وهو مؤسس مركز التوثيق والأبحاث العربية المسيحية، كما أنه رئيس الرابطة الدولية للدراسات المسيحية العربية. وقد ألف حتى الآن ما لا يقل عن خمسين كتابا وألف مقالة عن الإسلام والشرق المسيحي. وبالتالي فالرجل معترف به دوليا كأحد كبار المختصين بشؤون الإسلام والمسيحية العربية وحوار الحضارات والأديان.

وفي هذا الكتاب يرد المؤلف على أسئلة صحافي إيطالي وصحافي لبناني. الأول اسمه جيورجيو بولوتشي، والثاني كميل عيد. والأول هو صحافي في إحدى الجرائد الإيطالية التي تدعى المستقبل، أو ما يقابل ذلك في اللغة الإيطالية.

وكان قد قام منذ عام 1970 بعدة تحقيقات موسعة عن تواجد الجاليات الإسلامية في إيطاليا خصوصا وأوروبا عموما.وأما الثاني، أي كميل عيد، فهو لبناني يعيش في إيطاليا، وهو يتعاون مع عدة جرائد إيطالية بصفته خبيرا بالعالم العربي الإسلامي.

يتألف الكتاب من سلسلة حوارات متتالية بين هذين الصحافيين والبروفيسور سمير خليل سمير. فهما يطرحان الأسئلة وهو يجيب عنها بشكل قد يطول أو يقصر. ويتميز الكتاب بالحيوية وعدم الإملال كمعظم كتب الحوارات التي تنتقل من موضوع إلى موضوع ومن مسألة إلى أخرى.

هذا وقد قسم الكتاب إلى خمسة أجزاء، وكل جزء إلى عدة فصول تتناول مختلف جوانب الحياة الإسلامية منذ البداية وحتى يومنا هذا. ولا ينبغي أن ننسى المقدمة والخاتمة. نلاحظ أن الجزء الأول من الكتاب مخصص للتحدث عن أصول الإسلام.

وهنا يشرح المؤلف للصحافيين المذكورين كيفية ظهور الإسلام من وجهة نظر مسيحية بالطبع. ولكنه لا يهمل النظرة التاريخية أو الموضوعية للأمور. نقول ذلك على الرغم من بعض الثغرات والنواقص الناتجة عن كونه يتحدث عن الإسلام من وجهة نظر رجل دين عقائدي مسيحي.

في البداية يجيب المؤلف عن أسئلة تتعلق بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم وكيفية ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية لأول مرة. ثم يتحدث عن القرآن الكريم ومكانته العظيمة والاستثنائية لدى المسلمين. ثم يشرح المؤلف بعدئذ معنى أركان الإسلام الخمسة: أي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم الصلاة، فالزكاة، فصوم شهر رمضان.

فالحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إلى ذلك سبيلا. أما الجزء الثاني من الكتاب فمكرس للإجابة عن السؤال التالي: هل يمكن أن يتغير الإسلام؟ بمعنى آخر: هل يمكن أن يتجدد لكي يساير التطور وروح العصور الحديثة، والجواب هو بالإيجاب بشرط أن يجدد المسلمون تفسير نصوصهم الدينية وذلك على ضوء العقل والعلم الحديث كما فعل المسيحيون في أوروبا الغربية.

ثم يرد المؤلف على السؤال التالي: هل إلغاء الخلافة من قبل مصطفى كمال أتاتورك يعني نهاية وحدة العالم الإسلامي؟ وهنا يجيب المؤلف قائلا: كان الخليفة في القرون الأولى للإسلام هو الذي يحسم في المسائل الدينية بعد استشارة الفقهاء.

ولكن مؤسسة الخلافة ضعفت بعد ذلك كثيرا إلى درجة أن إلغاءها على يد أتاتورك عام 1924 جاء كتحصيل حاصل لهذا الوضع المزري الذي وصلت إليه الأمور في العالم الإسلامي. وبالتالي فهي نتيجة لعصور الانحطاط التي تلت انهيار الحضارة العباسية على يد الغزو المغولي وهولاكو.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن الجهاد ويتساءل: هل هو حرب مقدسة أم جهاد روحي ضد الذات؟ والجواب هو أنه كلا الأمرين في آن معا. فهناك الجهاد الأكبر في الإسلام والجهاد الأصغر. والجهاد الأكبر هو ضد الذات وانحرافاتها ونواقصها وشهواتها. هذا في حين أن الجهاد الأصغر هو ضد العدو الغازي.

ولكن معظم المسلمين حاليا يتوهمون العكس بل وينسون الجهاد الأكبر تماما. ويرى المؤلف أن الإسلام في جوهره ضد العنف على الرغم من وجود بعض النصوص والآيات التي تشرع اللجوء إلى القوة والعنف. ولكن إذا ما فهمنا روح النصوص جيدا وجدنا أن الإسلام ينهى عن العنف المجاني ولا يحلّ اللجوء إلى القوة إلا في الظروف القصوى وكحل أخير.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن مشكلة العالم العربي حاليا والمتمثلة في ذلك الصراع الدائر بين التراث والحداثة. ويقول إن هناك عدة شروط ينبغي أن تتوافر لكي تنفتح المجتمعات الإسلامية على العلمانية والحداثة. نذكر من بينها دخول الفكر التاريخي النقدي إلى العالم العربي، وحل المشاكل السياسية العالقة كمشكلة فلسطين، وتحديث الاقتصاد والمجتمع، وحل مشكلة الفقر، الخ.

وهنا يستعرض المؤلف مسيرة الحداثة في مصر والعالم العربي بدءًا من غزو نابليون لبلاد الكنانة وانتهاء بآخر الأحداث المعاصرة. ويقول ان صدمة الحداثة على يد نابليون كانت مرعبة ولكن مفيدة في نهاية المطاف.

فقد اكتشف العالم الإسلامي مدى تأخره بالقياس إلى العالم الأوروبي المسيحي المتحضر. وحاول بالتالي اللحاق به وتغيير وضعه المزري بقدر الإمكان. هذا وقد انقسم المثقفون العرب إلى عدة تيارات. فهناك التيار التجديدي المحض بقيادة إسماعيل مظهر وأحمد مصطفى السيد وطه حسين وآخرون عديدون.

وهناك التيار المتشدد والمتزمت بقيادة رشيد رضا وجماعة الإخوان المسلمين. وهناك التيار الوسطي الإسلامي المستنير بقيادة الشيخ الإمام محمد عبده.

وقد دار الصراع بين هذه التيارات الثلاثة على مدار القرن الماضي كله. ولكن الجناح المتشدد نجح في اكتساح الشارع بعد موت جمال عبد الناصر وانتصار الخميني في إيران والنكسة التي أصابت الفكر العقلاني والتنويري على طريقة محمد عبده وطه حسين.

وأما الجزء الثالث من الكتاب فمكرس لدراسة العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي الحديث. ويرى المؤلف أنه ينبغي تطوير الفقه في الإسلام لكي يستطيع أن يتماشى مع عقيدة حقوق الإنسان والمواطن التي تسيطر على العالم اليوم.

بمعنى آخر فإن الحداثة السياسية لا يمكن أن تحصل في العالم العربي بدون تحديث الفكر الإسلامي وتجديده جذريا. وعندئذ يمكن أن نقيم مصالحة بين الإسلام والحداثة، ويمكن أن نعطي المرأة حقها في قيادة المجتمع كصنو للرجل وشريك له.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن عدة قضايا هامة تشغل العالم الإسلامي اليوم، كالحرية الدينية، وحكم الردة في الإسلام، ووضع الأقليات المسيحية في العالم العربي، الخ.

وفي الجزأين الأخيرين من الكتاب يرد المؤلف على الأسئلة الخاصة بتواجد جاليات عربية وإسلامية كبيرة في أوروبا. ويلاحظ أن وضعها أصبح صعبا بعد ضربة 11 سبتمبر، وتفجيرات مدريد ولندن وسواها.

فقد أصبحت مشبوهة بحق ومن دون حق. وراح البريء بجريرة المذنب، وهذا شيء غير مقبول على الإطلاق. وبالتالي ينبغي على الحكومات الأوروبية أن تحمي جالياتها من التطرف والتعسف والظلم الذي قد يلحق بها بسبب وجود متطرفين عنصريين في الغرب أيضا.

*الكتاب:الأسباب التي تدعونا إلى عدم الخوف من الإسلام

*الناشر:مطبوعات النهضة

باريس 2007

*الصفحات: 249 صفحة من القطع الكبير

Les raisons de ne pas craindre l'Islam

Samir Khalil Samir

Presses de la Renaissance Paris 2007

P.249