مؤلف هذا الكتاب هو د. مهند مبيضين، الكاتب والأكاديمي الأردني، أستاذ التاريخ العربي الحديث والمعاصر في جامعة فيلادلفيا في عمان بالأردن، ويعمل في صحيفة «الغد» الأردنية، ويكتب في الصحافة العربية والمجلات الثقافية. صدر له كتاب «فكرة التاريخ عند العرب في العصر العثماني، 2006»، وكتاب «حوادث دمشق اليومية غداة الغزو العثماني للشام 926-956، 2004».
وينطلق في كتابه «الفكر السياسي الإسلامي والإصلاح»، من فرضية تفيد أن العرب لم يأنسوا الطاعة طيلة العصر العثماني، فحاولوا الحدّ من الاستبداد ومقاومته منذ بدايته.
واستمروا في ذلك طيلة القرنين السابع عشر والثامن عشر مع تنامي الوعي بالهوية العربية، وبالتالي فإن انفتاح العرب على الغرب بعد حملة نابليون لم يكن بداية الإفاقة أو ما عُرف بـ «اليقظة العربية»، كما تذهب بعض الدراسات، بل مثّل استجابة لتحدي المواجهة.
وفي نفس الفترة التي عاشها العرب في ظل الاستبداد إبان العشرية الأخيرة من العهد العثماني كان في إيران رفض للاستبداد القاجاري، لذلك فإن البحث يدور حول التجربتين: العربية في ظل الحكم العثماني والإيرانية في العهد القاجاري.
ويتجه هدف المؤلف إلى السؤال عن الكيفية التي جرى وفقها التفكير في تقييد الاستبداد، والانفراد في الحكم، وعن المآل الذي آلت إليه أحوال العرب، إذ باتوا اليوم مجرد كتلة هامدة خارجة عن التاريخ. فيما يجري البحث عن لحظات مفارقة، جسدها لامعون في معركة مغالبة الاستبداد وتصحيح النظر عند السلطة من أجل رؤية عادلة لمصائر الشعوب.
وهؤلاء اللامعون لم يفقدهم المجال الفكري والسياسي، العربي والإسلامي، بل ظلوا يمثلون حلقات مستمرة من عصر إلى عصر، ولكن المؤلف يشكو من غيبتهم عن دارسي عصر النهضة في حقبة رمادية امتدت من العام 1516 وحتى وصول الغازي الفرنسي نابليون بونابرت إلى مصر مبشراً بالحرية ومجالس الحكم عام 1798.
ويبدأ المؤلف من لحظة تعود إلى القرن السادس عشر، هي اللحظة التي وجه فيها ابن علوان نصيحة مكتوبة إلى السلطان سليم الأول، دعاه فيها إلى رفع الظلم، ومذكراً إياه بمسؤوليته تجاه رعيته. ويرى أن النقد الذي وجهه ابن علوان لأحوال عصره لم يكن مستتراً وبعيداً عن مرأى السلطة العثمانية، بل استمر في العديد من المؤلفات التي تحوي أشعاراً ناقدة للحياة.
وبقي النقد لسياسات العثمانيين مستمراً مع القرن السابع عشر الميلادي حتى في الأناضول والبلقان، متخذاً شكل النصح المماثل لنموذج ابن علوان الحموي، حيث تؤيد مصادر التراث العربي - الإسلامي أن دفع الظلم كان سؤالاً ماثلاً، وأن المعارضة والمقارعة وجدتا صياغاتهما في مواقف مختلفة، ويؤكد ذلك رفض علماء دمشق البقاء على الحياد عندما كثرت الشكاوى ضد العسكر وتمردهم وبطشهم، فواجهوا الوالي العثماني أسعد باشا بالنقد الشديد.
فما كان من الأخير سوى أن طلب منهم استلام إدارة المدينة، لكنهم عجزوا عن إدارة شؤون الحكم. وعليه يعتقد المؤلف أن أهم سبب لفشل أفكار الإصلاحيين العرب في القرن التاسع عشر أنهم لم يشاركوا في السلطة، واكتفوا بممارسة النقد والتنديد بالظلم، الأمر الذي يقود إلى النظر في علاقة السلطة الثقافية بالسلطة السياسية.
ويأخذ المؤلف على أغلب دارسي حركة النهضة والوعي العربي أخذهم بمسلمة خاطئة، مفادها ان الشعور بالوعي القومي العربي ظهر في القرن التاسع عشر بفعل المؤثرات الغربية، ولا سيما الثورة الفرنسية، فوضعوا تأريخاً لهذا الوعي حين ربطوا بين فكرة الوحدة العربية والرابطة الدينية، وهي مسلمة لا تصمد أمام الفحص الدقيق للتراث العربي خلال الحقبة العثمانية.
حيث ارتسمت ملامح الرفض والثورة على استبداد الدولة في إطار المدينة والحواضر الكبيرة، وامتدت إلى فلاح بلاد الشام، حيث تحول إلى قاطع طرق على رجال الدولة وعسكرها، أو ترك الأرض وهاجر إلى المدينة، وأبقى على جاهزية الرفض وتأييد أية محاولة للخروج عن الطاعة.
وبعد تقديمه لنماذج في رفض الاستبداد والظلم سواء في القاهرة أم في دمشق، يؤكد المؤلف على أن جهة العلماء وفرت ملاذاً للمجتمع العربي في العصور الحديثة في مواجهة الظلم والفساد، حيث استثمر العلماء بشكل جيد قوتهم الفاعلة في أوساط العامة، ومنحهم ذلك قوة تفاوضية مع السلطة، الأمر الذي قادهم إلى تحقيق نجاح في ممارسة دور الدفاع عن حقوق الناس وضبط حركة المجتمع.
وفي عصر النهضة العربية والتجديد الإسلامي، حاول المفكرون معالجة مشكلة الاستبداد في الحكم، فجاءت معالجاتهم من بيئات ثقافية متنوعة، عربية وإسلامية، انعكست في تعدد الصيغ التي حاولت أن تقيد الاستبداد والانفراد بالسلطة، إذ تقدموا بالنقد السياسي للاستبداد وظلاله، وحاولوا كف يد المستبد عن الانفراد بمصائر العباد وفي الحكم، وإشادة مملكة العقل، وطالبوا بحلول مختلفة لأزمة الحكم في ضوء النظرية الإسلامية ومستجدات العصر.
ويدور البحث في هذا المجال في أعمال وكتابات كل من عبد الرحمن الكواكبي في الشام، وابن أحمد بن أبي الضياف في تونس، ومحمد حسين التائيني في إيران، وولي الدين يكن في مصر، ومحمد بيرم التونسي في تونس.
وينصب جهد المؤلف في البحث عن مصادر أفكارهم، والآليات التي اقترحوها للإصلاح السياسي، وعما إذا نجحوا في صياغة نظرية متكاملة للإصلاح، وما هي مواقفهم من السلطة الحاكمة، والكيفية التي انتهت إليها مصائر الإصلاح.
ويخلص إلى القول ان المضمون الأساسي الذي ركز عليه دعاة الإصلاح هو رفض الاستبداد بمختلف أشكاله، والتأكيد على وجود القانون، أياً كانت صوره، سواء بصيغة دستور أم هيئة عليا لأعيان الأمة، أم بشكل مجالس انتخابية أم مؤسسات ديمقراطية بمختلف أنواعها أم بتحقيق نموذج الدولة الإسلامية.
وفي كل هذه الصور ثمة إذكاء لمعنى الشورى في الإسلام وتأكيد على سلامتها في توجيه الحاكم. لكن هذا التمثل للإصلاح لم يأت من التجربة الإسلامية فقط، لأن المنظومة الفكرية عند دعاة الإصلاح كانت متأثرة بشكل كبير بالمراحل التي بلغتها الدول الأوروبية.
ويعزو المؤلف عدم إحراز أي تقدم بأي مظهر من مظاهر الإصلاح إلى محاكاة التمدن الغربي عند أبي الضياف والكواكبي وسواهما، من منطلق أن المحاكاة التي كان يسعى إليها المفكرون العرب كان ينظر إليها بريبة وخوف يصل إلى حدّ الاتهام بالتخوين والعمالة للأجنبي.
إضافة إلى أن القول بالتقدم على نمط النموذج الغربي والقول باستعادة النموذج الإسلامي الأول، كانا متداخلين في تفكير الكواكبي وابن الضياف، الأمر الذي جعل المضمون الإصلاحي، إتباعي للنموذج الإسلامي الذي ثبت عدم إمكانية استعادته، وإلحاقي لعلاقته وتصوره بإمكانية إحلال النموذج الغربي بدلاً من واقع التخلف.
غير أن الاحتجاج على سياسات الاستبداد لم يكن بلا ثمن، إذ في غالب الأحيان واجه الرافضون للاستبداد والظلم ممارسات ومضايقات عديدة من طرف النظام لنزع الشرعية عنهم، واتهم بعضهم بالزندقة والكفر، وأعدم آخرون مثل يحيى الكركي الذي أعدمته السلطات العثمانية بعد أن اتهمته بالزندقة، وكانت تهمة الزندقة أو الارتداد عن الدين وسيلة تستخدم لنزع الشرعية عن المعارض الذي تقوى شوكته ويثبت أن باستطاعته حشد التأييد الشعبي.
ولم يقتصر الاحتجاج على بلاد الشام بل كان في مصر أيضاً دور ريادي للأزهر في الاحتجاج على الظلم، حسبما يروي المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي عن حالة عصيان حدثت في عام 1794 في القاهرة ضد أحد القادة المحليين هو محمد بيك الألفي، ويصف الحادثة بالقول:
«في شهر ذي الحجة وقع فيه من الحوادث أن الشيخ الشرقاوي له حصة في قرية في شرقية بلبيس حضر إليه أهلها وشكوا من محمد بيك الألفي وذكروا له أن أتباعه حضروا إليهم وظلموهم وطلبوا منهم ما لا قدرة لهم عليه، فاغتاظ وحضر إلى الأزهر وجمع المشايخ وقفلوا أبواب الجامع..
.وأمروا الناس بغلق الأسواق والحوانيت ثم ركبوا في ثاني يوم واجتمع عليهم خلق كثير من العامة وتبعوهم وذهبوا إلى بيت الشيخ السادات وازدحم الناس على بيت الشيخ واجتمع أهل الأطراف في المسجد...وانحط الأمر على أنهم تابوا والتزموا بما اشترط عليهم العلماء».
إذاً، كان العلماء يشكلون الملاذ الأخير للعامة من الناس في مواجهة الظلم والطغيان، وقد عرف بعض العرب بتحليهم بجرأة منقطعة النظير في مواجهة طغاة الحكام وفي التعبير عن الرفض التام للاستبداد، مقابل ان أغلب الحكام كانت لديهم القوة والعزيمة في مواصلة السير في طريق الاستبداد.
ويورد المؤلف الحوار الذي دار ما بين الخديوي إسماعيل وأحمد عرابي، للتدليل على رغبة الحاكم الذي كان يريد الاستمرار في استبداده من غير الالتفات أو الأخذ بمطالب العامة من الشعب والجيش. ويبيّن الحوار كذلك على أن العامة الممثلة بالجيش كانت تريد إصلاحات حقيقية وأن يكون الحاكم مسؤولاً.
ومعروف أن أحمد عرابي قام بثورته من أجل رفض الاستبداد وتقييده، وليس من أجل الغايات التي جاء بها انقلابيو مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني في بلداننا.
ويستند المؤلف إلى ما جاء في رحلة زين العابدين المراغي لإيران إبان الثورة الدستورية أو مرحلة المشروطة، حيث قدم وصفاً للأوضاع السياسية والاجتماعية والفوارق بين فئات المجتمع وانتشار الظلم وتمادي النفوذ الأجنبي.
يتضح منه أن إيران عاشت في الدولة الصفوية السلطانية القاجارية حالة مشابهة للحالة التي كانت سائدة في الدولة العثمانية، وأنها شهدت مطالبة مماثلة بالإصلاح وما رافقه من تدخل للقوى الأجنبية، مع إحكام الاستبداد عبر مركزية صارمة ميزت حكم الشاه ناصر الدين القاجاري ثم مظفر الدين شاه ومن بعدهما محمد علي شاه، والتي تحولت مع بداية القرن العشرين إلى مركزية عسكرية ذات طابع عنصري.
وقد قاد هذا الوضع في إيران إلى ثورة المشروطة أو الدستور، وتزامن ذلك مع إعادة العمل بالدستور في الدولة العثمانية عام 1908، لكن مآل هاتين التجربتين واختلفت معها المصائر، حيث خنقت التجربة الدستورية الإيرانية مع إسقاط ثورة مصدق، ثم مع انتهاء إيران إلى نظام شمولي يستمد حاكميته من الله، في حين أن وضع العرب آل إلى مزيد من التدهور والانهيارات.
يسجل للكتاب خوضه في مسلمات عديدة ومحاولة تفنيدها، وتناوله لظاهرة الاستبداد الخطيرة والمقيمة في ربوع سلطاتنا السياسية العربية، من خلال التركيز على أبرز المقولات والأطروحات التي تناولت المشكلة، لكن الكتاب اتسم بدراسته الموجزة، والتي كان من الممكن جعلها واسعة، بعيدة عن الاستعجال في القول والنظر.
*الكتاب: الفكر السياسي الإسلامي والإصلاح التجربتان ـ العثمانية والإيرانية
*الناشر:الدار العربية للعلوم
بيروت 2008
*الصفحات:165 صفحة من القطع الكبير
عمر كوش
