مؤلفة هذا الكتاب هي الصحافية الأميركية كيرا فيزنر المختصة بكتابة سير القادة السياسيين والعظماء عموماً. وهي تقدم هنا سيرة حياة شخص قد يصبح بعد بضعة أشهر رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. إنه جون ماكين الذي يبدو انه سوف يكون مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة. ويبدو أن حظوظه كبيرة بالفور، وعلى أي حال فسوف يكون من الصعب على أي مرشح ديمقراطي أن يغلبه.
فمن هو هذا الرجل يا ترى؟ لقد وُلد عام 1936 وهذا يعني أن عمره يناهز الثانية والسبعين، وهذه هي العقبة الرئيسية التي قد تهدد انتخابه لأنه أصبح شخصا مسنا أو معمرا. ولكن رونالد ريغان انتخب رئيسا في مثل هذه السن تقريبا، وكذلك الجنرال ايزنهاور. فلماذا لا ينتخب جون ماكين؟ نقول ذلك وبخاصة أن العمر يدل على التجربة والحكمة.
مهما يكن من أمر فإن الرجل هو عضو في مجلس الشيوخ عن ولاية أريزونا منذ عام 1987، وقد كان ضابطا مهما في الجيش الأميركي. والواقع أنه ولد في منطقة قناة باناما عندما كان والده يخدم هناك كضابط كبير في البحرية الأميركية برتبة أميرال. وجدّه أيضا كان أميرالا في الجيش الأميركي. وبالتالي فهو من عائلة عسكرية عريقة. وقد خاض حرب فيتنام وله فيها صولات وجولات.
ثم تردف المؤلفة قائلة: لكي نفهم شخصية جون ماكين ينبغي أن نعود إلى الوراء قليلا. في 29 يوليو من عام 1967 كان الطيار البحري جون ماكين جالسا في طائرته على سطح باخرة عسكرية أميركية. وفجأة تصاب بصاروخ عن طريق الخطأ ولكنه نجا من الموت بأعجوبة. وقد أدى هذا الصاروخ إلى إشعال حريق على ظهر الباخرة وقتل مئة وأربعة وعشرين عسكريا. وهكذا ابتسم له الحظ للمرة الأولى ونجاته من الموت بمعجزة.
وبعد ذلك بوقت قصير أصيبت طائرته العسكرية فوق فيتنام فاضطر إلى النزول سالما عن طريق استخدام المظلة. وهكذا وقع في أيدي الأعداء الفيتناميين الذين سجنوه في هانوي. وبقي مسجونا هناك لمدة خمس سنوات ونصف السنة من بينها سنتان في العزلة الكاملة. وهذه هي المحنة الثانية والأخطر في حياته.
ولهذا السبب فإن الأميركان يعتبرونه أحد أبطالهم العسكريين، وهذا ما يزيد من شعبيته. نقول ذلك وبخاصة ان جلاديه عرضوا عليه تحريره بشكل مسبق من السجن بعد أن عرفوا أنه ابن أميرال كبير في الجيش الأميركي، ولكنه رفض.
لقد رفض هذا العرض المغري تضامنا مع رفاقه من الأسرى الآخرين. ولم يشأ أن يغادر السجن لوحده. وهذه أيضا نقطة تحسب له بل وتشرفه، فهي تدل على أنه ليس أنانيا، وإنما يشعر بآلام الآخرين أيضا وكأنها آلامه.
هذا وقد جرح أثناء حرب فيتنام بشكل خطير وما عاد قادرا على أن يرفع ذراعيه كإشارة على النصر. ثم خرج من السجن عام 1973 بعد أن عانى من التعذيب الرهيب وآلام الجراح وسنتين من العزلة الكاملة داخل زنزانة انفرادية. هنا أيضا يمكن القول بأنه نجا بأعجوبة أو بمعجزة.
ولذلك عندما عاد إلى البلاد استقبله الرئيس ريتشارد نيكسون استقبال الفاتحين وقدم له أرفع الأوسمة العسكرية الأميركية. هذا وقد ترك الضابط جون ماكين سلاح البحرية الأميركي في ذات اليوم الذي مات فيه أبوه ودفنوه في مقبرة العظماء والجنرالات.
ومن الأشياء الممتازة التي تذكر لهذا الرجل هو أنه غفر لجلاديه تعذيبهم له أثناء فترة الأسر والسجن، وقال لهم: لا أستطيع أن أعيش في ظل الحقد والكره. أريد أن أنسى الماضي كليا ولا أفكر إلا في المستقبل. لم أعد أحقد عليكم ولا توجد في قلبي ذرة كره لكم. سامحكم الله... وعفى الله عما مضى.
وقد أعجب القادة الفيتناميون كثيرا بهذا العمل واعتبروه دلالة على إنسانية الرجل وكرم أخلاقه. والواقع أن الرجل مشهور باستقامته ونزاهته الشخصية. وقد كاد عام ألفين أن ينتصر على بوش ويحظى بترشيح الحزب الجمهوري له محله. فقد تغلب عليه في عدة ولايات كنيوهامبشاير، وميتشيغان، واريزونا، وسواها. ولكن الحزب الجمهوري فضّل في نهاية المطاف انتخاب بوش.
ومعلوم أنه خاض عدة معارك ضد بوش في الماضي وانتقده بعنف أكثر من مرة. ولكنه غيّر موقفه عام 2004 وقدم له كل التأييد والدعم ضد جون كيري لكي ينجح مرة ثانية في الانتخابات وقد نجح.
ثم ألقى خطابا مهماً وعنيفاً جداً ضد المخرج السينمائي مايكل مور الذي هجا بوش أقذع هجاء في أحد أفلامه الشهيرة الساخرة. لقد هاجمه جون ماكين وندد بأكاذيبه وتلاعباته بالحقائق على حد قوله.
لكن ما هي عقيدته السياسية يا ترى؟ على هذا السؤال تجيب المؤلفة قائلة: من الناحية السياسية نلاحظ أن الرجل لا ينتمي إلى أي جماعة محددة. لا ريب في أنه محافظ فيما يخص المسائل العسكرية والاجتماعية، ولكنه ليبرالي فيما يخص المسائل المالية والضرائبية. وهو ضد قانون الإجهاض ، وضد الشذوذ الجنسي أو الزواج بين الشاذين وضد التدخين. كما أنه مؤيد لحكم الإعدام ولحق الإنسان الأميركي في حمل السلاح أو اقتنائه.
وأما فيما يخص قانون الهجرة فهو ليبرالي لأنه يدعو إلى إعطاء الجنسية الأميركية لكل المهاجرين السريين ولكن مع ضبط الحدود لكيلا يدخل مهاجرون جدد بأعداد ضخمة وبشكل غير شرعي.
وأما فيما يخص مسائل التلوث والمناخ والبيئة فهو مضاد لها تماما. نقصد أنه مضاد للتلوث أكثر بكثير من بوش لأنه حساس جدا لهذه المسائل ويبغي تعديل القوانين من أجل تدارك الأخطار المحدقة بالبيئة والمناخ.
ولكن ما رأيه بحروب بوش الخارجية؟ على هذا السؤال تجيب المؤلفة قائلة: إنه من مؤيدي حرب العراق وقد دعم بوش في هذا الاتجاه لأنه كان راغبا في التخلص من صدام حسين ونظامه.
ولكنه انتقد بعنف وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد بسبب تحضيره الرديء للحرب ثم بسبب قلة عدد القوات التي أرسلها إلى هناك. ففي رأيه إن سبب فشل الحملة الأميركية يعود إلى نقص في القوات المنخرطة في الصراع. ولذلك ما فتئ يطالب بزيادتها حتى حصل على ذلك بدءاً من شهر يناير 2007.
وفي أثناء الحملة الانتخابية الجارية حاليا نلاحظ أنه المرشح الوحيد الذي يستخدم حرب العراق كمحاجة انتخابية. الجميع يتحاشون الموضوع أو ينتقدون بوش أو يلمحون إلى سحب القوات ما عداه هو. فهو يرفض أن يلتزم بأي موعد محدد لسحبها حتى ولو كان بعد مئة سنة.
وهذا أكبر دليل على نزعته الحربية وأنه سيكون أقسى من بوش فيما يخص هذه المسألة إذا ما انتخبه الأميركان رئيسا في شهر نوفمبر المقبل.
ولكنه اختلف مع بوش جذريا فيما يخص تعذيب المساجين والأسرى في سجن أبو غريب العراقي السيئ الذكر. فهو ضد التعذيب بأي شكل ربما لأنه عانى منه عندما كان مأسورا في السجون الفيتنامية. وقد نجح في إجبار مجلس الشيوخ على سن قانون يمنع التعذيب الجسدي بأي شكل. وأثار بذلك زوبعة أو عاصفة من الاحتجاجات في البيت الأبيض. ولكن كولين باول أعلن تأييده له.
وأخيرا تقول المؤلفة ما معناه: على الرغم من أنه معمّر أو متقدم في السن إلا أنه أكثر المرشحين الجمهوريين شعبية في أوساط الأميركان. ويعتقد الكثيرون الآن بأنه يمتلك الميزات الشخصية والكفاءات السياسية لكي يحتل أعلى موقع في القيادة الأميركية.
وبحسب استطلاعات الرأي العام الأميركي فإنه سيفوز بترشيح الحزب الجمهوري له في نهاية المطاف. كما أنه سيتغلب على أي مرشح ديمقراطي يقف في وجهه سواءً أكان اوباما أو هيلاري كلينتون.
هذا وقد قدم نفسه كأحد أتباع رونالد ريغان، وقال للشعب الأميركي بأنه سيسير على نهجه وخطه السياسي. وهذا يعني أنه سيكون رئيسا قويا جدا إذا ما انتخب.
وأما من الناحية الشخصية فالرجل متزوج للمرة الثانية وله سبعة أولاد من بينهم طفلة بنغلاديشية تبناها كابنته. وهذا دليل على أنه ليس عنصريا. فهل سندخل في عهد جون ماكين بعد أن عانينا من عهد بوش لمدة ثماني سنوات؟
*الكتاب:جون ماكين
صورة قائد جمهوري
*الناشر:روزين بوبلشنغ غروب
نيويورك 2007
*الصفحات :112 صفحة من القطع الكبير
John McCain : profile of a leading republican
Kira Wizner
Rozen Publishing Group- N.Y 2007
P.112
