مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والأكاديمي الفلسطيني ماهر الشريف الذي يقيم في دمشق. حاز على درجة دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من معهد تاريخ الحركة النقابية التابع لجامعة باريس الأولى ـ السوربون عن رسالته المعنونة بـ «الشيوعية والمسألة القومية العربية في فلسطين 1919 ـ 1948 م».
نشر العديد من الكتب والمؤلفات، ومنها: «الأممية الشيوعية وفلسطين 1919 ـ 1928»، و«البحث عن كيان»، و«رهانات النهضة في الفكر العربي»، و«فلسطين في الأرشيف السري للكومنترن»، و«تيار الإصلاح الديني ومصائره في المجتمعات العربية» بالاشتراك مع سلام الكواكبي، وغيرها من المؤلفات التي تناولت، في غالبيتها، حركة اليسار العربي، وتاريخ الحركة الشيوعية في فلسطين. له مساهمات قيّمة في مجال الترجمة، ولعل من أهم ترجماته كتاب: «تأسيس المجتمع تخيليا» لكورنيليوس كاستورياديس، وهو، إلى جانب جهوده في مجال نشر الكتب، تأليفا وترجمة، يتابع باهتمام القضايا السياسية والفكرية الملحة؛ المثارة في المشهد الثقافي والسياسي العربي، إذ ينشر باستمرار في الصحف والدوريات العربية. ولعل كتابه الأخير «تطور مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي»، الذي نحن بصدده، والصادر، أخيرا، عن دار المدى (دمشق ـ 2008)، يأتي في سياق اهتمامه بالمسائل التي تفرض نفسها على الباحث، في المرحلة الراهنة، كمسألة «الجهاد» التي تثار، الآن، في مختلف المناسبات والمؤتمرات والندوات، لارتباطها العميق بالظروف والوقائع التي تمر بها المنطقة والعالم.
إن مفهوم الجهاد هو من المفاهيم التقليدية التي ظهرت مبكرا في الفكر الإسلامي، وبمرور كل هذه القرون شهد هذا المفهوم تحولات عدة، وظهرت له تعريفات شتى تباينت في مقاربة هذا المفهوم تباينا عميقا حتى فرغ هذا المفهوم من محتواه، وطوع، قسرا، كي يتناسب مع توجهات بعض الحركات الأصولية المتطرفة، إذ أصبح مفهوم الجهاد، وفقا لتنظير بعض الحركات الإسلامية الراديكالية التي تنشط في العالم العربي والإسلامي، نوعا من التبرير لعمليات انتحارية تحصد أرواح الأبرياء، ولتفجيرات عنيفة تهدد أمن المجتمعات.
ونظرا لهذا الخلط الذي رافق هذا المفهوم منذ ظهور الإسلام وحتى اللحظة، يسعى الباحث ماهر الشريف إلى تقصي التطور الذي شهده مفهوم الجهاد، وهو إذ يمضي نحو هذا الهدف فإنه ينأى بنفسه عن إعطاء أحكام قيمة، أو فرض آراء حاسمة، على نحو قسري.
بل يكتفي بإبراز التناقضات التي وقع فيها الفقهاء والعلماء بخصوص تفسيراتهم لهذا المفهوم، وإنْ كانت مرجعياتهم هي القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فالدافع الذي قاده إلى إنجاز هذا الكتاب، كما يقول الشريف، هو فهم معنى الجهاد في الماضي والحاضر.
ولعل التركيز على هذه التناقضات ينبه القارئ إلى حقيقة واحدة تتمثل في أن لا أحد يمكنه الإدعاء بامتلاك الحقيقة كاملة، لاسيما وان مفهوم الجهاد لم يكن ثابتا على الدوام، بل كان عرضة لتأويلات وتفسيرات مختلفة تتواءم مع الظروف والمعطيات والوقائع المستجدة في كل مرحلة.
من هنا يمكن الاستنتاج بان مزاعم الحركات الإسلامية السياسية المتطرفة؛ القائلة بأنها تمارس الجهاد وفقا للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، ما هي إلا مزاعم واهية يدحضها الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث، والممارسات الجهادية التي كان يتبعها الرسول الكريم خلال غزواته الكثيرة، ودعوته إلى الإسلام.
وعليه فإن إشكالية هذا البحث تتمحور حول العلاقة بين النصوص التأسيسية وتفسيرها، أو تأويلها، ويختزلها السؤال التالي: إذا كان مفهوم الجهاد يجد سنده في القرآن وفي الأحاديث النبوية، فكيف تعامل المعبرون عن الفكر الإسلامي مع هذا المفهوم عبر مراحل التاريخ الإسلامي؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يبدأ الباحث كتابه بفصل، يسلط فيه الضوء على عدد من الكتابات التي عالجت موضوع السير والجهاد، وبلورت عقيدة الجهاد وفلسفته في إسلام العصر الوسيط، كما وردت في مؤلفات علماء بارزين من أمثال عبد الرحمن الأوزاعي ( 707 ـ 774م)، ومالك بن أنس الذي عاش في القرن الثامن الميلادي، والإمام الشافعي (767 ـ 820 م)، وابن تيمية (1263 ـ 1328م) وسواهم. ويقول الشريف بأن اهتمامه بدراسة الفكر الإسلامي بدأ لدى انفتاحه، قبل نحو عقدين، على فكر عصر النهضة.
هذا الفكر الذي تميز بـ «الروح النقدية والعقلانية المنفتحة»، كما يقول الشريف الذي يستعرض، في كتابه، آراء ووجهات نظر ابرز رموز هذا الفكر، مثل جمال الدين الأفغاني (1839 ـ 1897) الذي اقتنع بوحدة النوع الإنساني ووقف بحزم ضد الحروب، والشيخ محمد عبده (1849 ـ 1905) الذي طالب بالدعوة إلى الإسلام بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، وعلي عبد الرازق (1888ـ 1966) الذي دعا إلى الجهاد في سبيل المُلك لا في سبيل الدعوة، والمصلح التونسي عبد العزيز الثعالبي (1874ـ 1944) الذي شدد على أن الإسلام دين التسامح.
ويصل الشريف بعد ذلك إلى استنتاج مفاده أن الإسلام السياسي لم يكن، كما يعتقد بعض الباحثين العرب والغربيين، «امتدادا للإصلاح الديني، بل مثّل قطيعة معه»، مهد لها الانقلاب الذي طرأ، في سياقات تاريخية محددة، على تفكير الشيخ محمد رشيد رضا (1865 ـ 1935) في المرحلة الأخيرة من حياته، والذي جعله يبتعد، ابتعادا كليا، عن أفكار أستاذه الإمام محمد عبده.
هذا الانقلاب الذي بدأ به رشيد رضا، والذي مهد لتغير النظرة إلى الجهاد، وجد تجلياته في كتابات منظري الإسلام السياسي أو الحركي من أمثال حسن البنا الذي أسس، في العام 1928، في مدينة الإسماعيلية «جماعة الإخوان المسلمين»، والباكستاني أبو الأعلى المودودي الذي أسس في العام 1941 في مدينة لاهور «الجماعة الإسلامية»، ونفى الحاكمية للبشر فالحاكمية هي لله وحده، وكذلك كتابات المصري سيد قطب الذي اعدم في العام 1966 م.
طرأ في كتابات هؤلاء المنظرين الثلاثة وسواهم مثل الفلسطيني عبد الله عزام، والسوري سعيد حوى، تغير على الموقف من الجهاد، بحيث غاب التمييز القديم بين «الجهاد الدفاعي»، و«الجهاد الهجومي»، وانتعشت الفلسفة التي ترى أن «الله لا يقبل دينا غير الإسلام»، وان هدف الجهاد «الذي سيستمر إلى يوم القيامة» هو نشر هذا الدين الحق بين الناس في العالم بأسره.
وينتقل الباحث في الفصل الخامس إلى استعراض الأفكار المتباينة، التي عرضها في السنوات الأخيرة، خمسة من الفقهاء والعلماء المسلمين السنة حول مسألة الجهاد، وهم: علي بن نفيع العُلياني، ومحمد سعيد رمضان البوطي، وابراهيم النعمة، ووهبة الزحيلي، ويوسف القرضاوي.
كما يستعرض مواقف ثلاثة من علماء الشيعة، من المسألة نفسها، وهم محمد المؤمن، وعبد الكريم آل نجف، محمد حسين فضل الله. وينهي البحث كتابه بفصل يحلل، من خلاله، مواقف بعض أنصار مذهب اللاعنف في الإسلام، الذين يدعون إلى التحرر من فقه العصور الوسطى، من أمثال محمد مهدي شمس الدين، وجودت سعيد، وخليل عبد الكريم، ومحمد شحرور.
ورغم أن الباحث يبتعد عن التقييمات والأحكام القطعية، إلا انه، وفي خاتمة الكتاب، يضم صوته إلى صوت أولئك العلماء والمفكرين المسلمين المعاصرين الذي يرفضون مبدأ اللجوء إلى العنف المسلح، ويؤيد تلك الآراء القائلة بأن خروج المسلمين من الأزمة التي يواجهونها.
وتعافيهم من مرضهم، يتطلبان قيام إصلاح ديني حقيقي، يعيد النظر في التراث الفقهي، ويقرأ القرآن والسنة النبوية قراءة جديدة، توفر أصولا جديدة للفقه والتشريع، وتساهم في إبداع نظرية حديثة للدولة والمجتمع تضمن «ولاية الأمة على نفسها»، فهذه الدعوة، كما يرى الشريف، تشكل مدخلا إلى نهضة العرب والمسلمين.
*الكتاب:تطور مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي
*الناشر:دار المدى ـ دمشق 2008
*الصفحات:343 صفحة من القطع المتوسط
ابراهيم حاج عبدي

