تشارلز تايلور، مفكر كندي، وأحد أهم المفكرين المعاصرين في الولايات المتحدة وفي بلاده كندا. يجري تصنيفه على أنه مفكر يساري. اعتبره بيل كلنتون وتوني بلير بمثابة الفيلسوف الذي يستقيان منه الكثير من الأفكار. عمل أستاذا لفترة من الزمن ل«الفكر الاجتماعي والسياسي» بجامعة اوكسفورد. ويعمل الآن أستاذا للقانون والفلسفة في جامعة «ايلينوي» الأميركية.
منحته مؤسسة «تامبلتون» الانجليزية في العام الماضي 2007 جائزة عن مجمل أعماله قيمتها ما يعادل 2. 1 مليون يورو. وقد جاء في البيان الصحافي للمؤسسة قولها: «يبرهن هذا الفيلسوف منذ ما يزيد على 50 سنة أن العنف والتزمت يمكن محاربتهما عبر أخذ مظاهرهما الاجتماعية والروحانية في الحسبان».
له مؤلفات عديدة منها: «هيغل والمجتمع الحديث» و«تشوش الحداثة» و«التعددية الثقافية، الاختلاف والديمقراطية» و«سيرة حياة هيغل» و«مصادر الأنا الفردية»، الذي كان وراء شهرة المفكر عبر تحليله فيه للدوافع التي تعبئ الفرد في المجتمعات الحديثة واختزلها بالقول أن ما يهم هذا الفرد هو شيء واحد: ذاته الفردية بعيدا عن أية رابطة اجتماعية.
«العصر الدنيوي»، الكتاب الأخير لهذا المفكر، هو استمرارية وبلورة للأفكار التي طرحها المؤلف خلال مسيرته الطويلة حول التطرف والتزمت العقائدي والفردية المفرطة في المجتمعات الغربية الحديثة التي أصبحت «الدنيوية» تشكل بعدها الأساسي المقتصر إلى حد كبير على الاستهلاك بعيدا عن «الروحانيات».
إن تشارلز تايلور يعالج في هذا الكتاب دور المعتقدات الدينية في المجتمعات الغربية ويرى أن هذه المجتمعات قد أصبحت ذات طابع دنيوي في ظل دول حديثة غيّرت من مرجعياتها. وتقول الجملة الثانية من الكتاب: «إننا جميعا، أو تقريبا جميعا، نقبل فكرة أننا نعيش في عصر دنيوي»، وذلك بالمعنى القريب من العلماني. لكن المؤلف يقبل في الوقت نفسه واقع أن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن غيّرت كثيرا من المعطيات بحيث أن هناك عودة للبعد الديني فيما يتعلق بتسيير أمور العالم.
وتتمثل احد الأفكار الرئيسية التي يؤكد عليها تشارلز تايلور في القول ان الخطاب الذي يركز على عودة العامل الديني إلى ساحة الفعل في القضايا العامة يجعل من الصعب أكثر رؤية ما هو جديد، وذلك على خلفية التأكيد أن المتزمتين يقدمون هذا العامل وكأنه مناهض للحداثة، بل إن الإيديولوجيات المتطرفة تنادي برفض الحداثة شكلا ومضمونا. على العكس ما يحاول المؤلف أن يبرهن عليه هو أن الحداثة قد تطورت، جزئيا على الأقل، مع المعتقدات الدينية، انطلاقا منها في بعض الأحيان وليس ضدها فقط. وبالتالي الاثنان ليسا متضادين بالضرورة.
ويذكر أيضا أن الأديان نوع من «الانضباط» والتناسق في الفكر داخل مسار الحداثة. كذلك يرى شارل تايلور أن الحداثة «الدنيوية» ليست فقط إحدى ثمرات تقدم العلوم والتكنولوجيات. وهو يرفض الفكرة القائلة ان الإيمان الديني فقد من قوته بمقدار ما ازدادت المعارف العلمية لدى البشر.
ما يقصده المؤلف ب«العصر الدنيوي» ليس له علاقة مباشرة بمسألة الإيمان وإنما على واقع عدد أولئك الذين يذهبون إلى الكنائس في الغرب، والتي أصبح يعد مهجورا إلى هذه الدرجة أو تلك. وهنا يفتح قوسين لما يسميه ب«المفارقة الأميركية» فالولايات المتحدة هي أحدى أولى البلدان التي قامت بفصل الكنيسة عن الدولة في العالم الغربي، لكنها بالمقابل، وكما تدل الإحصائيات العديدة هي صاحبة نسبة من أكبر النسب فيما يتعلق بعدد الذين يمارسون الطقوس الدينية.
ويؤكد المؤلف أن الذهنية الدينية لم تعد ملازمة للعمل السياسي بالصيغة التي كانت سائدة في الغرب خلال القرن السادس عشر. لكن هذا لا يعني أبدا أن البشر قد تخلّوا عن الروحانيات. وبهذا المعنى يركز دراسته على «سياقات التديّن» وليس على الظاهرة الإيمانية نفسها.
ويميّز تشارلز تايلور بين عدة مسارات للحداثة. إذ لا يقبل بالفكرة القائلة ان المسار الغربي هو الوحيد المؤدي إلى الحداثة. وهو يؤكد على أهمية بروز نزعات إنسانية جديدة تطورت برأيه في ظل العلمانية. يقول: «أريد أن أبرهن في هذا الكتاب أن تطور العلمانية الحديثة قد تماشى، حسب رأيي، مع وصل مجتمع أصبحت فيه نزعة إنسانية مكتفية بذاتها هي الخيار المطروح بشكل واسع، وللمرة الأولى في التاريخ. ما أقصده بهذه النزعة الإنسانية هو أنها لا تسعى إلى أي هدف أبعد من التفتح الإنساني لا تذهب أبدا إلى ما هو أبعد منه».
«العصر الدنيوي» الذي يتحدث عنه مؤلف هذا الكتاب يحدده أنه نتيجة تراكم مسار طويل استمر قرون عديدة من التاريخ الغربي. وكانت مكانة الدين قد تغيرت هي الأخرى خلال الفترة نفسها. وهذا ما يدرسه المؤلف في إطار ما يسميه «المسيحية الغربية» وعلاقتها مع الحداثة وخاصة في مظاهرها الدنيوية «العلمانية» التي شكّلت احد الخيارات أمام أخرى ليس أقلّها شأنا الخيار الروحاني. ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن التطور الذي عرفته العلاقة مع الكنيسة في الغرب المسيحي لم يتم حسب «خط مستقيم» لكنه عرف العديد من الانكفاءات والتعرجات خلال مسيرته طيلة القرون الخمسة الأخيرة.
مسيرة التطور هذه أدّت أيضا إلى قيام نوع من «التضامن» على أساس وجود مجموعات قد يربطها الانتماء العقائدي، أي «الطوائف». هنا يفتح المؤلف قوسين كي يؤكد أن المجتمعات تتشكل من مجموعة من «الطوائف» المرئية أو غير المرئية. لكن يتم التأكيد هنا أيضا على أن المجتمع يتألف من مجاميع لها انتماءاتها ولا يمكن تقليصها إلى القول ان «المجتمع غير موجود، إنما هناك أفراده، كما تشيع الأطروحات اللبرالية». مثل هذه المقولة «القائمة على تمجيد الفرد» تتنافى مع مبدأ «التضامن» الذي يؤكد عليه المؤلف على اعتبار أنه ضروري بين الأفراد وبين الجماعات أيضا.
ويشير المؤلف إلى أن اللبراليين يجدون في المساواة أمام القانون حلا لجميع المشاكل. لكن الواقع مختلف على حد قوله إذ ان فردا ما في مجتمع يعاني من العنصرية في مجال التوظيف بسبب أنه يحمل مثلا اسما يدل على انتمائه الديني الإسلامي في المجتمعات الغربية لا يهمه القيام ب«ملاحقات أمام المحاكم» لتثبت «مساواته» مع الآخرين، وإنما بالأحرى يهمه إيجاد فرصة عمل.
ومفهوم «الفرد» نفسه قد عرف تطورا كبيرا بالتزامن مع تطور العلمانية في المجتمعات الغربية المسيحية. فخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت معركة الفرد هي تحديد مكانته الاجتماعية والحصول على الحقوق بالعلاقة مع المجتمع والكنيسة والسلطة السياسية. هذا مع التأكيد على «حرية الفرد» في مواجهة جميع القوى الخارجة عنه. ثم ظهرت بعد ذلك ما يسميه المؤلف ب«النزعة الفردية الباحثة عن الانتماء إلى هوية»، وذلك عبر الانتماء إلى «مجموعة» تسمح له بحق التأكيد على خصوصياته.
مثل هذا الحق لا يعني أبدا الإقصاء والاستبعاد وإنما بالأحرى «الاعتراف الاجتماعي». أي الاعتراف بالتعددية في «العصر الدنيوي» الذي يسمح بمختلف الخيارات. ويدرس مؤلف هذا الكتاب في أحد محاوره آليات تأثر المسيرة العلمانية في الغرب خلال القرون الخمسة الأخيرة في ميادين الفن والآداب العلوم بشكل أشمل جميع النشاطات الإنسانية التي كان للدين دور فيها، إلى هذه الدرجة أو تلك، في الفترة المعنية.
وهو يبدأ تحليلاته انطلاقا من رصد مفهوم «النزعة الإنسانية» الذي ظهر في نهاية العصور الوسطى. فبالاعتماد على مثل هذا المفهوم ظهرت فيما بعد تيارات فنية وأدبية مثل الرومانسية وما تفرّع منها لاحقا من مدارس جعلت الإنسان موضوعا لها. و«التوجه الدنيوي» في الغرب على صعيد الفنون والآداب واكبه بنفس الوقت «توجه دنيوي» على صعيد السياسة. وكان مظهره الأساسي هو محاولة الحد من الوزن السياسي للكنيسة في شؤون الحكم. وقد مثل عصر التنوير في أوروبا خلال القرن الثامن عشر محطة أساسية في هذا السياق.
في المحصلة يحاول تشارلز تايلور في هذا الكتاب أن يقدم تحليلا للمسيرة التي شهدها «التاريخ الفكري» بكل جوانبه ومظاهره في الغرب خلال القرون التي مهّدت لقيام مجتمعات الحداثة المعاصرة. إنه التاريخ «المعقّد» الذي أنتج «العصر الدنيوي» الراهن. ولعلّ الرسالة الأساسية التي يحتويها هذا الكتاب تتمثل في القول انه لا يمكن اختزال الحداثة إلى مجرد إقصاء العامل الديني من حياة البشر.
*الكتاب:العصر الدنيوي
*الناشر: بلكناب برس - جامعة هارفارد 2007
*الصفحات:896 صفحة من القطع المتوسط
A secular age
Charles Taylor
Belknap Press - Harvard University 2007
P.896
