يعتبر المؤلف أن الهجرة اليهودية على فلسطين قد شكلت المورد الأساسي لتوفير قاعدة سكانية لإقامة المشروع الصهيوني وتنفيذه في فلسطين، وتعزيزاً لهذا الوجود، كان من الضروري تأسيس اقتصاد قوي وجاذب لكل يهود العالم للعودة والاستقرار في فلسطين.

إضافة إلى إنشاء جيش قوي ورادع يحمي المنجزات التي حققتها الحركة الصهيونية والمتمثلة في إسرائيل. لقد شهدت فلسطين سيلاً من الهجرات اليهودية المنظمة قبل عام 1948 ليصبح مجموع اليهود في فلسطين في مايو 1948 (إعلان دولة إسرائيل) حوالي 650 ألف يهودي.

وقد تضافرت عدة عوامل ساعدت على تدفق تلك الهجرات، مثل: سقوط الدولة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى، والدعم المقدم من المنظمات الصهيونية العالمية، والتسهيلات التي منحتها سلطات الاحتلال للحركة الصهيونية.

وعموماً فإن الهجرة اليهودية لم تتخذ طابع الجذب والطرد وفق العوامل الموضوعية المعروفة في مجتمعات العالم، وإنما اتخذت طابعاً منظماً، بداية من تهيئة الظروف السياسية كعوامل طرد وصلت إلى حد ارتكاب المذابح ضد اليهود لتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، وكعوامل جذب، كانت الدعاية الصهيونية ترفع شعارات القومية والدينية، وذلك في وجود شبكة علاقات دولية ضامنة لهذا الإطار متمثلة في الحماية البريطانية.

وتشير الإحصاءات الصادرة عن مكتب الإحصاء الإسرائيلي عام 2005 إلى أن سكان إسرائيل قد وصل إلى حوالي ستة ملايين وثمانمائة ألف نسمة، منهم خمسة ملايين وخمسمائة ألف يهودي، ومليون وثلاثمائة ألف عربي، وبتركيب عمري متمثل في 29% من الأطفال، 10% من كبار السن، 61% في سن العمل، بما يمثل مجتمعاً ناضجاً بالمقاييس الديموغرافية.

وبالنظر إلى معطيات التركيبة الإثنية والعرقية للمجتمع الإسرائيلي، ومناطق التركيز السكاني النوعي، ومعدلات الزيادة السكانية داخل تلك المجموعات، فقد أوصى مجلس الأمن القومي الإسرائيلي في تقاريره، والمقدمة إلى رئيس الوزراء مباشرة، إلى ترسيم الحدود الإسرائيلية ـ الفلسطينية على أساس الميزان الديموغرافي الأمني باعتباره ضماناً لقيام دولة يهودية ديمقراطية بعيدة الأمد.

وقد طرح هذا المجلس ثلاثة مفاهيم أساسية للاختيار فيما بينها: الاتفاق على مشروع الدولتين، أو الانفصال عن الفلسطينيين وإقامة الجدار الفاصل سياسياً، وجغرافياً وبشرياً، أو قيام دولة واحدة ذات سيادة.

إن هاجس ضمان أمن إسرائيل هو حجر الزاوية في العقيدة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، كما أنه ركيزة النمو الاقتصادي الحقيقي، فضلاً عن كونه عاملاً من عوامل الجذب الأساسية ليهود العالم إلى فلسطين.

من هذا المنطلق يعقد سنوياً في مدينة «هرتسيليا» مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي والذي يبحث في وضع الخطط والسياسات المناسبة لمواجهة التحديات التي تواجهها إسرائيل وفقاً لتقارير مراكز الأبحاث والجامعات والأحزاب المختلفة.وقد ركز العديد من مؤتمرات هرتسيليا على الهاجس الديموغرافي بفعل المعدلات العالية للنمو السكاني العربي (3, 1 مليون عام 2005 مقابل 156 ألفا عام 1948) ونسبة 18% من عدد السكان.

وهو ما يطرح تحدياً حقيقياً على المدى البعيد بشأن الهوية الإسرائيلية أو ما يسمى ب« يهودية الدولة»، إضافة إلى الوزن الانتخابي والتأثير الاجتماعي العربي على الرغم من سياسات التمييز العنصري، والتهويد، وتهميش العرب.

وفي السياق نفسه يلعب العرب دوراً كبيراً في المشهد السياسي الإسرائيلي من خلال تطور البنى الحزبية والمؤسسية العربية المستقلة، والميل المتزايد من أجل نيل حقوق المواطنة ورفض سياسات التمييز وما ينتج عنها من وقيعة بين العرب والدروز والبدو والشركس، والمشاركة في الحياة السياسية داخل إسرائيل (وصول نواب عن الأحزاب العربية إلى الكنيست الإسرائيلي).

ويتحدث الكاتب عن مؤشرات الاقتصاد الإسرائيلي وخاصة تلك المتعلقة بمستوى الدخل الفردي والتنمية البشرية.وقياساً على الاتجاه العام لمعدلات النمو الاقتصادي الإسرائيلي عن الفترة (2000- 2006) والتي وصل فيها الناتج المحلي الإجمالي إلى 150 مليار دولار عام 2006، فإن تلك القيمة سوف تصل إلى 200 مليار دولار عام 2015.

وبمتوسط دخل فردي 25 ألف دولار سنوياً بما ينعكس بشكل إيجابي على مؤشرات التنمية البشرية (صحة ـ تعليم ـ إسكان) والتركيز على مخصصات البحث العلمي والتي تجاوزت في تقديرات الفترة (1990- 2006) مثيلاتها لدى العديد من الدول المتقدمة مثل السويد والنرويج.إلا أن الكاتب يوضح مدى اعتماد هذا الاقتصاد على المساعدات الخارجية، وخاصة تلك الأميركية، والتي بلغت 90 مليار دولار عن الفترة (1948- 2006)، وبنسبة 60% مساعدات عسكرية، و40% مساعدات اقتصادية.

وقد تغير حجم تلك المساعدات بتغير الظروف العسكرية التي مرت بها إسرائيل. فقد منحت الولايات المتحدة إسرائيل حوالي 283 مليون دولار عام 1974 لتعويض خسائرها عن حرب أكتوبر 1973، كما منحتها 3 مليارات دولار عن الفترة (1989- 2002) تعويضاً عن تضررها من حرب الخليج الثانية، ولمساعدتها على استيعاب المهاجرين اليهود من دول الاتحاد السوفييتي السابق.

ويرى الكاتب أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يمكن له الصمود أو الاتزان بدون تلك المساعدات والتي تشكل باستمرار موردا هاما من موارد الدولة في الموازنة العامة الإسرائيلية. ويتحدث الكاتب عن الإجراءات التعسفية التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية لمصادرة المياه العربية. فقد ركزت إسرائيل وعلى لسان قادتها الأوائل مثل «ديفيد بن جوريون» على دور المياه في تطور واستمرار إسرائيل، حيث قال: من أجل بقائنا يجب أن تكون مياه نهر الليطاني ونهر الأردن ضمن حدودنا.

وهو ما تم ترجمته إلى واقع عملي بالسيطرة على مياه نهر الأردن في الضفة الغربية وشمال فلسطين ومنابعه في لبنان مثل نهر الحاصباني، وفي سوريا في مناطق الجولان المائي وجبل الشيخ وبنسبة 88% من مجموع مصادر المياه الفلسطينية المحدودة أساساً.

ويتضح ذلك باستعراض متوسط الفرد من المياه في الضفة والقطاع والبالغ 40ليترا/ يوم، بينما نظيره الإسرائيلي 400ليتر/ يوم، ونظيره العالمي 150ليترا/ يوم، بما يعني أن شبح العطش والتصحر يخيم على الفلسطينيين على المدى البعيد.

وفي حديثه عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية يرى الكاتب أن الأمن الاستراتيجي يعتبر الأولوية الرئيسة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، ويتم ذلك بالتنسيق بين وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة في «تساحال» (الجيش الإسرائيلي).ومن مبادئ تلك العقيدة: مبدأ الحرب الخاطفة، والحرب الوقائية أو الاستباقية، ومواجهة الجيوش العربية كل على حدة،.

والاستناد إلى قوة دولية كبرى، ونقل المعركة باستمرار إلى أراضي العدو، وخيار الردع النووي والذي يستند إلى مبدأين أساسيين وفق التصور الإسرائيلي، الأول أن العنصر البشري في ميزان القوة العسكرية سوف يكون في صالح العرب بمرور الوقت، ووفقاً لتطورهم التقني والعلمي، والثاني، واستناداً إلى التجربة التاريخية، لا يمكن الاعتماد على الضمانات الدولية للمحافظة على أمن إسرائيل.

ويستعرض المؤلف تشكيلات الجيش الإسرائيلي البرية والبحرية والجوية، مع إشارة لدور القوى الكبرى، لاسيما الأميركية والفرنسية، في بناء الترسانة العسكرية الإسرائيلية، مع التركيز على الأسلحة الغير تقليدية مثل الصواريخ البالستية (جاريكو- أوفيك- شافيت) والمنظومة النووية.

وعن مستقبل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية يرى المؤلف أنها سوف تسعى لإدخال التقنيات الحديثة على كل أنواع الأسلحة المتوفرة لديها للإبقاء على التفوق النوعي على الجيوش العربية، علاوة على التلويح باستخدام خيار الردع النووي والذي يمكن تحميله على الصواريخ البالستية في وقت أصبحت فيه إسرائيل الدولة الأولى في مجال العلاقات الاستراتيجية الدولية للولايات المتحدة الأميركية مع دول العالم، حيث يتضح للجميع أن الولايات المتحدة، وفي تعاملها مع إسرائيل، تعدها واحدة من الولايات الأميركية مع فارق المسافة الجغرافية الفاصلة.

*الكتاب:ملامح البنية الديموغرافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية لإسرائيل حتى عام 2015 م

*الناشر:صفحات للدراسات والنشر دمشق 2008

*الصفحات:128 صفحة من القطع الكبير