أشرف على تأليف هذا الكتاب الجماعي العام البروفيسور باسكال ديلويت أستاذ العلوم السياسية في جامعة بروكسل الحرة. وكان قد نشر عدة كتب عن الحياة السياسية في بلجيكا وأوروبا. ومن أهم كتبه السابقة الديمقراطية الاشتراكية في أوروبا (2005).

يشارك معه في تأليف هذا الكتاب الجماعي عدة أساتذة جامعات وعدد من الباحثين الآخرين. ويستعرض فيه الباحث مع فريق عمله تاريخ هذه الظاهرة المقلقة: أي ظاهرة اليمين المتطرف التي أصبحت تشغل أوروبا من فرنسا إلى النمسا، إلى هولندا، إلى ألمانيا، إلى بلجيكا، الخ.ويشعر المثقفون الأوروبيون بالتخوف من هذه الظاهرة التي تحولت إلى تيار شعبي يحقق نتائج لا يستهان بها في الانتخابات البلدية أو البرلمانية. يضاف إلى ذلك أن قادة اليمين المتطرف أصبحوا يستهدفون أكثر فأكثر الجاليات العربية والإسلامية المغتربة ويهددون بذلك السلم الأهلي في البلدان الأوروبية.. وبالتالي فإن الظاهرة لم تعد هامشية أو معزولة كما كان عليه الحال سابقا. فما هو هذا اليمين المتطرف يا ترى؟ ما هي أهميته السياسية والشعبية في البلدان الأوروبية الأساسية؟ ثم بالأخص ما هي أطروحاته الفكرية أو الإيديولوجية؟

على هذه الأسئلة يجيب المؤلف قائلا بما معناه: بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط الفاشية والنازية اضطر اليمين المتطرف إلى الاختفاء عن الأنظار لمدة طويلة.

صحيح أنه لم يمت تماما ولكنه تقلّص إلى أقصى حد ممكن. فالديغولية في فرنسا مثلا قضت عليه تقريبا. ولم يعد ممثلوه ينالون في الانتخابات العامة أكثر من 3 بالمئة أو 5 بالمئة على أكثر تقدير. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن ألمانيا، وبلجيكا، وهولندا، وسواها من البلدان الأوروبية.

ففي ألمانيا سحقت الإيديولوجيا النازية سحقا ولم يعد أحد يتجرأ على الانتساب إليها، على الأقل علنيا وظاهريا. وانتصرت عندئذ الأنظمة الديمقراطية التي تؤمن بالتعددية الفكرية والسياسية في شتى أنحاء أوروبا الغربية ما عدا اسبانيا والبرتغال. فهذان البلدان ظلا تحت الحكم الديكتاتوري شبه الفاشي لفرانكو وسالازار. ولكنهما سقطا بدورهما بعد منتصف السبعينات لكي يلتحق هذان البلدان بأوروبا الديمقراطية.

ولكن منذ عشرين سنة فقط ابتدأت حركات اليمين المتطرف ترفع رأسها في أوروبا بشكل مدهش ولافت للانتباه. فحركة جان ماري لوبن زعيم اليمين المتطرف الفرنسي أخذت تسجل أرقاما مرتفعة في كافة استطلاعات الرأي العام والانتخابات البلدية والمحلية خصوصا. وقل الأمر ذاته عن حركات اليمين المتطرف في النمسا، أو هولندا، أو إيطاليا، الخ.

بل وراح النازيون الجدد في ألمانيا ينظمون أنفسهم من جديد ويصبحون قوة لا يستهان بها. ويمكن القول إن كره الجاليات العربية أو الإسلامية المغتربة كان القاسم المشترك الأعظم بين كل هذه الحركات اليمينية المتطرفة على الصعيد الأوروبي.فجميعها استغلت موضوع الهجرة ومخاطرها المزعومة على أوروبا لكي تكسب أصوات الناخبين.

وهكذا راح اليمين المتطرف ينتعش في كل منطقة يتواجد فيها المهاجرون بأعداد غفيرة وحيث يكون التواصل سيئا عموما مع السكان الأصليين. وعلى هذا النحو أصبح حزب الجبهة القومية لجان ماري لوبن يكتسح الانتخابات المحلية ويتحول إلى قوة سياسية أساسية في البلاد.

وراح يهدد أحزاب اليمين المعتدل الديمقراطية ويكسب الأصوات على حسابها. بل ووصل الأمر بحزب لوبن إلى حد الحصول على نسبة 17 بالمئة من مجمل أصوات الشعب الفرنسي. وفي بعض المناطق كان يصل إلى 25 بالمئة أو حتى 30 بالمئة. هذا في حين أنه قبل بضع سنوات لم يكن يتجاوز الخمسة بالمئة.

ثم يردف المؤلف قائلا: لأول مرة أخذت أحزاب اليمين المتطرف تحلم بالوصول إلى السلطة في البلدان الديمقراطية المتقدمة. وراحت برامجها الانتخابية تغري الناخبين أكثر فأكثر، ويمكن القول بأن شعار فرنسا للفرنسيين جعل حزب لوبن واحدا من أكثر الأحزاب شعبية في فرنسا. وقل الأمر ذاته عن حزب اليمين المتطرف في النمسا وسواه.

كل هذه الأحزاب راحت تدعو إلى طرد العمال المغتربين لأنهم يأكلون خبز الفرنسيين أو الأوروبيين كما تزعم. وراحوا يفسرون البطالة على أساس أنها ناتجة عن سرقة العامل المغترب لعمل العامل الفرنسي. ولكن كل الإحصاءات تقول بأن هذا الزعم كاذب ولا أساس له من الصحة.

فالواقع أن العامل المغترب يمارس أعمالا متدنية لا يقبل بها أي عامل فرنسي أو أوروبي في معظم الأحيان. وبما أن اليمين المتطرف عنصري في إيديولوجيته فإنه راح يضرب على هذا الوتر الحساس ويحذر الأوروبيين من هؤلاء الأجانب الذين غزوا بلادهم وراحوا يشيعون الأطروحة التالية: المسلم أو العربي لا يمكن دمجه في أوروبا لأنه ينتمي إلى تراث متعصب ومتخلف ومضاد للحداثة والحضارة.

ومعلوم أن أحزاب اليمين المتطرف لا تؤمن بالمساواة بين الأعراق البشرية، ففي رأيها أنه توجد أعراق عليا وأعراق دنيا. والعرق الأوروبي الأبيض هو وحده القادر على صنع الحضارات. أما الأعراق الدنيا كالعرب والسود فلم يخلقوا لذلك. بالطبع ما عادت أحزاب اليمين المتطرف تقول ذلك بشكل علني واضح كما في السابق ولكن بشكل ضمني.

والشيء الجديد اللافت للانتباه في إيديولوجيتها هو أنها ماعادت تهاجم اليهود كما كانت تفعل قبل الحرب العالمية الثانية أو في فترة ما بين الحربين. لم يعد اليهودي هو المستهدف من قبل أدبيات اليمين المتطرف وإنما أصبح العربي أو المسلم بالدرجة الأولى. نقول ذلك وبخاصة أن تفجيرات 11 سبتمبر جاءت لكي تبرهن في نظرهم على صحة أطروحات اليمين المتطرف.

ففي رأي منظّريه السياسيين والعقائديين فإن الإسلام هو الذي يشكل الخطر الأكبر على الحضارة الغربية. ثم يردفون قائلين: إن قيمه تختلف جذريا عن قيمنا وبالتالي فلا يمكن أن نتعايش معه. ففي رأيهم أن الإسلام ضد تحرر المرأة وضد الحرية الدينية وضد الحداثة.وهكذا راحوا يكثفون هجومهم على الإسلام والمسلمين.

وبلغ هذا الهجوم ذروته في الآونة الأخيرة عندما ظهرت الصور الكاريكاتورية في الدنمارك. وعندما راح نائب هولندي يهاجم المعتقدات الإسلامية الأساسية بما فيها القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك فعلت نائبة نمساوية تمثل جناح اليمين المتطرف هناك.

وانتشرت في كل مكان موجة العداء للإسلام والجاليات المغتربة، ولا نزال نعيش هذا الوضع المتوتر حتى الآن.ولكن لحسن الحظ فإن الأحزاب الديمقراطية سواء أكانت تنتمي إلى اليمين المعتدل المستنير أم إلى اليسار الاشتراكي راحت تتصدى لحركات اليمين المتطرف وتوقفها عند حدها.

ولا تزال المعركة ناشبة بين الطرفين حتى هذه اللحظة. فالأحزاب الديمقراطية تخشى من عودة شياطين الماضي: أي عهد الفاشية والنازية الذي أدى إلى تدمير أوروبا مرتين: المرة الأولى إبان الحرب العالمية الأولى، والمرة الثانية إبان الحرب العالمية الثانية.

وتؤكد التحليلات المقدّمة أن الأحزاب الديمقراطية ستقف سدا منيعا في وجه وصول اليمين المتطرف إلى السلطة. فهي لا تزال قوية وتشكل أغلبية سياسية مريحة. يضاف إلى ذلك أن الشباب المغترب أصبح يدخل هذه الأحزاب ويدافع عن نفسه ضد هجمات اليمين المتطرف.

بل وأصبح هناك نواب ونائبات من العرب والمسلمين في هولندا وبلجيكا وسواهما من البلدان. وفي فرنسا هناك وزيرات عديدات داخل الحكومة الفرنسية من أصل مغترب كرشيدة داتي وزيرة العدل، وفضيلة عمارة وزيرة التضامن الاجتماعي والمختصة بشؤون الضواحي، وراما ياد نائبة الوزير كوشنير في وزارة الخارجية الفرنسية.

وبالتالي فلم يعد المهاجرون يقفون مكتوفي الأيدي أمام هجمة اليمين المتطرف عليهم. وإنما أصبحوا ينخرطون في كافة الأحزاب الديمقراطية والحركات النقابية والعمالية. وهذا تطور جديد وواعد بالمستقبل. والواقع أن الوزن الديمغرافي للعرب المسلمين في بلد كفرنسا مثلا سوف يتيح لهم مستقبلا أن يصبحوا إحدى القوى الأساسية في البلاد.

*الكتاب:اليمين المتطرف والسلطة في أوروبا

*الناشر:جامعة بروكسل 2007

*الصفحات:336 صفحة من القطع الكبير

Extrême droite et pouvoir en Europe

Pascal Delwit

Université de Bruxelles 2007

P.336