مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب النيجيري الشهير: وول سوينكا. ومعلوم أنه الكاتب الإفريقي الوحيد الذي نال جائزة نوبل تماما كما كان نجيب محفوظ العربي الوحيد الذي نالها.

ومعلوم أنه ولد عام 1934 ونال الشهادات الجامعية العليا وأصبح أستاذا للأدب في الجامعات الكبرى سواء في نيجيريا، أم في غانا، أم في انكلترا والولايات المتحدة. وفي موازاة عمله كأستاذ محاضر كان وول سوينكا يؤلف المسرحيات التراجيدية والكوميدية، والأشعار، والروايات، ونصوص السيرة الذاتية.

هذا وقد أصبح وول سوينكا رئيسا للبرلمان الدولي للكتاب عام 1997. وهو الآن يعيش في الولايات المتحدة الأميركية ويدرس في جامعاتها.

وفي هذا الكتاب يواصل وول سوينكا كتابة سيرته الذاتية التي تشبه الثلاثية. فقد كتب سابقا جزءً بعنوان: سنوات الطفولة، وجزءً ثانيا بعنوان: سنوات الخلخلة والاضطراب وهاهو يكملها الآن بجزء ثالث يتحدث فيه عن آخر فصول حياته وبخاصة نيله لجائزة نوبل.

وهنا يستشهد المؤلف بكلمة لجورج برناردشو يقول فيها: من السهل أن نغفر للسيد نوبل اختراعه للديناميت الذي قتل ملايين البشر، ولكننا لا نستطيع أن نغفر له اختراعه لجائزة نوبل. فهل يعني هذا أن المآسي الناتجة عن جائزة نوبل أكبر من تلك الناتجة عن الديناميت. بالطبع فإن برنارد شو يبالغ كعادته في المزاح الذي اشتهر به. ومعلوم أنه نال هو الآخر جائزة نوبل أيضا.

ثم يقول الكاتب النيجيري الشهير ما معناه: لقد عذبتني جائزة نوبل كثيرا وسببت لي مشكلة حقيقية. صحيح أن معظم الكتاب يحلمون بنيلها ولكن المتاعب الناتجة عنها ليست قليلة. فهي تقضي على راحتك وطمأنينتك الشخصية. وبعدها لا تعود إنسانا عاديا تستطيع أن تدخل وتخرج وتتصرف في حياتك اليومية كبقية البشر.

ويعترف وول سوينكا بأنه اضطر إلى شراء قبعات عديدة لإخفاء وجهه عندما يخرج إلى الشارع تحاشيا لنظرات الناس أو لملاحقة الصحافيين له. ولكن كيف سمع بالخبر لأول مرة. كيف عرف بأنه نال جائزة نوبل نوبل للآداب عام 1986؟

على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: كان الناس يتوقعون أن أنال الجائزة منذ العام الفائت أي عام 1985. وقد راهن الصحافيون النيجيريون على ذلك وتحمسوا للموضوع واحتشدوا وراحوا يكتبون المقالات الطنانة الرنانة وكأن الجائزة قد أصبحت في الجيب كما يقال.

ثم خيبت أكاديمية استوكهولم آمالهم وأعطت الجائزة لشخص آخر غيري. وحصلت عندئذ خيبة أمل مريرة لدى المسؤولين والصحافيين النيجيريين. ولهذا السبب فإن الصحافة تعلمت الدرس ولم تقل شيئا عن جائزة نوبل للعام التالي 1986 خوفا من ألا تصدق الأيام تنبؤاتها.

ثم يردف المؤلف قائلا: والواقع أني كنت قد نسيت قصة الجائزة تماما بسبب انشغالي بإلقاء المحاضرات على طلابي في جامعة كورنيل الأميركية. بل ونسيت أن لحظتها اقتربت وأنها تمنح عادة في شهر أكتوبر من كل سنة وأن الناس ينتظرونها بفارغ الصبر في ذلك التاريخ.

نسيت كل ذلك عندما غادرت الجامعة وركبت الطائرة متوجها إلى باريس لكي أحضر جلسة المؤتمر الدولي لكتاب المسرح بل ولكي أترأس الجلسة.

وكان من عادتي أن أنزل عند ابن خالي عندما أذهب إلى العاصمة الفرنسية. فهو يمتلك شقة واسعة ومريحة في شمال باريس. وعندما طرقت على الباب وفتح لي وجدته في حالة من الهيجان لا توصف.

فخفت وسألته: ما الذي حصل؟ هو مات أحدهم؟ فأجاب: لا، لا. هناك خبر رائع سوف يفرحك كثيرا. انتهى كلام وول سوينكا.

عندها تذكر الكاتب الشهير أن لحظة الإعلان عن جائزة نوبل قد اقترب، بل وأصبح خلال ساعة أو ساعتين فقط. ولكنه كان متعبا فطلب من ابن خاله أن يحميه من هجوم الصحافيين عليه لكي يستطيع أن ينام ساعتين أو ثلاث ساعات لأن عبور الأطلسي بين أميركا وأوروبا أرهقه.

ولكن كيف يمكن أن يحميه إذا كانت لجنة نوبل الموقرة قد أرسلت له صحافيا من استوكهولم خصيصا لهذا الغرض؟ مستحيل. يضاف إلى ذلك أن لجنة نوبل ما إن تعلن عن اسمك حتى تبحث عنك في كل أنحاء الأرض لكي تجدك. هذه قاعدة عندها، هذا قانون. ولهذا السبب فلم يستطع أن ينام.

يضاف إلى ذلك أنهم أخبروه بأن جيشا عرمرما من الصحافيين قد تجمع أمام باب اليونيسكو بانتظاره. وهكذا لم يعد أمامه من بد إلا أن يواجه الحقيقة المرة، وهي أنه أصبح حائزا على نوبل وبالتالي صاحب شهرة دولية. ولم تعد حياته الشخصية ملكا له كما كان عليه الحال سابقا.

ولكن لماذا حقيقة مرة؟ أليست نوبل حظا ما بعده حظ؟ ألا يحلم بها كل كتّاب العالم الكبار ويسعون بأيديهم وأرجلهم لكي ينالوها.

في الواقع أن المؤلف يعترف بميزاتها والانعكاسات الإيجابية الناتجة عنها، وأولها انعكاسات مادية حيث أتاحت له الجائزة أن يحل كل مشاكله المادية دفعة واحدة. بل وأتاحت له أن يبني بيتا حديثا في نيجيريا. يضاف إلى ذلك أن أعماله الأدبية أصبحت تطبع بملايين النسخ وتترجم إلى معظم لغات العالم.

كل هذه فوائد إيجابية ناتجة عن جائزة نوبل، ولكن هناك متاعب أيضا. فلم تعد حياته الشخصية ملكا له كما كان عليه الحال سابقا. والشيء الغريب في الأمر هو أن الناس يعتقدون أن صاحب جائزة نوبل يصبح شخصا آخر، بل وعليه أن يغير كل نظام حياته السابق لكي يصبح جديرا بنوبل! وبما أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك ولا يريده فإنه وقع في حيرة من أمره وحصلت له بعض المشاكل.

ويرى المؤلف أن الناس يبالغون في أهمية هذه الجائزة الدولية العريقة. فهناك كتّاب عديدون لم ينالوها ومع ذلك كانوا من أعظم الكتاب. وهناك كتاب نالوها ولا يستحقونها أو قل ليست لهم أهمية كبيرة في عالم الأدب والأدباء.

ثم إن الكاتب الحقيقي لا ينبغي أن يعيش على انتظار الجوائز. عليه أن يبقى صادقا مع نفسه وكفى. الكتابة بدون صدق مع الذات لا معنى لها. بل إن نوبل قد تؤدي إلى تخريب بعض الكتاب فيصبحون أشخاصا آخرين بعد نيلها. يصبحون من رجال الشهرة والصالونات والعلاقات العامة ولا تعود لهم أي علاقة حقيقية مع الإبداع الأدبي أو الفكري.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن قضايا اجتماعية وشخصية وسياسية عديدة. ويروي قصة نضاله ضد الديكتاتورية في نيجيريا وكيف أنها حاربته وحاولت إذلاله في الجامعة. بل واضطرته في نهاية المطاف إلى سلوك درب المنفى في الخارج الأوروبي والأميركي.

وقصة حياته هنا لا تختلف كثيرا عن سيرة حياة كتّاب العالم الثالث عموما أو ما يدعونهم الآن بمثقفي بلدان الجنوب الفقيرة. إنه لشرف له أنه كان قد ضحى من أجل قضية الحرية في بلاده وعانى من أجل ذلك ودفع الثمن. وربما لولا ذلك لما أصبح كاتبا كبيرا وصلت شهرته إلى مستوى الآفاق العالمية. وهو يهدي كتابه إلى أطفاله وزوجته والمناضلين من أجل قضية الحرية في نيجيريا.

وبالتالي فإن وول سوينكا هو كاتب ملتزم بحسب تعريف جان بول سارتر للالتزام في الأدب. والواقع أن أدباء العالم الثالث مضطرون للالتزام والانخراط في قضايا المجتمع أكثر من مثقفي العالم الأول الفني المترف الذي حل مشاكله الأساسية في معظمها.

*الكتاب:عليك أن ترحل فجراً مذكرات

*الناشر:راندوم هاوس تريد نيويورك 2007

*الصفحات :528 صفحة من القطع الكبير

You must set forth at dawn : a memoir

Wole Soyinka

Random House Trade- N.Y. 2007

Rand