تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يسعى إلى معرفة إستراتيجية إسرائيل الأمنية وسياساتها الحالية والمستقبلية وتأثير ذلك على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي عموما والفلسطيني الإسرائيلي بشكل خاص وكذلك على مستقبل عملية السلام في المنطقة.
ومن أجل القيام على هذه المهمة سعى المؤلف خالد وليد محمود إلى رصد وتحليل العوامل التي أسهمت بصورة أو بأخرى في خلق المناخ الأمني المعقد المحيط بإسرائيلي تحديدا في الفترة الزمنية 1991 - 6002 وإبراز مصادر التهديد التي لحظتها الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية في تلك الفترة سواء المهددات الداخلية التي تتمثل بالمقاومة والخطر الديمغرافي أو الخارجية المتمثلة بإيران وبرنامجها النووي والصواريخ الباليستية والإرهاب والأصولية الإسلامية والجبهة الشمالية ممثلة في سوريا وحزب الله وكذلك إعطاء تصور مستقبلي لمعالم استراتيجية إسرائيل الأمنية، واستشراف مستقبلها. في أبعاد تحديد المعيار الذي اعتمده لدراسته يشير المؤلف إلى الأهمية التي تحتلها مسألة الأمن بالنسبة لإسرائيل والتي تتصدر قائمة مكونات الأهداف الإستراتيجية العليا ويجري تصوير الأوضاع والمتطلبات الخاصة بهذه المسألة على أنهما يشكلان مرادفا لوجود دولة إسرائيل .
ومن هنا فإن الحفاظ على الأمن الإسرائيلي إزاء المخاطر والمهددات الداخلية والخارجية يتم من خلال التشديد على تجنيد مختلف الطاقات الذاتية والتحالفية في اتجاه يهدف إلى الحفاظ على هذه المسألة التي راحت ترتبط بظروف البيئة الإستراتيجية وتتحكم بها متغيرات داخلية وأخرى خارجية تخضع لمعطيات الواقع الراهن وتحولات السياسة الدولية.
ويوضح المؤلف أن العرب لم ينجحوا على الرغم من تخليهم منذ سنين طويلة عن الخيار العسكري وتراجعهم عن أفكارهم الداعية إلى تدمير دولة إسرائيل في إقناعها بالتخلي عن مفاهيمها الأمنية القديمة ولم يستطيعوا نزع ذريعة الأمن من القيادة الإسرائيلية بل استخدمتها إسرائيل كمبرر للهروب من دفع استحقاقات السلام مع سوريا ولبنان والفلسطينيين حتى الآن.
يستعرض المؤلف في إطار التقديم لدراسته للأطر المفاهيمية للأمن الإسرائيلي في ضوء ما يصفه من انطوائه على قدر من الغموض والتعقيد أحيانا وقد يكون امتزاجه بالأسطورة الدينية أحد أسباب هذا التعقيد.
وعلى ذلك يستعرض المراحل التي مر بها مفهوم الأمن منذ قيام إسرائيل عام 1948 والتي يحددها المؤلف في أربع مراحل أساسية هي مرحلة القاعدة الاستيطانية ثم مرحلة تحويل القاعدة إلى دولة ثم مرحلة التوسع والسيطرة ثم مرحلة الهيمنة.
ومما يشير إليه الكتاب هنا أن الإستراتيجية الإسرائيلية ظلت موضع إجماع داخلي بين كافة القوى الحزبية بمختلف تلاوينها السياسية والأيديولوجية وأنه خلال نصف قرن طورت إسرائيل استراتيجيتها باتجاهات هجومية وأكثر عدوانية ولم تلغ أيا من الركائز الأساسية للأمن باستثناء إقرارها عام 1991 بوجود شعب فلسطين واعترافها بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا له.
ثم يعرض لنا المؤلف استراتيجية الأمن الإسرائيلي في بيئة متغيرة فيشير إلى أن البيئة الإستراتيجية الجديدة في العقدين الأخيرين ونتيجة لما حفلت به من تطورات نوعية لصالح إسرائيل أدت إلى ضعف الجبهة الشرقية بشكل كبير في مواجهة إسرائيل، وهو ما انعكس في دفع خطر اجتماع جيوش عربية لمواجهة إسرائيل إلى مكان خلفي في سلم أولويات التهديد للأمن القومي الإسرائيلي وبات هذا الخطر كما يصفه الإسرائيليون بالخطر النظري البعيد عن التحقق.
إلا أنه في مواجهة هذا الخطر أو هذا التهديد تقدمت أخطار أخرى توصف إسرائيليا بأنها أخطار وجودية عليها وتعد أكثر تهديدا من تلك التي كانت سائدة من قبل وتتصل بشكل رئيسي بالأسلحة غير التقليدية وانتشارها في المنطقة وخصوصا التطور في منظومة الصواريخ الباليستية وكذلك البرنامج النووي الإيراني وسعي إيران لحيازة أسلحة دمار شامل إضافة إلى حرب العصابات كاستراتيجية لدى خصوم إسرائيل وأعدائها وهي المفعلة حاليا من قبل منظمة حزب الله اللبناني.
ومن قبل المقاومة الفلسطينية والذي تمزجه إسرائيل بالأصولية الإسلامية على النحو الذي ترى معه أن مسألة ازدياد قوة الإسلام السياسي ونفوذه في دول الشرق الأوسط إنما يشكل أحد التحديات الرئيسية التي يجب التحسب لها. هذا إلى جانب التحدي السوري .
والذي ترى إسرائيل أنه يشكل الخطر المركزي بعد إيران ضدها ويعتقد خبراؤها الأمنيون أن دمشق ستستمر بالتسلح وستستغل أول فرصة تسنح لها لشن هجوم مباغت لاسترجاع الجولان أو جزء منها.
وعلى ذلك فإنه وفي مواجهة هذه التهديدات الجديدة خاصة في ضوء الأداء السلبي للجيش الإسرائيلي في مواجهة حزب الله خلال حرب صيف 2006 كان اللجوء إلى تجديد النظرية الأمنية الإسرائيلية بما يتناسب مع التهديدات الجديدة ومن أبرز ملامحها الإبقاء على قاعدة الجيش الصغير والمتطور مع إدخال أجهزة ونظم قتالية حديثة والتزود بالأسلحة المتطورة وعالية الدقة، مع التشديد على الأهمية القصوى لمبدأ الردع ليكون ناظما للعمل الإسرائيلي تحت عنوان حماية السلام مع العرب بالقوة العسكرية.
كما ستقوم إسرائيل ولمواجهة الإخفاقات الأخيرة مع حزب الله بإعادة التفكير في نظريتها الدفاعية ولن يظل الاعتماد مطلقا على سلاح الجو وستصرف مليارات الدولارات لتطوير الدروع ودبابة ميركافا وستوسع نطاق عملياتها الاستخباراتية وقوات مكافحة الإرهاب وتكتيك المواجهة في حروب العصابات غير النظامية.
كما تتضمن الإستراتيجية الجديدة تجميد العمل وفق مبدأ نقل الحرب إلى أرض العدو والاكتفاء بتكثيف القصف الجوي الصاروخي والحرب الإلكترونية من دون الحاجة إلى تحريك القوات والسعي لتحطيم القوة العسكرية والاقتصادية التي تشن الحرب على إسرائيل وهذا ما بدا واضحا في المواجهة العسكرية التي جرت مع حزب الله، وهذا يعني نقل الحرب بما يسمى «أمن الدفاع الذاتي».
كما تراجعت فكرة الحرب الوقائية ضد الدول العربية في ظل ميزان القوى القائم حاليا أو على المدى المنظور والتمسك بمبدأ الضربة الاستباقية التي تخل استراتيجيا في مجال أسلحة الدمار الشامل وخصوصا التسلح النووي. من هذه النقطة ينتقل بنا المؤلف إلى استعراض استراتيجية إسرائيل العسكرية والتي تحتل محورا مركزيا في الفكر الأمني الإسرائيلي.
حيث ما زال العامل العسكري أحد أكثر العوامل بروزا وحسما على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي وعلى الرغم من أن العوامل الأخرى السياسية والاقتصادية كانت دائما بالغة الأهمية فإن الغلبة المباشرة كانت دوما على الصعيد الإستراتيجي للطرف الممسك بزمام الأمور عسكريا.
وتماشيا مع مبدأي التفوق النوعي والردع اللذين يشكلان ركنا أساسيا في العقيدة العسكرية الإسرائيلية واللذين فرضهما واقع الخلل في المعطيات الإستراتيجية والأولوية لميزان القوى الإستراتيجي العربي الإسرائيلي عملت إسرائيل على بناء قوة عسكرية تتمتع بتفوق كيفي يتيح لها تعويض النقص الكمي في الإمكانات والمعطيات الإستراتيجية بالقياس إلى الإمكانات والمعطيات المقابلة عربيا.
وفي هذا الإطار يستعرض المؤلف خصائص التسلح والحرب المقبلة والبرنامج الفضائي الإسرائيلي والعلاقات الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة. ويخلص المؤلف من خلال ذلك إلى الإشارة إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ما زالت تحتفظ بالتفوق النوعي في جيشها وسلاحها وما زال ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط يميل لمصلحتها.
ويوضح أنه يتضح من المعطيات أن الصناعات العسكرية الإسرائيلية في تقدم مستمر وما زالت إسرائيل الدولة النووية الوحيدة في المنطقة فهي ما زالت تملك أقوى سلاح رادع يدرأ عنها الأخطار الإستراتيجية أو خطر الزوال في المستقبل القريب.
غير أنه يوضح أنه رغم ذلك فثمة نقاط ضعف طرأت على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خصوصا على صعيد الجيش الذي حصل فيه ترهل ضمن مجالات التدريب ومستوى الطاقة البشرية والبنية والتنظيم الأمر الذي بدا واضحا في المواجهة العسكرية التي خاضتها إسرائيل ضد حزب الله في يوليو 2006 .
والتي شوهت صورة الجندي الإسرائيلي وأثارت حالات التمرد في صفوفه. كما أن الفشل الذي لازم الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان أدى إلى حدوث اختراقات وثغرات أصابت المنظومة الأمنية الإسرائيلية على شاكلة تحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر.
وهنا يشير إلى أن الجدل السياسي الدائر في إسرائيل سبب للجيش مشكلات خاصة، فالانقسامات الحادة أحيانا حول مستقبل عملية السلام والانسحابات من الأراضي المحتلة كسرت الإجماع القومي على قضايا الدفاع وكانت عملية السلام قد أثرت كثيرا في قدرته القتالية وميزانية الدفاع ولعل هذا ما يبرر تنامي المعارضة لعملية السلام في صفوف أغلبية الجنرالات الإسرائيليين.
من هذه النقطة يبحث المؤلف خيارات الأمن والسلام بالنسبة لإسرائيل فيشير إلى أنه حكم رؤية إسرائيل الأمنية ودورها في المنطقة تاريخ محدد هو تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وهو تاريخ ما زال يحتفظ بتأثيراته القوية والمباشرة في صياغة تلك الرؤية ولهذا نجد تاريخ الصراع هذا يصبغ المفاصل الرئيسية لرؤية إسرائيل للتسوية بمكوناتها السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية كما انعكست تأثيراته على إدارتها للمفاوضات الثنائية ومتعددة الأطراف.
ويتطرق المؤلف في هذا الصدد إلى عدة زوايا منها أولويات السلام والأمن لإسرائيل، والآثار التي تركتها عملية السلام على السياسة الأمنية الإسرائيلية. كما يلقي الضوء على التصورات الإسرائيلية وطبيعة العلاقات الاقتصادية المستقبلية التي تؤمن لها أمنها من خلال استبدال أمن الحدود بأمن الأعماق الاقتصادية وفي طروحات مشروع الشرق الأوسط الجديد مع استعراض مستقبل الأمن الإسرائيلي.
*الكتاب:آفاق الأمن الإسرائيلي
*الناشر:مركز الزيتونة
بيروت 2007
*الصفحات:217 صفحة من القطع الكبير
مصطفى عبد الرازق

