باسكال بونيفاس هو أحد المفكرين الاستراتيجيين الفرنسيين ذوي الشهرة العالمية، وهو معروف باهتمامه بالعالم العربي ـ الإسلامي وبالقضايا الاستراتيجية الدولية. سبق لصحيفة «البيان» وقدّمت العديد من أعماله لقرائها. له ما يزيد على الخمسين كتاباً من بينها: «دور فرنسا في العالم» و«العالم النووي» و«كرة القدم والعولمة» و«الحرب العالمية الرابعة» و«فرنسا ضد الإمبراطورية» و«هل من المسموح انتقاد إسرائيل»؟ هذا الكتاب الأخير أثار ضجة كبيرة.
في هذا الكتاب الجديد يناقش المؤلف الأفكار الجاهزة «الخمسين» الأكثر شيوعاً في عالم اليوم.. الأفكار الجاهزة على غرار «الألبسة الجاهزة». ولكنها أفكار تحتوي على الكثير من الأخطاء والمغالطات. هذا ما يقدم عليه باسكال بونيفاس حججه وبراهينه.
العديد من «الأفكار» الجاهزة الشائعة التي تتم مناقشتها تخص بطريقة مباشرة أو غير مباشرة العالم العربي ـ الإسلامي مثل «تفجيرات 11 سبتمبر غيّرت العالم» و«حرب العراق قامت من أجل البترول» و«فرنسا مؤيدة للعرب» و«الإسرائيليون والعرب لن يتوصلوا أبداً إلى سلام» و«حرب العراق قامت من أجل جعل البلاد ديمقراطية» و«الإسلام لا يتوافق مع الديمقراطية» و«الأميركيون هم الذين دبّروا تفجيرات 11 سبتمبر»...
يؤكد باسكال بونيفاس مقدمة للكتاب أن البشر يواجهون اليوم وضعاً معقّداً «من الصعب حلّ رموزه». والخطر الأكبر في أية محاولة للفهم يكمن في «التبسيط المخلّ»، وخطر آخر يكمن في أخذ الأمور كما هي مطروحة «جاهزة» واعتبارها كحقائق تعلو على أي نقاش. وإذا كان البعض يقومون بترويجها لأغراض مسبقة تتماشى مع قناعاتهم وتخدمها فإن الأغلبية يتداولونها عن طيب نيّة وطوية. لذلك ومن موضع نقدي اختار باسكال بونيفاس «50 فكرة جاهزة» من بين الأكثر شيوعاً حول المسائل الدولية وحاول أن يبيّن «الحقائق» الكامنة وراءها، وراء المظاهر.
«هذا صحيح وقد قرأته في كتاب»، هذه هي «الفكرة الجاهزة» الأولى التي يناقشها المؤلف مؤكداً أن الكتاب يمثل رمز المعرفة ونقلها من جيل إلى آخر. وهو يجمع أفكاراً وآراء معمقة. ولا يزال الكتاب يحتفظ بمكانته الخاصة في عصر الانترنت بسبب افتراض ما يتضمّنه من مرجعيات وتدقيقات ومصداقية علمية. لكن المؤلف يفتح قوسين ليشير إلى وجهات النظر المغايرة و«الموثّقة» التي تضمّنتها كتب عديدة حول حرب الجزائر أو قضية الشرق الأوسط والعديد من القضايا الأخرى، بل هناك مغالطات كثيرة تضمّنتها الكتب المدرسية. وينتهي المؤلف إلى القول: «كل ما تمّت كتابته قابل للجدل بما في ذلك هذا الكتاب».
وتقول «فكرة جاهزة» أخرى ان «الخبراء يساعدون على فهم الأحداث»، وذلك على قاعدة القناعة أنهم، على عكس الصحافيين، لا يكتفون بمعلومات عامة وإنما معلومات مدققة حول مجال اختصاصهم مما يعطي لتحليلاتهم «الجديّة والمصداقية»، لكن «هل يمكن للحياد والموضوعية أن يتواجدا حول مواضيع حساسة ومهمة كالتي تخصّ العلاقات الدولية»؟ يتساءل المؤلف ويشكّل سؤاله جزءاً من إجابته والتي تقوم على مقولة أساسية هي أن «الخبراء» لهم دائماً مصالحهم.
ومن أكثر «الأفكار الجاهزة» شيوعاً وقبولاً اليوم تتمثل في قول ان «11 سبتمبر غيّر العالم»، وذلك على أساس أن تلك التفجيرات دفعت نحو عالم يسوده «الإرهاب الشامل» وأنه لن يظلّ أي شيء كما كان من قبل. ويؤكد باسكال بونيفاس أنه يتم بهذا الصدد «الخلط» بين المظهر المرعب للتفجيرات المقصودة ضد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون التي عاشها العالم مباشرة على شاشات التلفزيون وبين «نتائجها على النظام العالمي».
كانت الصدمة رهيبة والمفاجأة كبيرة وكذلك إشارات الاستفهام حول أجهزة الاستخبارات الأميركية. لكن وراء هذا كله لم يتم واقعياً أي تغيير حقيقي في بنية العلاقات الدولية. ولم تتغير أيضاً موازين القوى بين القوى الكبرى في العالم، بل إن الولايات المتحدة عززت من مكانتها في العالم عبر «جرّها» الحلفاء إلى ما أطلقت عليه تسمية «الحرب ضد الإرهاب». ولم يتغير أيضاً دور الصين واليابان وأوروبا وروسيا على المسرح الدولي ولم تتغير التحالفات جوهرياً.
وبقيت التحديات الكبرى في العالم تخص سخونة الأرض وتلوث البيئة والنزاعات المحلية، في الشرق الأوسط وغيره. بهذا المعنى يرى المؤلف أنه لا تكمن المقارنة بين آثار انهيار جدار برلين وتحلل الاتحاد السوفييتي السابق على بزوغ عالم جديد وبين آثار 11 سبتمبر 2001. و«911 ليس 9/11، تاريخ انهيار جدار برلين عام 1989 الذي أدّى إلى نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي».
ويحاول باسكال بونيفاس أن يبرهن أيضاً على خطأ الفكرة القائلة ان الأميركيين هم الذين دبّروا تفجيرات 11 سبتمبر»، وذلك على أساس أنه بـ «فضل» هذه التفجيرات استطاعوا أن يسبغوا الشرعية على غزوهم للعراق وزيادة السيطرة على منطقة الشرق الأوسط. وبرروا في الوقت نفسه العمل على زيادة قوتهم العسكرية وإشباع تعطشهم للهيمنة على العالم.
وبعد أن يشير إلى شيوع «نظرية المؤامرة» و«تطبيقها» على تفجيرات 11 ستبمبر وإلى حقيقة أن التخطيط لغزو العراق قد سبق هذه التفجيرات وجرى اقتراح ذلك على الرئيس الأميركي بيل كلينتون من قبل «علبة للأفكار» تعود لمحافظين جدد كان من بينهم دونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وجيب بوش، شقيق الرئيس جورج دبليو بوش، بعد أن يشير إلى هذا كله يستبعد تماماً أن يكون ذلك صحيحاً «دون أن يكشف أي أميركي المؤامرة في لحظة ما».
ويرى أن التفسير «المؤامراتي» وجد بعض القبول بسبب الأكاذيب التي مارستها إدارة جورج دبليو بوش حيال حيازة العراق لأسلحة دمار شامل. و«عندما تكذب سلطة ما حول مسألة خطيرة تعرّض بالتالي مصداقيتها كلها للخطر فيما يتعلق بمختلف المسائل الأخرى»، كما يختم المؤلف قوله. وماذا عن فكرة أن «حرب العراق قامت من أجل البترول».
لقد شاعت هذه الفكرة على خلفية القول ان التبريرات التي قدّمتها الولايات المتحدة من أجل إقامة تحالف للحرب ضد العراق تكشّفت على أنها تبريرات «مزيّفة» فيما يخص حيازة هذه البلاد أسلحة الدمار الشامل، و«غير مجدية» فيما يخص الحرب على الإرهاب و«صعبة التحقيق» فيما يتعلق بقيام عراق ديمقراطي. هكذا أصبح من المنطقي القول، ان الولايات المتحدة، ذات التبعية الكبيرة لبترول الشرق الأوسط، قد مارست دائماً «دبلوماسية بترولية». ومثل هذه «الدبلوماسية» تعززت في ظل إدارة جورج دبليو بوش الذي ترتبط أسرته «تاريخياً» بالشركات النفطية.
وقد لوحظ في هذا السياق أنه عندما دخلت القوات الأميركية إلى بغداد في حرب ربيع 2003 قامت بحماية «مؤسسة» واحدة هي «وزارة النفط» بينما تركت المستشفيات العامة ومتحف بغداد الذي كان يحتوي على كنوز لا تقدّر بثمن عرضة للتخريب والنهب والسلب. لكن المؤلف، الذي يؤكد أنه لا يمكن استبعاد مسألة السيطرة على النفط العراقي من الأسباب التي دعت واشنطن للجوء إلى الحرب، يعتقد أن السبب البترولي وحده ليس كافياً.
ذلك أنه كان من البساطة أكثر إقامة حوار مع النظام العراقي السابق لتحقيق مصالح أميركا البترولية مقابل رفع العقوبات الدولية عن البلاد. وليس هناك ما يسمح بالقول ان مثل تلك «المقايضة» كانت ستلقى الرفض من قبل الجانب العراقي. وينتهي المؤلف إلى القول: «هناك أسباب جيوسياسية دفعت الأميركيين إلى عدم مد يدهم لصدام حسين، ذلك أن منظور قيام عراق قوي كان أمراً غير مقبول».
بالنسبة للفكرة الجاهزة التي تؤكد أن «فرنسا مؤيدة للعرب» يرى المؤلف أنها تعود لمقولة ان فرنسا تدافع باستمرار عن المواقف العربية في منطقة الأمم المتحدة وتشير في الوقت نفسه بأصابع الاتهام لإسرائيل على أنها هي التي تعطّل مسيرة السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ويتم تفسير هذا بالقول ان لفرنسا مصالح تجارية مع البلدان العربية تحاول تعزيزها، هذا فضلاً عن وجود أقلية عربية كبيرة تشكّل ما بين 8 بالمئة و10 بالمئة من الفرنسيين وهي تمتلك بالتالي وزناً انتخابياً مهماً.
ويشير المؤلف إلى أن فرنسا قد طوّرت بالفعل منذ سنوات السبعينات المنصرمة علاقات تجارية واقتصادية مهمة مع العالم العربي، وأن خلفية ذلك «التغيير في الاتجاه» كانت تعتمد على رؤية استراتيجية تحاول فرنسا من خلالها إيجاد شركاء مما قد يسمح لها بتعزيز موقعها الخاص في إطار العلاقات بين معسكري الغرب والشرق.
وكانت مواقف عديدة اتخذها الرؤساء الفرنسيون بعد الجنرال ديغول قد لاقت استحساناً كبيراً في العالم العربي وخاصة قرار الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران اللقاء بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في باريس عام 1989، وقرار الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بالتهديد باستخدام حق النقض ـ الفيتو ـ ضد قرار قد تصدره منظمة يعطي الضوء الأخضر لغزو العراق عام 2003.
وينتهي المؤلف إلى القول ان اتهام فرنسا بانتهاج سياسة مؤيدة للعرب يقصد إلى تقليل مصداقية سياستها حيال الشرق الأوسط وتقديمها على أنها «سياسة غير متوازنة» و«منحازة»، بينما أن ما تسعى فرنسا إليه هو مجرّد إعطاء نفسها الهامش الذي يسمح لها بالتعبير عن تبيان في الرأي عن الحكومة الإسرائيلية، كما تفعل أيضاً بالنسبة للحلفاء الآخرين.
والبحث عن مثل هذا الهامش موجود أيضاً فيما يخص فكرة جاهزة أخرى تقول ان «السياسة الخارجية الفرنسية تستلهم توجهها من نزعة العداء لأميركا». وفي رأس الأفكار الجاهزة الأخرى التي يحاول المؤلف تبيين بعض «التباين» فيها عمّا تعنيه في الحقيقة هناك قول ان «روسيا لا يمكن حكمها إلا بنظام قوي» و«الأنظمة الديمقراطية لا تقوم بالحرب» و«ستكون هناك حرب بين الصين والولايات المتحدة» و«ليس هناك قيم كونية» و«سوف تسيطر الصين على العالم» و«العالم الغربي في خطر» و«الأمم المتحدة أصبحت بلا فائدة»، الخ.
*الكتاب:50 فكرة جاهزة حول حالة العالم
*الناشر:ارمان كولان ـ باريس 2007
*الصفحات:157 صفحة من القطع الصغير
50 idées reçues sur l'état mon
Pascal Boniface
Armand Colin - Paris 2007
P.157
