدا عن أي توجه سياسي سيما خلال وبعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا. ومن بعد منتصف الأربعينات بدأ بالتركيز على الروايات التاريخية التي تدور أحداثها في منطقة البحر المتوسط وروما القديمة.
ومن أهم أعماله الروائية التي حققت نجاحا استثنائيا سواء على صعيده الشخصي أو الأدب العالمي، رواية «سنوحي المصري» التي تتناول تاريخ الفراعنة ونشرت عام 1945. ومن رواياته التي تناولت الإمبراطورية البيزنطية «ملاك الظلام» وهي قصة حب نسجت في مدينة ملعونة ونشرت عام 1952.
وجدير بالذكر أن بعض الروايات القصيرة لوالتاري قد تم رفض نشرها في البداية لاعتبارها فاضحة مما دفعه إلى نشرها على نفقته. وفي الستينات تناول في أعماله المنظومات الدينية مثل روايته «سر المملكة» عام 1959 و«الرومان». كما جذبت أعماله صناع السينما حيث أنتجوا ثلاثة وثلاثين فيلما اعتمادا على رواياته.
ونتيجة لإجهاد صحته في العمل فقد أصيب بفقر الدم والاكتئاب، وتعالج في المشفى عدداً من المرات. وكان يمضي معظم وقته بصحبة أصدقائه في الوسط الأدبي والفني لينسحب إلى الريف خلال فترة الربيع للكتابة.
ومن ضمن روايات والتاري المترجمة إلى الانجليزية «المغامر» عام 1948، و«هروب القمر» عام 1953 و«شجرة الأحلام» عام 1961، وغيرها الكثير.
علما بأنه توفي في 26 أغسطس عام 1979. استمد والتاري أحداث روايته «سنوحي المصري» من تاريخ الفراعنة مستلهما أحداثها بالتحديد من حياة الفرعون أخناتون الثامن عشر من سلالة أسرة الفراعنة الحاكمة عام 1300 قبل الميلاد.
تناول الكاتب في ملحمته محورين، الإنسان وتاريخ حضارات العالم خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وعبر شخصياته دخل إلى فكر وروح وقلب الإنسان في كل زمان ومكان، ذاك الإنسان بكل ما يحمله في داخله من نوازع ورغبات وأفكار وطموحات.
ومن خلال هذا العمل لخص أيضاً تاريخ مسيرة الإنسان عبر العصور الماضية والحاضرة والمستقبلية، برؤيته التي تميل إلى الواقعية التي حاول دحض وصفها بالتشاؤم من خلال اعتماده على مصداقية التاريخ والأحداث ودور الإنسان في صنع التاريخ.
تضم شخصيات العمل الرئيسية البطل الرواي سنوحي طبيب الفرعون أخناتون، وخادمه الوفي حتى النهاية قبطه الذي يتميز بذكائه الفطري العملي وبطموحاته البسيطة في الحياة، والمحظية (نيفرنيفرنيفر) الجميلة التي تُجرد سنوحي في بداية حياته العملية من كافة ممتلكاته وقيمه واحترامه لنفسه.
والقائد العسكري حورمحب الذي يصل مصر مسبوقا بصقره الذي يمثل نبؤة مكانته الريادية في حماية مصر وفرعونها والذي ينتهي بتدمير خطط الفرعون أخناتون في استبدال الآلهة آمون بأتون ومن ثم التآمر عليه والتسبب في قتله والزواج بأخته.
في المرحلة الأولى من حياة سنوحي بعد رحيله عن مصر مجللا بالعار جاب البلدان ونهل من معارف الطب من حضارة السوريين والبابليين والحثيين، ليعود إلى مصر مجددا وليقف إلى جانب الفرعون إلى حين، حيث يفرض عليه الاشتراك في مؤامرات السلطة والنفوذ بهدف الإبقاء على حياته.
وعلى الرغم من كافة النجاحات التي حققها على صعيد مهنته ومكانته، بقي وحيدا في أعماقه منذ البداية وحتى النهاية، ابتداء من لحظة اكتشافه في السابعة من عمره بأن والديه بالتبني قد عثرا عليه في قارب خشبي على حافة النهر ومرورا بفقدان كل امرأة هفا قلبه إليها حيث كان الموت يسلبه إياها بأساليب شتى وانتهاء بنفيه عن وطنه.
في النهاية، حينما يصل كل من سنوحي وحورمحب إلى قمة المجد، يتخذ كل منهما مسارا مختلفا، فبينما يبني الفرعون الجديد مصر ويعزز قواها، يستيقظ ضمير سنوحي ويحاسب نفسه على ما ارتكبه من آثام، ويتمثل ذلك في قوله، «ابق هادئا أيها القلب، ليست غلطتك.
كل شيء جنون، لا معنى للخير أو الشر. الجشع وحده، مع الكراهية والرغبة، يحكمون العالم. ليست غلطتك سنوحي، فالرجل رجل ولن يتغير أبدا. يمكنك بلا طائل أن تختبر الرجل بالحرب والحاجة، بالوباء والحرق، بالآلهة والرماح، إذ أن هذه المحن تجعله أكثر ضراوة ووحشية من التمساح. الرجل الوحيد الجيد هو الرجل الميت».
ونظرا لعجزه عن إسكات ضميره، يصارح الناس بواقع الحياة ويفصح لهم عن حقيقة الإنسان وقيمته المتمثلة بمبادئه وأفعاله وليس بنسبه وثروته. ونظرا لمعرفته بالكثير عن صديقه الفرعون الجديد، يلجأ الأخير إلى نفيه بعيدا عن مصر حيث يبدأ سنوحي بكتابة مسيرة حياته وأحداث تلك الرواية التي تختزل تاريخ العالم في كل زمان ومكان وعصر وأوان.

