الان دوبوتون، من مواليد مدينة زيوريخ، يعيش في لندن يكتب باللغة الانجليزية. صحافي وروائي وكاتب دراسات وأستاذ لمادة الفلسفة في جامعات لندن. قدّم ما يقارب العشرة كتب نال بعضها شهرة وانتشارا كبيرين مثل «فن السفر» و«صورة فتاة انجليزية» و«فلسفة صغيرة للحب» و«حول المكانة الاجتماعية».

«فن بناء السعادة» ليس «دليلا» كالذي تعرف الأسواق منه من أجل بلوغ «السعادة»، أو محاولة للإجابة على السؤال المثير: كيف يمكنك أن تكون سعيدا؟ إنه بالأحرى محاولة لفتح آفاق للتفكير والتأمل عمّا يمكن أن «يقوله» لنا الوسط المحيط بنا، أو حسب تعبير المؤلف نفسه: ما يريد الوسط المحيط بنا قوله لنا». هذا الوسط المحيط بنا هو قبل كل شيء المشهد الذي تمثّله بالنسبة لنا الأبنية التي نسكنها، ومن هنا بالتحديد تأتي الدلالة «المعمارية» في عنوان الكتاب.

في البداية يؤكد المؤلف على أهمية ما يمكن أن تثيره بنا الأشياء الصغيرة التي تحيط بنا من أفكار وتأملات «بل ويؤكد أن هذا الكتاب نفسه هو وليد «فكرة صغيرة» انبثقت ذات لحظة في رأسه، ويعبّر عنها كالتالي: «كنت قد لاحظت أنني أحس بالسعادة في بعض الشوارع أكثر من شوارع أخرى. وقد حاولت أن أعرف سبب ذلك». وكانت ثمرة محاولته هي هذا الكتاب «فن بناء السعادة».

ما يريد أن يقوله المؤلف، منذ البداية أيضا، هو أنه هناك علاقة «شبه عاطفية» بيننا وبين الأمكنة التي تحيط بنا والتي نعيش فيها. بل لا يمكن الفصل تماما بين هذه العلاقة مع المكان وبين التعلق بمرابع الطفولة وب«أمكنة» الوطن، بكل الحالات يؤكد الان دو بوتون على أن «أمكنتنا» تثير فينا «بالضرورة» الكثير من العواطف والتأملات والأفكار. يقول: «لحسن الحظ أو لسوئه بالنسبة لنا، إننا أشخاص مختلفون في أماكن مختلفة».

بهذا المعنى يريد مؤلف هذا الكتاب أن يجد رابطة بين المكان الذي نسكن فيه وبين ما يجول في رأسنا من أفكار. وبالتالي يريد أن يؤكد على أهمية البعد «العاطفي» و«الانفعالي» الذي يتم إهماله غالبا من قبل المسؤولين عن التخطيط العمراني ومن «المهندسين» المعنيين بإيجاد حالة من الانسجام بين الأبنية والوسط المحيط، وأيضا من قبل المقاولين المعماريين الذي لا يرون في «العمارة» و«التعمير» سوى البعد الاقتصادي. البعد الذي يقصده «البعد الجمالي»، ذلك أن «البشر يبحثون في قرارة أنفسهم عن الجميل وليس عن المال»، حسب رأيه.

إن مؤلف هذا الكتاب يرى في «السعادة» غاية يسعى إليها البشر، بل إنها تمثل الهدف الأسمى لهم مهما كانت سبل الوصول إليها مختلفة ومتباينة. هكذا قد يجدها البعض، كما يشير، في القراءة وفي إمضاء أوقات «سعيدة» مع سقراط أو مارسيل بروست أو شارل بودلير، ويجدها آخرون في الفن والخوض في عالمه برفقة رامبرانت أو بيكاسو أو هذا الفنان أو ذاك. وقد يجد البعض السعادة في «فن السفر»، الذي كان مؤلف هذا الكتاب قد كرّس له كتابا كاملا يحمل عنوان «فن السفر».

سبل السعادة المختلفة يضاف لها اليوم في عصر الحداثة والتكنولوجيات المتقدمة عنصر جديد يحدده المؤلف ب«الإطار» الذي يحيط بحياتنا. من هنا بالتحديد تأتي الأهمية الاستثنائية لفن العمارة بالنسبة للأمكنة التي نعيش فيها أو تكون أمكنة عملنا. ويحدد المؤلف إحدى الوظائف الأساسية لفن العمارة بأن «تساعدنا في جعل ما يمكن أن يكون أكثر كمالا في داخلنا قابلا للتحقيق».

لعلّ الخصوصية الكبرى في هذا العمل لالان دوبوتون هو أن المؤلف يستخدم الكثير من الرسوم «التوضيحية» أو التي تمثل أحيانا أعمالا فنية شهيرة ثم يحاول أن يقيم علاقة «واضحة» بين ما يكتبه وما يمكن أن توحي به الرسوم المرافقة. هكذا ينقل قارئه إلى شوارع طوكيو أو إلى البرازيل أو إلى قصر الحمراء في الأندلس أو إلى البرلمان الهنغاري في بودابست.

وفي هذه الحالات كلها يحاول المؤلف أن يشرح «انطباع الجمال» في كل مكان من الأمكنة المعنية والسبب الذي يجعل «كل أسلوب في العمارة مؤشرا على مفهوم خاص بالسعادة». ولا يتردد في القول أنه وعلى غراء أولئك الذين يحاولون قراءة شخصية الفرد من خلال «كتابته» أو حتى من خلال بعض «الخربشات» التي يقوم بها، يمكن أيضا الحديث عن الحالة النفسية التي يعيشها البشر من خلال أمكنة عامة.

ومن الأمور التي يؤكد عليها المؤلف في تحليلاته هناك «السهولة» التي يربط فيها البشر بين حالتهم النفسية وبين الوسط الذي يحيط بهم. وهكذا يمكن لأبسط المواقف التي يعيشها المرء أو ربما التي يعيشها أولئك الذين يصادفهم في لحظة معينة أو في أوضاع معينة في إثارة تساؤلات لديه قد تتجاوز حدود الموقف نفسه كي تصل أحيانا إلى «التأمل الميتافيزيقي لما هو خارج الأشياء الملموسة». وهذا ما يعبر عنه بالقول :«تدهشني دائما السهولة التي يستطيع البشر بواسطتها أن يربطوا بين العالم البسيكولوجي بالعالم المرئي أو المسموع». مثل هذا «الربط» قد يثيره موقف بسيط قد يبدو ب«دون معنى» ولكن الوسط المحيط يعطيه «دلالات بعيدة».

ويكرّس المؤلف الكثير من تأملاته وتحليلاته للحديث عن مفهوم «الجمال» وعلاقته ب«السعادة». ولا يتردد في القول أن الأشياء التي تثير فينا المشاعر ونعتبرها جميلة إنما تكون، بصيغة ما، نوعا من «التجليات» للبشر الذين نحبهم. بالطريقة نفسها يمكن للأماكن التي نشعر فيها أننا، بصيغة ما، سعداء أن تكون «نسخة» عما كان قد أثار فينا ذات يوم مشاعر سعيدة هي الأخرى.

ولعلّ الان دوبوتون لا يبتعد كثيرا في هذا القول عن الأفكار التي قال بها أفلاطون في «جمهوريته» عن «عالم المثل» و«تبدياتها» في الواقع المعاش للبشر. يقول الان دوبوتون: «إن ما نبحث عنه في الأشياء التي تحيط بنا ليس بعيدا في النهاية عمّا نحبه لدى أصدقائنا». ولا شك أن ما يصبو إليه الان دوبوتون من كتابه هو أكثر واقعية من العالم «الأفلاطوني»، ذلك أنه يريد أن يدفع قارئه إلى طرح بعض الأسئلة عما يحيط به من أشياء وعن وقع هذه الأشياء في نفسه.

فحتى «ديكور» المنزل أو الشقّة قد لا يكون «بريئا»، وربما أنه قد تكون له علاقة مع «التوازن الشخصي» للمعني به. باختصار إنه يؤكد على ضرورة فهم «ما يقوله لنا الوسط المحيط بنا» ومعرفة «السبب الذي يجعلنا شديدي الحساسية لما تعبّر عنه الأبنية أو الحيّز المكاني الذي نعيش فيه». أما الهدف من الفهم والمعرفة فهو ليس شيئا آخر سوى «السعادة».

ولعلّه من المفيد هنا التذكير أن الان دو بوتون كان قد اهتم في عدد من أعماله السابقة قد تعرّض لمواضيع «بسيطة» مثل السفر وأوقات الفراغ والعمل وناقش فيها كلها مفهوم «الانفعالات المباشرة»، وهذه «المباشرة» نفسها هي التي يبحث عنها أيضا في هذا الكتاب الجديد «فن بناء السعادة» عبر «تعبيرات» الجدران والمنازل والأمكنة وأشياء الحياة اليومية. ولكنه يرى لعملية البحث وجها آخر مرتبطا إلى حد كبير بواقع العالم الذي نعيش فيه. ويقول: «إن البشر يتولاهم الإحساس بعدم القدرة على تغيير العالم، لذلك قد يختارون تغيير الأريكة في بيتهم». بهذا المعنى أيضا يكتسي «ديكور» المنزل أهمية خاصة اليوم.

ما يعيبه المؤلف على «فن العمارة» اليوم هو هذا الغياب الكبير لمفهوم «الجمال» فيه. يقول: «كان المهندس المعماري، في الأزمنة القديمة، مهندسا وفنانا في الوقت نفسه. أما اليوم فإن المهندسين المعماريين لديهم مفهوما تقنيا بحتا لمهنتهم. وهناك مواكبة واضحة بين فن العمارة الحديث والأدب المعاصر (...). ففي الحالتين يتم نسيان متعة تذوق الجمال».

ويوسّع الان دو بوتون مجال رؤيته لغياب البعد الجمالي إلى السياسة أيضا، وهو ما تشرحه بشكل جيد الجملة التالية: «استمعوا إلى الخطابات السياسية. إنها تتحدث عن الصحّة والتربية والمال ولكنها لا تذكر أبدا الجمال. هذه الكلمة تُخيف وتبدو مفرطة في اتساعها وفي أنوثتها وفي أرستقراطيتها».

وفي السياق نفسه يذكر المؤلف تجربة خاصة خاضها في فرنسا عندما أجرى تحقيقا صحفيا في ضاحية «بوبيني» بالقرب من باريس التي شهدت أحداث عنف قام بها الشباب خاصة في نهاية عام 2005. وما يؤكده هو أن جميع الذين تحدث منهم ذكروا الوضع الاقتصادي والبطابة ولكنهم تحدثوا، جميعهم أيضا، عن «بشاعة» ضواحيهم والمحيط الذي يعيشون فيه، وتحديدا بمعنى بشاعة الأبنية والشوارع. وفي النتيجة يصل المؤلف إلى القول أن الفكرة السائدة القائلة إن «الجمال ترف مكرّس للأغنياء فقط تمثل أحد أكبر مآسي عصرنا».

تقول إحدى جمل الكتاب: «إذا كان مبنًى ما يؤثر فينا بما يمتلكه من توازن، فإن هذا يوضّح وسيلة لوضع الانسجام في المظاهر المتنافرة لشخصيتنا. ويبيّن أننا نستطيع أن نتطلع، نحن أيضا، إلى فعل شيء ما جميل لتناقضاتنا المزعجة». وهذه جملة تعبر بشكل «متوازن» عن مضمون الكتاب.

*الكتاب:فن بناء السعادة

*الناشر:بنغوان ـ لندن 2007

*الصفحات: 280 صفحة من القطع المتوسط

The architecture of happiness

Alain De Botton

Penguin - London 2007

P.280