تقتحم رواية ستيفن كينغ الجديدة التي تحمل عنوان «دوما كي» العالم الغامض والملتبس لجزيرة غير مأهولة في فلوريدا، حيث تئن القواقع في مواجهة المد العالي، وتظهر كرات التنس من دون توقع، وتنمو أوراق الشجر على نحو سريع يثير الريبة، ويحلق طائر بلشون واحد على الأقل هابطاً من العلياء إلى أسفل. وفي ضوء هذا الجمع بين المؤلف والمشاهد فإن من الحتمي أن يظهر شيء مرعب قبل أن تنتهي الرواية.

لكن استخدام كينغ للرعب هنا مفارق لما سبق أن اعتدناه، حقاً إنه لا يزال يمثل قوة الدفع لقصصه، ولكنه لم يعد السبب الرئيسي في أن هذه القصص تثير الاهتمام. ومن المؤكد أنه لا يزال بوسعه أن يستخدم المؤثرات الفائقة للطبيعة لإثارة فزع القراء، ولكنه مؤخراً يفصح عن اهتمامات أخرى. ففي أعقاب حادثة السيارة التي تعرض لها في عام 1999 حول جوهر الصحة والعقل إلى نبع الخوف الأكثر إثارة للإزعاج في أعماله.

تدور رواية «دوما كي» حول شخصيات منحتها تجارب الاقتراب الشديد من الموت قوى نفسية، وقد يبدو أن ذلك يجعل الرواية خيالية، لكن «دوما كي» رواية صريحة وقوية الجذور، والشخصية الأساسية فيها، إدغار فريمانتل، هي شخصية مألوفة، لها سمات قليلة غير عادية، إحدى هذه السمات أنه حقق ثراء طائلاً من العمل في مجال المقاولات، كما أنه فقد إحدى ذراعيه في حادثة تعرض لها، وهو خلافاً للكثيرين ممن خرجت حياتهم فجأة عن مسارها يعرف على وجه الدقة ما الذي أصابه، فقد لطمته رافعة وهشمته تهشيماً.

مع بداية الرواية، نجد إدغار في غمار عملية الانتقال من مينيسوتا إلى فلوريدا، حيث أمر طبيبه بتغيير محيط حياته، وهكذا فإنه يصل إلى دوما كي وينتقل إلى دار حمراء وردية تطل على مشهد غروب ساحر. ويأخذ كينغ وقتاً طويلاً في كشف حقيقة ما يجري في هذا المكان، ولكن مشاهد الغروب يتضح أنها تجتذب إدجار إلى الرسم الذي يتقنه، والتفاصيل التي تبدو في اللوحات لها طريقتها في تقديم أحداث حقيقية قبل وقوعها أو حتى في التسبب في وقوع هذه الأحداث، وبصفة خاصة عندما تكون أحداثاً قاتلة.

ونلاحظ أن اليزابيث إيستليك، السيدة العجوز التي تقيم في الدار المجاورة، تتمتع بمواهب فنية وقوية على نحو غريب. شأن اليزابيث، وشأن وايرمان، المحامي السابق الذي يرعاها، فإن إدجار يعيش في حالة ذهنية ضبابية وغير مستقرة، فقد عانى كل منهما من إصابة في الرأس وتعرض للحظات من الفوضى الباعثة على الجنون. في مثل هذا المناخ فإن قواعد الفانتازيا ربما تنطلق متحررة من أعنتها، ولكن كينغ يبني صرح هذه الرواية بصبر واقتدار، وهو يحكم السيطرة على ميله السابق إلى الانجراف إلى عالم الأحلام، وكذلك على ميل محرري أعماله إلى ترك مثل هذا الانجراف يحدث.

والسرد اللاهث لأحداث «دوما كي» تفصل بين مقاطعه فصول قصيرة تدور حول موضوع «كيف ترسم لوحة». وهناك اثنا عشر فصلاً من هذا النوع، وهي تتضمن عمليات كشف زاحفة وتدريجية عن تاريخ عائلة إليزابيث الحافل. وهذه الفصول تقدم أيضاً نصيحة مباشرة حول الكيفية التي يتعين على الفنان أن يتعامل بها مع الذاكرة.

يساعد النثر الموحي بالخبرة للأسرار على امتداد النص على دفعه قدماً، وفي البداية ينطلق كينغ بالسرد على مهل في غمار عملية تقديم تاريخ ادجار، ودهشة هذا الأخير حيال الجوانب المخيفة في فلوريدا، ولكن إيقاع «دوما كي» يتسارع لدى الوصول إلى المرحلة الحافلة بالألغاز فيها. عندما نصل إلى الثلث الأخير من الرواية فإن سرعتها الكبيرة تمضي بكل الأشخاص والأشياء الداخلة على نحو بريء في نسيجها إلى نوع من المنعطف الشيطاني.

على الرغم من أن هذا الجزء الأخير من الرواية هو الجزء الذي ينبغي أن يكون أكثر احتداماً وامتلاءً بالأحداث، فإن الجوانب الأقل احتشاداً بالوقائع في الرواية تفلح في أن تكون شديدة الجاذبية بالنسبة للقارئ، كذلك يولّد المؤلف عناصر التشويق من خلال اتباع الطريقة التي يكافح من خلال إدجار في التعامل مع ذاكرته، وبالمثل فهناك دراما حافلة في الطريقة التي يعايش بها الأحاسيس الشبحية للذراع المفقودة، أو يتعامل بها مع من يحبونه، أو يحاول من خلالها أن يخمن أي منطقة غسق غامضة يضرب تحت آفاقها.

هناك أيضاً لوحات ادجار ورسوماته التي تتطور من مشاهد بريئة للطبيعة إلى أعمال فنية ناضجة، ويبدو أن كينغ يستمتع بالطريقة التي يجد إدغار نفسه من خلالها وقد انتقل من هاو للفن التشكيلي إلى مبدع من طراز فريد. في الختام، نجد الخطر عند الأبواب، الرعب في انتظار أن يطبق ويغدو حضوراً شاملاً، ثم إذا به في الداخل، ثم لا يعود أمام المرء مجالات عديدة أمامه، خوفاً من أن «شيئاً بارداً ومبتلاً وغارقاً في الأعشاب البرية سوف يمتد إلى الأمام في معرض الرد».

ويلفت نظرنا أن صحيفة «واشنطن بوست» ترى في رواية كينغ الجديدة قصة صراع محتدم بين قوى الرعب وقوة الإبداع المحررة، وان كينغ ربما يقوم فيها بدور الوسيط بين القوى المتنوعة للروح المبدعة وبين عالمنا بكل تناقضاته، وانه لم يفقد بأي حال من الأحوال موهبته التي لا نظير لها في اجتذاب قرائه وتحريك شعورهم بالخوف والرعب.

غير أن الإشادة المتعددة بهذا العمل من أعمال كينغ التي تتردد أصداؤها في أكثر مطبوعات أميركا، لن تمنع من بروز انتقادات قاسية، كتلك التي التي تطرحها مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة، حيث تلاحظ أن الانتقال من التشويق النفسي الأولي في الرواية إلى العناصر الفائقة للطبيعة قد يثير عند بعض القراء شعوراً بخيبة الأمل، وإن كانت تستدرك مشيرة إلى أن القراء يتعين عليهم في نهاية المطاف أن يقدروا مقدرة المؤلف على إبداع شخصيات متكاملة الجوانب وعلى أن يستحضر عناصر الرعب التي هي في المقام الأول من صنع البشر بصورة خالصة.

وتظل هذه الرواية عملاً شديد الجاذبية بالنسبة لمحبي هذا اللون من روايات الإثارة والرعب والفزع التي تقودنا إلى جوانب غامضة وملتبسة من جغرافيا النفس البشرية التي لا تنقصها المتاهات ولا الألغاز.

حياتي الأخرى

«اسمي إدغار فريمانتل. وكنت رجلاً له شأنه في أنشطة أعمال البناء والمقاولات. وكان ذلك في مينيسوتا، في حياتي الأخرى. وقد علمت بهذه الأمور المتعلقة بحياتي الأخرى من وايرمان. وأنا أريد أن أحدثك عن وايرمان، ولكن دعنا أولاً نتناول ذلك الجزء المتعلق بمينيسوتا.

يتعين أن أقول ذلك. لقد كنت فتى أميركياً ناجحاً هناك. وشققت طريقي إلى أعلى حيث بدأت، وعندما لم أستطع تحقيق المزيد من الارتفاع هناك، خرجت وبدأت عملي الخاص. وقد ضحك رئيس الشركة التي تركتها مني، وقال إنني سأفلس في غضون عام. وأعتقد أن هذا هو ما يقوله معظم الرؤساء عندما ينطلق فتى متحمس ليشق طريقه بعيداً عنهم.

بالنسبة لي كان كل شيء مناسباً، وعندما ازدهرت مينابوليس ـ سانت بول، ازدهرت شركة فريمانتل. وعندما ضاقت الأمور لم أحاول التوسع كثيراً. ولكني قمت بمغامراتي المستندة إلى حدسي، وقد وفقت في معظمها. وبحلول الوقت الذي غدوت فيه في الخمسين من العمر كانت ثروتي أنا وبام قد وصلت إلى أربعين مليون دولار. وكنا لا نزال مرتبطين، ولدينا ابنتان، وفي نهاية عصرنا الذهبي ذاك كانت إلزي في براون وميلندا تدرس في فرنسا كجزء من برنامج تبادل أجنبي. وفي الوقت الذي ساءت خلاله الأمور كنت أنا وزوجتي نخطط لزيارتها».

مقتطف من رواية(دوما كي)

*الكتاب: دوما كي

*الناشر:سكريبنر ـ نيويورك 2008

*الصفحات:592 صفحة من القطع المتوسط

Duma Key

Stephen King

Scribner -N.Y. 2008

P.295