كاتبة ومؤرخة وأستاذة في معهد اللغات والحضارات الشرقية ومديرة للأبحاث في مركز العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس. وكاترين دوراندان هي أيضا مؤلفة العديد من الكتب من بينها: «السي.آي.ايه في حالة حرب» و«الولايات المتحدة قوة كبرى أوروبية» و«سلالة بوش» و«فرنسا ضد أمريكا» و«نيكسون، الرئيس المشؤوم» و«رومانيا شاوشيسكو».

«وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، 2001-2006، خمس سنوات من الغضب» هو كتاب عما تعتبره المؤلفة، والخبيرة ذات الشهرة الكبيرة بشؤون القوة الأميركية العظمى، أخطر أزمة في تاريخ الوكالة الاستخباراتية منذ تأسيسها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لتكون «الذراع المسلّحة» الضاربة للولايات المتحدة. تتركز تحليلات المؤلفة على ثلاثة محاور رئيسية في محاولة لتقديم رؤية متكاملة لأزمة الوكالة الاستخباراتية التي ترى بها المؤلفة أيضا أنها أزمة «قيم» تجتازها الولايات المتحدة.

وتبحث هذه المحاور في «ضعف منطقة استخباراتية ذات شهرة كبيرة» و«العلاقات الصعبة منذ 11 سبتمبر 2001 بين السي.آي.ايه والسلطة التنفيذية الأميركية» ثم أخيرا: «أزمة الهوية التي تعاني منها النخب القائدة في أميركا منذ نهاية الحرب الباردة».

تؤكد المؤلفة أولا على سيل الانتقادات اللاذعة التي تعرّضت لها الوكالة الاستخباراتية الأميركية من مختلف الجهات الأميركية بسبب عدم قدرتها على عدم ترقب، وبالتالي منع حدوث، تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. هكذا وجدت الوكالة نفسها في موقع «كبش الفداء» الذي حمّلوه مسؤولية جميع المشاكل التي تعاني منها أجهزة الاستخبارات الأميركية كلها.

أمام هذه الانتقادات «تمرّد» بعض عملاء الوكالة الاستخباراتية ولم يتردد قسم منهم في الحديث صراحة وعلى «المكشوف» عبر نشر يومياتهم أو مواربة بشكل خفي عبر «تسريب معلومات» إلى وسائل الإعلام. وفي الحالين الهدف واحد وهو رفع المسؤولية عن الوكالة حيال أخطاء ارتكبها في الواقع المسؤولون السياسيون. وضمن مثل هذا الإطار سادت أجواء من التوتر الحقيقي بين أجهزة الاستخبارات والبيت الأبيض، أو على الأقل بعض المسؤولين الحكوميين الكبار، وعلى رأسهم وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد.

لكن الوكالة عرفت في الواقع تقلّصا كبيرا في مصداقيتها بعد تفجيرات 11 سبتمبر. وأصبحت هذه المنظمة الاستخباراتية، الأقوى في العالم كما كانت تدل الصورة الشائعة عنها وبأن أياديها «الخفيّة» هي التي تحرك الشؤون الدولية، متهمة بكل المسالب والتجاوزات ابتداءً من تقديم معلومات كاذبة من الأوضاع في العراق قبل الحرب عليه خاصة فيما يتعلق بحيازته لأسلحة الدمار الشامل ووصولا إلى تنظيم عمليات تعذيب لسجناء لديها عبر تحويلهم بواسطة رحلات جوية سرية إلى بلدان في أوروبا وغيرها.

الوكالة الاستخباراتية فقدت إذن الكثير من مصداقيتها. وهذا ما تؤكده المؤلفة وصولا إلى طرح أسئلة مثل: هل ستستطيع الوكالة البقاء بعد دفعها إلى هذا الجحيم؟ وهل ستفقد الولايات المتحدة بالتالي قدرتها في التأثير على مجريات الأمور في العالم؟ وما الدور الذي يمكن للسي.آي.ايه أن تلعبه على صعيد السياسة الأميركية في السنوات المقبلة؟ إن مؤلفة هذا الكتاب لم تكتفِ في تحليلاتها بالاعتماد على الكم الهائل من الكتابات والأدبيات حول الوكالة الاستخباراتية المركزية الأميركية بعد 11 سبتمبر.

ولكنها قامت هي نفسها بتحقيقات وجمعت العديد من الشهادات قدّمها لها أشخاصا لعبوا أدوارا هامة في فترة ما قبل وما بعد تفجيرات 11 سبتمبر. وتعتبر المؤلفة أن «صراحتهم» في الحديث هم وغيرهم بمن قدّموا آراء لا تتماشى مع الخطاب الصادر عن البيت الأبيض، إنما هم يعبّرون عن حالة «الغضب» التي عرفتها سنوات 2001-2006. فخروج هذه الوكالة المعروفة بتمجيدها لـ «ثقافة السر» عن «الصمت» يشكل سابقة لا مثيل لها في تاريخ الولايات المتحدة كله. ويبدو «الغضب» أكبر عندما ينفي التناغم فيما يقال مع مراكز القرار الحكومي العليا.

ومن الأخطاء، بل «الخطايا» الكبرى التي يتم تحميل الوكالة الاستخباراتية المركزية الأميركية مسؤوليتها، إلى جانب أنها «لم تر» و«لم ترتقب» خطورة هجومات إرهابية كان ينبغي عليها أن لا تكون بعيدة عن المواقع التي يمكنها أن تسمح لها بكشفها، هناك اتهام آخر يتعلق بقبولها الانخراط في «كذب الدولة». ذلك أن الرئيس جورج دبليو بوش، وعلى أساس النصائح التي قدمها له المحافظون الجدد، طلب جمع معلومات ضد الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وقد وصلته المعلومات «المطلوبة» في شهر فبراير 2003 والتي أكّدت امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، بل وكانت المعلومات مدعومة بخرائط عن مواقع تواجدها، كما أكدت أن النظام العراقي آنذاك كان يقيم علاقات مع تنظيم القاعدة. واتهام ثالث واجهته السي.آي.ايه وهو أنها لم ترتقب الصراعات الداخلية في العراق وإمكانية تفجره وما سيعرفه من فوضى بعد الغزو الأميركي ـ الانجليزي. هذا يعني أن الوكالة قد «تواطأت» في حملة كاذبة وأثبتت أيضا «عدم الكفاءة» في عملها.

ومن الجوانب الهامة التي تتعرض لها المؤلفة بالتحليل حديثها عن الصراعات في قمة السلطة بين رجال السياسة ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. وفي مقدمة تلك الصراعات المواجهة التي خاضها وقادها دونالد رامسفيلد ضد الوكالة والتي تصفها المؤلفة بالقول: «كان لدى دونالد رامسفيلد الذي أطلقوا عليه لقب قيصر البنتاغون هدف واحد هو الإحاطة بالسي.آي.ايه عبر خلق مؤسساته التي تقوم أولا بأعمال التحليل ثم بالاستخبارات. هذا الهدف تحوّل إلى خطة عمل في عرينه بالبنتاغون».

وتقدم المؤلفة في الإطار نفسه العديد من الدلالات على أن بعض النافذين في إدارة جورج دبليو بوش، وبدلا من العمل بغية دعم قيام وكالة فاعلة ومؤهلة للقيام بالمهمات الموكلة إليها في جمع المعلومات، فضّلوا بالأحرى إضعافها وتهميشها والاعتماد على هيئات يمكنهم السيطرة عليها بسهولة أكثر أو فضّل بعضهم مطالبة رئيس وكالة الاستخبارات المركزية، «جورج تينيت» آنذاك، بأن يكون أكثر مرونة وطاعة.

ما تؤكده المؤلفة هو أنه كان لذلك الموقف «التناحري» بين بعض رموز السلطة التنفيذية والوكالة الاستخباراتية آثاراً سيئة جداً على نشاطات الوكالة التي هم «سادتها» في نهاية الأمر، فإنه كان يعكس أيضا، وخاصة، أزمة هوية أكثر عمقا لدى أولئك الذين يجسدون الولايات المتحدة. تقول المؤلفة: «فيما هو أبعد من الأشخاص ومن المسيرات المهنية ومراتب الشرف والترقيات، إن أزمة الاستخبارات الأميركية تندرج في إطار عدة سياقات وتنطرح على عدة مستويات لأزمة سياسية وأزمة هوية أعمق وأوسع تعاني منها القوى العظمى الأميركية».

وترى المؤلفة أن السبب الأهم وراء مثل هذه الحالة يكمن في زوال الخصم السوفييتي السابق فـ «مع الاتحاد السوفييتي كانت هناك منافسة يتمركز حولها الاهتمام، باعتبار أنها منافسة إيديولوجية واقتصادية وتكنولوجية»، حسب تعبير المؤلفة لتضيف أن المنافسة اليوم قد أصبحت حول «الاستئثار بالعقول والقلوب». هذه الفكرة الخاصة بأزمة الهوية بالنسبة لوكالة الاستخبارات المركزية كما بالنسبة للسلطة السياسية تشكل عصبا رئيسيا في تحليلات «سنوات الغضب» التي أعقبت تفجيرات 11 سبتمبر في أميركا.

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على أهمية تطلع الوكالة الاستخباراتية المركزية، بعد تعرضها لاتهامات كثيرة وكبيرة، إلى قدر أكبر من «الشفافية»، فإنها تؤكد أيضا على «الخطورة» الكبيرة التي تنطوي عليها مثل هذه الشفافية. وتتم الإشارة هنا إلى أن الخوف من عواقب ذلك كان وراء جمع السي.آي.ايه و14 جهاز استخباراتي آخر تحت إشراف «مدير قومي واحد». لكن هذا لا يعني أن النزاعات الداخلية قد انتهت.

في نهاية التحليل تصل المؤلفة إلى القول أن أزمة السي.آي.ايه هي إحدى تعبيرات أزمة القيم التي تعاني منها الولايات المتحدة. وإذا كان قد ثبت أن هذه الوكالة لم تكن حسنة الاطلاع، فإنها كانت بالمقابل عرضة لاستغلالها من قبل أصحاب القرار السياسي. هذا في وقت تتكاثر فيه الشكوك حول ضمان أمن الولايات المتحدة. وكتاب تبيّن مؤلفته الصعوبات التي عرفتها السي.آي.ايه بعد 11 سبتمبر، وأشكال الجدل التي عاشتها إدارة بوش الحالية، وخطأ الإجابات التي قدمتها عن الأسئلة المطروحة عليها.

*الكتاب: خمس سنوات من الغضب - وكالة الاستخبارات المركزية السي.آي.ايه 2001 - 2006

*الناشر:ارمان كولان ـ باريس 2007

*الصفحات :188 صفحة من القطع المتوسط

La CIA: 2001-2006, cinq années de colère

Catherine Durandin

Armand Colin - Paris 2007

P.188